خارج الاعتراف.. الأمهات العازبات بين قسوة القانون ووحشية مجتمع محافظ

في مجتمع محافظ تعد “الأم العازبة” وصما وعارا يلحق بالعائلة، ويضعها محط أنظار المجتمع بالتنقيص والازدراء، فتعيش منبوذة من طرف محيطها ومجتمعها، عوضا عن مصير طفلها الذي يجد نفسه بين ثنائيا الوصم والضياع والعزلة أو الشارع، وذلك بسبب إنجابه خارج إطار الزواج.

وجعلت هذه الظروف الصعبة بعض الأمهات يلجأن إلى رمي رضعهنَّ، بل إن من بينهن من تذهب إلى أبعد من ذلك، تقتل المولود خنقا لتخلص نفسها من وصم الفضيحة والخوف من المجتمع.

استغلّ ضعفي! 

تبدو رُقية، البالغة من العمر 30 سنة، حزينة وهي تنظر إلى رضيعها بعينين غزتهما الهالات السوداء، في مشهد  يعبر عن سنين الشقاء والعذاب التي عانتها هذه الفتاة منذ نعومة أظافرها، إذ يمكن تصنيفها مع الفتيات الصغيرات اللواتي حرمن من التمتع بمرحلة الطفولة.

تستهل حديثها لمنصة “هنَّ” قائلةً: “لم أعرف طعم الحب والحنان منذ صغري. حيث توفيت أمي في سن مبكرة من حياتي، فوجدت في شاب  تعرفت عليه لاحقا ملاذاً وأمانا، ذلك أنه وهبني الحنان والاحتواء الذي كنت في أشد الحاجة إليه، حيث كان حاضرا دائما نتيجة لكونه يقطن بنفس المنطقة التي أعيش بها”. 

وتواصل رُقية حديثها بحرقة: “لم أعرف في حياتي نصائح الأم أو الجدة حول كيفية التعامل مع الشباب الذكور، لذلك اندفعت تجاه هذا الشاب دون التفكير في العواقب الوخيمة لهذا الاندفاع، فقد وعدني بالزواج، وكان يعاملني باهتمام كبير، ويغمرني بحب كبير”.

تصمت الشابة قليلا، لتنساب بعد ذلك دمعة على خدها وهي تسرد بحزن الأحداث الموالية: “ذات يوم  تغير كل شيء، لم يكن كما عرفته، حيث استغل ضعفي واغتصبني دون اكتراث لصرخاتي ورجائي له بأن يتوقف، دون أن يفعل، لكونه كان تحت تأثير المخدرات، التي سيفيق منها لاحقا ويحاول أن يحتوي الموقف، دون أن يعي أن الآوان قد فات”.

وبعد فترة، تضيف رُقية، “بدأت علامات الحمل تظهر عليّ، وعندها وجدت نفسي في مرمى أصابع المجتمع حيث لم يرحمني أحد من سكان حينا، بما في ذلك خالتي التي كنت أقوم بكل شيء في بيتها وأسهر الليل من من أجل راحتها، فقد كانت قاسية جدا حين طلبت مني مغادرة بيتها”.

وعن ذلك الشاب تقول رقية: “حين لجأت إليه وأخبرته بالوضع، رغبة مني في أن يتحمل جزءً من مسؤولياته تجاهي، قال لي:  وعدتك بالزواج وسوف أفعل حين أكون جاهزا للأمر، غير أن خالتي تدخلت لاحقا لتخبرني أنه لا يمكنني أن أتزوج حتى ينتهي حملي، وتلك كانت الفرصة الملائمة ليتملص هو من مسؤولياته، ومن ذلك الحين وأنا هنا وحيدة مع ابني لا أعرف ماذا أفعل لأعيلهُ ولم أجد من يساعدني”. 

“أتذكر صدمتي الكبيرة” 

قصة رقية ليست الوحيدة، فقصص معاناة الأمهات العازبات في موريتانيا كثيرة، آسية هي الأخرى، ورغم مستوى تعليمها الجيد إلا أن لظروف قادتها إلى أن تجد نفسها في مرمى سهام المجتمع، “لا فعل بلا فاعل، لكن المجتمع مصرّ على مناداتي بالأم العازب، وترك من ساهم في ذلك”، تقول آسية لـ”هنَّ”.

وتضيف أنها “لا توجد قوانين تعاقبه، وحين تقدمت بشكوى ضده وأنا بالغ، أخبرتني المرشدة الاجتماعية أن حالتي تصنف انتهاكا لحرمات الله، وسيتم سجني لذلك أخترت نفسي، فمجتمعي لا يرحم، والآثمُ هنا هي أنا، وحدي ينتابني شعور الذنب، البعض طلب مني ترك طفلي لكن تحرك الجنين في أحشائي منعني من ذلك، ومع خياري وجدت نفسي وحيدة بين المشاكل الاجتماعية والمسؤوليات المادية بدون سند”.

وتضيف في حديثها لمنصة “هنَّ”: “أتذكر صدمتي الكبيرة بسبب الاغتصاب الذي كنت ضحية له، يبدو الأمر وكأنه حدث بالأمس فقط”.

بين التكتم وغياب الأرقام

تتعامل منظمة “معيلات الأسر”، مع عدد من هذه الحالات، في سياق يتسم بغياب الإحصاءات الرسمية واستمرار التكتم على كثير من الوقائع، سواء بسبب الخوف من تبعات قانونية قد تُثقل كاهل الضحية، أو خشية من الوصم الاجتماعي. 

ورغم هذه التحديات، وثّقت المنظمة 32 حالة خلال سنة 2023، وأكثر من 23 حالة في 2024، إضافة إلى 30 حالة خلال عام 2025. وتشير المعطيات إلى أن جميع الحالات المسجلة تعود لضحايا تعرضن للاغتصاب ولم يحصلن على دعم يُذكر، ما دفع المنظمة إلى مواكبتهنّ، سواء عبر المتابعة الاجتماعية أو من خلال إطلاق مشاريع صغيرة لمساعدتهن على تجاوز آثار هذه التجارب.

خديجة لحريطاني منسقة العمل الميداني وعضو المجلس الإدراي لرابطة النساء معيلات الأسر، توضح في حديث منصة “هنَّ”، أن وضعية الأمهات العازبات صعبة للغاية: “خاصة من الناحية النفسية، إذ تعجز بعضهن عن تجاوزها فتلازمهن آثارها لفترات طويلة، ويواجهن تحديات عديدة حتى داخل محيطهن الضيق، في ظل غياب الدعم والمساندة، من طرف الأسرة حيث يُحمَّلن وحدهن المسؤولية ويتعرضنّ للتنمر والقدح بسبب إنجاب أطفال خارج إطار الزواج، رغم أن كثيرات منهن ضحايا؛ ولا ينبغي أن يكنّ محل لوم”.

وتضيف خديجة لحريطاني: “إن عددًا منهن يتعرضن لضغوط عائلية تدفعهن للتنازل عن حقوقهنَّ والقبول بتسويات قد تصل إلى الزواج ممن كان سببًا في معاناتهنَّ، وهو ما يزيد من ألمهنَّ، إذ يعيد لهن باستمرار لحظة الانتهاك ويفرض عليهن التعايش معها، فقط حفاظًا على صورة الأسرة وتفاديًا للوصم الاجتماعي، بينما تبقى معاناتهنّ قائمة”.

وتشير لحريطاني إلى أن “ضغط الأسرة هو في الأصل امتداد لضغط المجتمع، ما يدفع بعض النساء إلى خيارات قاسية، مثل التخلي عن أطفالهنّ أو رميهم”، مؤكدةً على أن “منظمة النساء معيلات الأسر تستقبل العديد من هذه الحالات”.

وبينت المتحدثة أن “من أشد ما تعانيه الأمهات العازبات، هو ضياع حقوقهن غالبًا بسبب تدخل الأهل ومحاولات التستر على الجاني، وهو ما يترك آثاراً نفسية حادة قد تصل في بعض الحالات إلى فقدان الحياة”.

كما لفتت إلى “معاناة النساء الأجنبيات اللواتي يأتين للعمل، حيث قد يتعرضن للاستغلال أو الاغتصاب، ما يؤدي أحيانًا إلى حمل غير مرغوب فيه؛ لتجد الواحدة منهن نفسها في وضع معقد، إذ تخشى العودة إلى أسرتها بطفل قد يعرضها للخطر، فتضطر للاختيار بين البقاء أو التخلي عن الطفل للعودة إلى محيطها”.

أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا

ومن جهته، يقول الخبير الاجتماعي أبوبكر الغوث: “حين نتحدث عن ظاهرة الأم العزباء فإننا نتحدث عن إحدى أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا، وذلك لتداخل أبعادها الاجتماعية والثقافية والدينية والقانونية، خاصةً في مجتمع محافظ كالمجتمع الموريتاني، الذي تقوم بنيته القيمية على تعاليم الدين الإسلامي الذي يحرم العلاقات خارج إطار الزواج، والأعراف الاجتماعية التي تربط مسألة الشرف بالمرأة”.

يترتب عن هذا الوضع، حسب الخبير الذي استشارته منصة “هنَّ”، أن “تواجه الأم العزباء جملة من التحديات المركّبة، في مقدمتها الوصم الاجتماعي الذي يمتد أثره إلى طفلها، وما يصاحبه من ازدراء ونظرة دونية وعنف لفظي. وغالبًا ما تقود هذه الممارسات إلى العزلة والنبذ، بما ينعكس سلبًا على قدرتها على الاندماج مجددًا داخل المجتمع، ويجعل فرص الزواج محدودة أو متعذّرة”.

“كما تواجه صعوبات قانونية وإدارية، خصوصًا في ما يتعلق بإثبات نسب الطفل والحصول على الوثائق المدنية، إلى جانب ضعف فرص الولوج إلى سوق الشغل نتيجة الوصم الاجتماعي، ما يضاعف من عبء إعالة الطفل بمفردها. وعلى المستوى النفسي، قد تعاني من الاكتئاب والقلق والخوف، في ظل العزلة وغياب الدعم الاجتماعي”، يوضح الغوث.

ويضيف: “أن المجتمع يغلظ في الحكم على الأم العزباء التي في الغالب تكون ضحية اغتصاب أو استغلال”.

فيما يذهب المستشار القانوني أعل الشيخ صابر إلى التأكيد على وجود قوانين تمكن هذه الفئة من الحصول على حقوقها، قائلا: “الفقرة الاولى من المادة 38 القانون رقم: 003/2011 بتاريخ:12-01-2011م المتضمن مدونة الحالة المدنية نصت على ان الأم تصرح بإبنها المجهول الأب وتختار له اسمًا شخصيا”.

ويضيف أن “القانون رقم 054 – 2001 الصادر بتاريخ 2001/7/19 القاضي بإجبارية التعليم الأساسي نص في مادته الأولى وفي الفقرة الأولى منها على أن التعليم الأساسي إجباري على الأطفال من الجنسين والذين تتراوح أعمارهم ما بين 6 و14 سنة كاملة لفترة دراسية لا تقل عن 6 سنوات”.

رغم نظرة المجتمع المترسخة التي تغذيها أبعاد ثقافية واجتماعية تنقص من قيمة الأمهات العازبات، مازال الناشطون الحقوقيون يطالبون بسن قوانين تحمي هذه الفئة من الوصم الاجتماعي، ومنحها وأطفالها حقوقهم الكاملة، باعتبارها حقوقا طبيعية يجب أن يتمتع بها الجميع على قدم المساواة.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • “أغسل الميتة فأغسل معها قلبي”.. قصص مغربيات تحديين رهبة الموت

    تجتمع النسوة حول فاطمة، كدأبهن زوال كل سبت بمسجد الحي بمدينة عين العودة، 27 كلم جنوب الرباط،  ليسمعن منها اليوم تفاصيل تغسيل الأموات وتكفينهم. تجلس متوسطة الحلقة، وتبدأ في الشرح للنسوة اللاتي يحطن بها، تسرد فاطمة مراحل تغسيل الميت كأنها تجري أمام أعينهن، تنزع خمارها الأسود الطويل، وتجعله بديلًا للكفن الأبيض، من أجل تجسيد عملية…

    هاجر اعزة|

  • ذكرى “20 فبراير” بعيون نسائية.. “حركة أسقطت جدار الخوف”

    صدحت حناجرهم قبل 14 سنة من اليوم، وهي تلهج بشعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية"، فكانت مطالبهم رغم بساطتها جوهرية، وذات مغزى؛ نظام سياسي ديمقراطي متوازن، خدمات اجتماعية تليق بجميع المغاربة، وتمكين المواطنين من عيش كريم يحفظ كرامتهم. رغم صغر سنهم، حمل شباب "20 فبراير" من الوعي ما يكفي للمطالبة بالتغيير والإصلاح، مؤمنين بأن الحق لا…

    عفراء علوي محمدي|

  • حوار| بعد قرار الأطباء العودة للاحتجاج.. سلمى ذُكار: “فقدنا الثقة والتعامل معنا واجب وليس تفضلاً”

    في الفترة الماضية، ومنذ أربعة أشهر، خاض الأطباء الشبان في تونس سلسلة من التحركات الاحتجاجية المكثفة، شارك فيها أكثر من 12 ألف طبيب شاب، وتوّجت بتوقيع اتفاق مع وزارة الصحة في يوليو الماضي، وُعدوا بموجبه بمكاسب مهمة كتحسين الأجور وظروف التكوين ومنح الاستمرار.  ومؤخرًا أعلنت "المنظمة التونسية للأطباء الشبان" عن جولة ثانية، "الروندة الثانية" من…

    أميمة عدواني|

  • النساء المعلقاتُ في موريتانيا.. معاناة بين ظلم الأعراف وثغرات القانون في موريتانيا

    تظل المرأة في مجتمعاتنا ركيزة أساسية في بناء الأسرة والمجتمع، إلا أنّ كثيرات يصطدمن بنظرة تقليدية تقيد حريتهن في إنهاء زواج فاشل؛ حيث تكشف قصص النساء المعلقات؛ عن واقع مرير تقف فيه الأعراف وأحيانًا الأهل حائلًا أمام حق المرأة في الطلاق، مما يطيل معاناتها ويؤثر سلبًا على أطفالها. "اصبري حتى يطلق الرجل بمزاجه" فاطمة عالقة…

    مريم إسحاق إبراهيم|