هُـنَّ.. مغربيات حُرَّات ونفتخر

قارئات وقراء الموقع الرائد «هنَّ» كيف حالكم، عساكم بخير وعلى خير.

مبدئيا فلنتفق على نسق الكتابة، لأني سأتوجه بصيغة الجمع المذكر الذي يفيد العموم من النساء والرجال كل باسمه وصفته.

أُطِلُ هذه المرة عبر هذه النافذة المُمَيزة؛ المساحة التي جمعت نساءً من اليمين واليسار؛ ليبراليات ومن أحزاب وتيارات ذات مرجعية اشتراكية أو إسلامية.

شخصيا، ستكون فرصةً أخرى لمعانقة الحُضن الأكثر اتِّساعًا: الكتابة، لكني سأحتفظ بصبغتي السياسية؛ سأكتب في السياسة كما في الاقتصاد، كما في المجتمع؛ وفي علاقتهم بنون النِسوة، فالسياسة في كل الأحوال هي التي تحدد ثمن الخبز وتسيِّر شؤون البلاد والعباد.

قلت لن أنْسَلخ كثيرا عن صبغتي السياسية، وستجدونني وفيَّة لِتِيمة الاعتقال السياسي ما دام الموضوع مازال راهنا، والذي لم يعد حِكرًا على الرجال من صحفيين ومدونين ونشطاء حقوقيين وسياسيين، بل إن يد السلطة قد امتدت لتطال نساءً ذواتُ فِكرٍ، ولن أتوقف هنا كثيرا لأسجل الاعتقال الذي طال سيدة مغربية تحدثت فأزعجت فاعتُقِلَتْ، الاسم عرفتموه طبعا. فعلا هي: سعيدة العلمي التي أُدِينت في قضيتيْن منفصلتيْن: إحداهُما حُكِمَت على خلفيتها بثلاث سنواتٍ حبْسا نافذًا، وأخرى بثمانية أشهر حبْسا نافذا، قبل أن يتم الإفراج عنها خلال الانفراجة التي شهدها المغرب في الـ30 يوليوز الماضي. دون أن ننسى عفاف برناني التي أُدِينَت بستة أشهر حبْسا نافذا والتي اختارت النأْي بنفسها من ظلم السلطة إلى تونس ومن تم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقبْلها صحفية أعتز بزَمَالَتِهَا: هاجر الريسوني.

لسعيدة العلمي حكاية مع الاعتقال سأرويها بعد حين، غير أني سأقف اللحظة عند أمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ؛ مغربيات لم يَطَلْهُن الاعتقال بل مرارة الاعتقال، هنَّ أيضا واجهْن، كل بطريقتها الخاصة، تعسُّف السلطة وتغوُّلِها وإحدى أكثر الآلات قمعا في تاريخ البلد: صحافتها.

نحن هنا لا نتحدث عن الجميلات التافهات اللواتي يُنْفِقْن على زينتِهن أكثر مما ينفقه ربُّ الأسرة على أسرته، كما لن نتحدث عن زوجات وزراء وأثرياء البلد نساء المجتمع المُخْمَلِي ممن يَعْتَلِين قِمَّة الهرم، كما لسنا هنا للحديث عن نساء «التيك توك» و«الأنستغرام» اللواتي حولَّن جسد المرأة إلى شيء؛ كُلٌّ بثمن. بل حديثنا ها هنا عن نوعية فريدة أصيلة ومتأصلة؛ نساءٌ شاء القدر أن يكنَّ حاضرات وبقوة في قضايا الاعتقال السياسي ولنا في ريف البلاد: «زوليخة» والدة أبرز معتقلي حراك الريف ناصر الزفزافي، و«عالية» والدة نبيل أحمجيق، و«رحيمو» والدة محمد جلول و«حنان» شقيقة محمد حاكي، وفي الدار البيضاء: «فتيحة الشريبي» والدة الصحفي عمر الراضي، و«خلود المختاري» زوجة الصحفي سليمان الريسوني و«عائشة» والدة الناشط نور الدين العواج، وفي الرباط لنا: «فتْحِية نظيفي» زوجة النقيب محمد زيان و«أسماء الموساوي» زوجة الصحفي توفيق بوعشرين و«رشيدة بارودي» والدة المدوِّن رضى بنعثمان، دون أن ننسى والدة المهندس يوسف الحيرش وأم المدوِّن ياسين الثوار وزوجات المدوِّنيْن: عبد الرحمن زنكاض ومصطفى دكار والفاعل السياسي بوبكر الونخاري.. وغيرهم كثيرٌ ممن لم تسعفنِ الذاكرة والمعرفة على ذكر أسمائهن.

 في الجهة الأخرى من النضال كانت وما تزال أم الجميع خديجة الرياضي الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان حاضرة على الدوام؛ تجيب على جميع المكالمات الهاتفية ليل نهار وتسعى للحلِّ؛ لا تكلُّ ولا تمل من مدِّ يد المساعدة لكل من طرق الباب، إلى جانبها ستجد دائما الفاعلتيْن في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أيضا ربيعة البوزيدي والمحامية سعاد البراهمة وحقوقيات من طينتهن.

هن إذن نساء مغربيات طبعْن مرحلة من مراحل مغرب اليوم بنضالهن وصوتهن تقويما لمسار أنهكنا جميعًا.

على مرِّ التاريخ لعبت المرأة دورًا محوريًا في نهضة المجتمعات القديمة والحديثة وأثبتت من خلال هذا الدور قدرتها على التغيير الإيجابي في تلك المجتمعات، فحضورها اللافت في مختلف جوانب الحياة وإصرارها على الوقوف بجانب الرجل ومساندتها له دليل على كونها عنصرًا أساسيًا في إحداث عملية التغيير في أي مجتمع كان.

في المغرب وللأسف الشديد، مازالت الإدارة الرسمية للدولة تُخضع المرأة تمامًا كإخضاعها في أحايين كثيرة للرجل رغم كونها تقدم نفْسها حارسًا أمينًا لحقوقِها، فبالكاد نعلم شيئا عن نسبة 50.39% من المغربيات في كثافة سكانية تبلغ حوالي 36.47 مليون نسمة بحسب بيانات البنك الدولي لعام 2019. 

بالرغم من التقدم الكبير الذي حققته المرأة المغربية في سدِّ الفجوة بين الجنسين من حيث الصحة والتعليم والتمثيل السياسي والمشاركة في قوة العمل لا تزال هناك العديد من العراقيل، وهذا ليس بالغريب إذا كانت دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط من بين أكثر المناطق تهميشاً للنساء حول العالم وتمييزاً لهن ما أفقدهُن حقوقاً إنسانية بديهية ووضع المرأة بين الفئات الأكثر هشاشة وضُعفاً، وذلك وفقا للتقارير الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة. ودعونا نتفق هنا على أن إقصاء وتهميش المرأة واضطهادها اقتصاديا واستبدادها سياسيًّا داخل المجتمع لم يكن يومًا نِتاج ومنتوج هذا المجتمع أو بِنْيَتِه وثقافته بل نِتاجَ ومنتوج آليات اشتغال السلطة في علاقاتها بهذا المجتمع أو ذاك.

في المغرب، دائما كما دول المنطقة مازالت المرأة تدفع الثمن؛ فخروجها لسوق الشغل كلَّف ثمنا باهظا أدتْه لسياسات الحكومة ولنظام الدولة بشكل عام، حيث التراجعُ ملحوظٌ في حصول النساء على حقوقِهِن وإجحافٌ وتمييز بَيِّنَيْنِ في القوانين والأحوال الشخصية في ظل الحكومات المتعاقبة وخاصة في ظل الحكومة الحالية ذات المرجعية الإدارية والتي تشتغل بآلية نمط إنتاج رأسمالي متوحش، تظهر فيه المرأة كسِلعة من أجل خلق دوائر اقتصادية جديدة لم تكن مُتاحة من قَبل.

بل إن تسليع المرأة أصبح جلِيًا في ظل هذه الحكومة ذات المرجعية الرأسمالية المتوحشة حيث الرئيس/ الباطرون (من البارطرونا) باعتباره المالك لوسائل الإنتاج المادي هو رجل السياسة الذي يحتكر مؤسسات التشريع داخل الدولة رغبة منه في إنتاج وصياغة وتعديل تِرسانة قانونية تخدم بالدرجة الأولى نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يديره، في إطار زواج المال بالسلطة أو زواج نمط الإنتاج الرأسمالي بمؤسسات التشريع خِدمة للوبيات الاقتصادية وفي نفس الوقت ضمانا لاستمرار الريع الاقتصادي والسياسي من داخل مؤسسات الدولة.

وها هي قضايا الاعتقال السياسي قد أعادتنا إلى نقطة البدء في كيفية نظر الدولة للمرأة حيث المرأة هنا جسد وكفى؛ وسيلة وأداة من أدوات اشتغال السلطة لاصطياد ضحاياها تصفية لحسابات الدولة تجاه هذا الخصم أو ذاك. وعندما نتحدث عن الدولة، فإننا نقصد بالضرورة تحالف مجموعة من اللوبيات داخل مؤسسات الدولة همُّهم الوحيد ضمان استمرارية مصالِحهم الفردية من داخل هذه المؤسسات.

المرأة في البلد ما تزال حتى اليوم غير مشاركة في صنع القرار، والقرارات لاسيما المصيرية منها مازالت تُتَخذ على طاولات الرجال، ما يجعل الضرورة ملحة لمنحها مزيدًا من أدوار القيادة والريادة، ودورًا أكبر في صنع القرار السياسي لمساعدة البلد ومنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط عموما على سدِّ ثاني أكبر فجوة بين الجنسين في العالم، وفق تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2022، سيما إذا كانت هذه المرأة تتمتع أكثر من نظيرها الرجل بقدرات مهمة في التفاوض وإدارة الصراع والأزمات واكتسابها مهارات التعامل مع الآخرين مثل: الإلهام والتحفيز، والتواصل بقوة، والتعاون والعمل الجماعي، وبناء العلاقات. بالإضافة إلى قدرتها على اختراق السقف الزجاجي Glass Ceiling وهو مصطلح أمريكي يصف الحاجز غير المرئي الذي يُبقي النساء خارج الإدارة العليا، حيث وجد الباحثون أن النساء لديهن فرصة أفضل لاختراق هذا السقف عندما تواجه المؤسسة التي يعملن فيها أزمة أو تكون في مأزقٍ. وبحسب الباحثين دائما، فعندما يتم تكليف قائدة لإنقاذها تكون فرص الإخفاق في إصلاحه متدَنية جداً.

يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب.ة وليس بالضرورة عن رأي منصة هنّ

اقرأ أيضا

  • ديمقراطية البصر الأعور.. في الانتخابات الليبية المرأة تُنتخب بلا ملامح

    مع انطلاق الحملات الانتخابية التي تملأ الشوارع والمنصات الرقمية، تبرز ظاهرة طمس صور النساء المترشحات، كمرآة صادقة للصراع الثقافي والاجتماعي العميق الذي تواجهه المرأة في ليبيا.  فحين تُخفى صور المرشحات أو تُستبدل بأسمائهن فقط، لا يكون الأمر مجرد تجاهل بصري، بل استمرار لمنظومة اجتماعية تحصر المرأة في الظل وترفض الاعتراف الكامل بحقها في الظهور والمشاركة…

    منى توكا|

  • “اتحاد المغرب العربي”.. الحلم الموؤد

    منذ سنة 1994، العام الذي شهد انعقاد آخر قمة مغاربية بتونس، جمد "اتحاد المغرب العربي"، الذي بقي جثةً هامدة، إلى سنة 2005، حيث كانت هناك مساعي لإعادة إطلاق الاندماج الإقليمي، غير أن العقيد الراحل معمر القذافي، الذي كان آنذاك يرأس الاتحاد؛ قام بنسف قمة كانت مرتقبة في ماي 2005 لإعادة اطلاق الاندماج الاقتصادي. وأسس "اتحاد…

    Hounna | هنّ|

  • على ضوء الانتخابات الرئاسية.. أية مكانة للمرأة الموريتانية في سياسة البلد؟

    الانتخابات في موريتانيا لن تحدد القيادة السياسية للبلاد فحسب، بل سيكون لها أيضا القدرة على التأثير بشكل كبير على الاتجاه المستقبلي للتنمية الديمقراطية، والاستقرار الإقليمي، والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك النساء وتأثرهن شبه الغائب في الجمهورية الإسلامية الموريتانية. ففي موريتانيا، يتنافس ستة مرشحين ضد الرئيس المنتهية صلاحياته محمد ولد الشيخ الغزواني، أهمهم زعيم مكافحة…

    نور عبدالدائم|

  • “حياتي تغيرت 180 درجة”.. معاناة عائلات المعتقلين السياسيين في تونس 

    "أن تكوني زوجة سجين سياسي، ليس بالأمر الهين، فما مررت به وأمر به اليوم لا أتمناه لأحد؛ فأنا لم أعد تلك المرأة غير المهتمة كثيرا للسياسة، ولا تستمع في أغلب الأحيان للمستجدات، إلا من خلال أحاديث زوجها عبر الهاتف، أو من خلال نقاشات اللقاءات العائلية، لقد تغيرت حياتي 180 درجة، وأصبح شغلي الشاغل هو ما…

    ريم بلقاسم|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.