
لم يكن سليمان يتجاوز الخامسة عشرة حين صفعتْه والدته أمام المارة، بينما كان خاله يصرخ مهدّدًا: “لا تعودي لارتداء هذا اللباس”، كان ذلك المشهد أول إعلان رسمي عن بداية الهروب الكبير. في الصباح التالي، ومع بقاء أخيه نائمًا وغياب والدته وخاله، جمع سبعين درهما وبعض الثياب، وغادر البيت دون أن يلتفت.
قطع الطريق بين فاس ومكناس، قبل أن يُلقي بنفسه في محطة مولاي يعقوب، حيث عاش أياما طويلة بين البرد والجوع والتشرد. كان ينام قرب محطات الحافلات، بلا وجهة سوى الرغبة في البقاء بعيدًا عن العنف الذي هرب منه.
شهر كامل قضاه سليمان تحت رحمة السماء، بلا سند أو اتصال بعائلته، في حديثه لمنصة “هنَّ” يتذكر قائلا: “تعرفت على شابة تبيع سماعات في الشارع، ساعدتني لبعض الوقت، لكن والدتها طردتني خوفًا من المتاعب. عدت إلى الشارع، ثم سافرت إلى خنيفرة، وبقيت أنام في المحطة عدة أيام”.
ومع كل انتقال كان يفقد شيئًا من أغراضه، حتى انتهى به الأمر بلا شيء تقريبًا. الخيبة الكبرى حين سلّم حقيبته لِشاب وعده بإبقائها في منزله، ليختفي هذا الشاب بما تبقى من ممتلكاته.
“أتذكر أنني جلست في الحديقة أنتظر. جاء وقال لي إنه سيأخذ حقيبتي وملابسي وبعض أغراضي المتبقية ليضعها في البيت. لم يكن قد بقي معي سوى حقيبة ظهر فيها بعض حاجياتي البسيطة، بعد أن ضاع كل ما أملك في فاس وخنيفرة. وبحسن نية سلمته الحقيبة، فأخذها ورحل ولم يعد. وهكذا ضاعت بقية أغراضي بعضها في فاس وفي خنيفرة، والنصف الآخر في مكناس”، يسرد سليمان، العابر الجندري في حديثه لهذه المنصة.
عابر جنسي يحتاج رقية شرعية
لم يكن سليمان يتوقّع أن يتحوّل بحثه عن مأوى دافئ يخلّصه من قسوة الشارع إلى رحلة مقاومة ونجاة، بعد أن عرض عليه أحد حراس السيارات بيتًا يحميه من برد الشتاء، دخل رفقته ومعهما فتاة تعرّف عليها حديثًا إلى مكان غارق في القذارة والرطوبة. أسبوع كامل قضاه هناك في ظروف يقول إنها “تفوق قدرة أي أحد على السرد”، قبل أن يجد نفسه في أول محاولة اعتداء جنسي.
يروي سليمان لمنصة “هنَّ”: “كنا جالسين أنا وفتاتان، فدخل شاب محاولًا إرغامنا على ممارسة الجنس معه. نشب شجار وتمكّنا بصعوبة من الفرار تلك الليلة بلا وجهة”.
لكن النجاة لم تدم طويلاً؛ فبعدها بليلة، وجد نفسه في منزل آخر مع شخص حاول إفقادهم السيطرة عبر الخمر. لم تشرب الفتاتان. ولكن ما إن بدأ تأثير الشراب عليه، حتى ظهرت السكاكين والأسلحة البيضاء، وارتفعت التهديدات حيث وصلت إلى حدّ التلويح بذبحهن، “صرخنا طلبًا للنجدة، فصعد الجيران وأنقذونا. خرجنا من المنزل ونحن نرتجف من الرعب”.
تبعثر الجميع بعد تلك الليلة، بينما ظلّ سليمان يبحث عن طريق آمن يوصل إلى الرباط. هناك، وجد والدته منهارة على الفراش وأخاه مذعورًا، بعدما أمضت العائلة أكثر من شهر تبحث عنه دون أثر.
“أرادوا إقناعي بالعدول عن طريقي، لكنني واصلت ما أشعر به لنفسي”، يوضح سليمان.
وهكذا، استعاد حياته تدريجيًا عبر أعمال بسيطة؛ غسل السيارات، وحرف يومية تؤمّن له الحد الأدنى من شروط الحياة.
يقول سليمان أنه منذ طفولته، كان يشعر باختلاف لا يجد له تفسيرًا، فـ”في سن الحادية عشر، بدأت أكتشف ميولي تدريجيًا. كنت أتساءل: هل أنا الوحيدة التي تعيش هذا الشعور؟ لماذا يحدث لي هذا؟ دخلت في اكتئاب شديد، وكنت أفكر في إيذاء نفسي لأتخلّص من أفكار لم أفهمها آنذاك”.
ومع بداية البلوغ، ازدادت حدّة أزمته، حيث “بدأ صدري يكبر، وظهرت ملامح جسد أنثوي، فكرهت نفسي، وراودتني أفكار لقطع صدري. كنت أؤذي نفسي بطرق قاسية”.
لم تفهم والدته ما كان يحدث داخله. بالنسبة إليها، كان الأمر تمردًا لا تفسير له؛ كانت تُجبره على ارتداء فساتين بعنف، وتفرض عليه مظهرًا لا يعكس ذاته.
وفي المدرسة، واجه إساءات زملائه، وتنمّرهم، وضربًا متكررًا من بعض الأساتذة، “كانوا يقولون إن صوتي يشبه صوت الرجل، ويسألونني لماذا لا أبدو مثل الفتيات الأخريات”.
لم يجد سندًا، لا في البيت ولا في المدرسة ولا في الخطاب العام الغارق في الكراهية تجاه الهويات الجندرية المختلفة. في غياب أي توعية أو دعم نفسي أو اجتماعي، اضطر إلى ترك الدراسة.
في السر، جرّب أن يفهم نفسه عبر الإنترنت. وهناك اكتشف حقيقة هويته: ذكر عابر (ترانس): “بدأت أبحث بأسماء مثل ‘متحولة جنسيا’، وظهرت مقالات ساعدتني على فهم نفسي. بدأت أغيّر شكلي وشعري تدريجيًا، خطوة خطوة”.
رغم ذلك، بقيت والدته تصر على تفسير واحد، ابنتها تلبسها الجن أو هي مصابة بمس من الشيطان! “كانت تقول إن عليّ زيارة راقي أو فقيه، وأن ما أشعر به غير طبيعي، وأن الجن هو المسؤول عن كل شيء”.
بين العزلة ومحاولات الفهم
حاول سليمان استعادة ما فاته من تعليم بالعودة إلى سلك التكوين المهني، لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام دائرة جديدة من العنف، هذه المرة داخل مؤسسة كان يفترض أن تكون آمنة.
يحكي لـ”هنَّ”، أنه تعرّضت للتحرش من قبل حارس بوابة المعهد، “كان يطلب مني أن أحضر له فتيات وكأنني لست تلميذًا، بل شخص مكلّف بإحضارهن. كان يتحرش بجسدي، خصوصًا منطقة الصدر، وأحيانًا يقول ملاحظاته المهينة أمام التلاميذ”.
في ذلك العام، حاول أن يواصل دراسته، لكن ضيق الحال كان يلاحقه؛ لا مال للملابس ولا للحاجات الأساسية. وجد نفسه يتنقّل بين أعمال يومية بسيطة، غسل السيارات قرب مركز التكوين، وحراسة مواقف السيارات لتأمين الحد الأدنى مما يكفي للعيش، وللبقاء بعيدًا عن المخاطر التي تتربّص به أينما ذهب.
على الإنترنت، اتخذ اسم “سلمى”، الاسم الذي كان يستخدمه في حساباته على مواقع التواصل. كانت تلك النافذة أول خيط قاده إلى مجتمع الميولات الجنسية غير الغيرية، “أول ما تعرفت عليه كان مجتمع المثليات، ومن هناك بدأت أفهم نفسي أكثر”، حسب ما يقول.
لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالأمان داخل هذا المجتمع أيضًا. يتحدث سليمان عن شعور مؤلم بالإقصاء، ليس من الغرباء، بل من أشخاص ظن أنهم الأقرب إلى تقبّله: “بدأت أخبر البعض أنني ترانس، فكانوا يسألونني: هل أنتِ متأكدة؟ أين اللحية؟ أين ملامح الفتى؟ كانوا يتوقعون صورة نمطية للعابر، ويحاولون فرض تصورهم عليّ. أغلبهم ميسورو الحال ولديهم الإمكانيات ليظهروا كما يشاؤون، بينما كنتُ أنا بالكاد أؤمّن قوت يومي”.
ولأن الأشخاص العابرين/ات يعانون إقصاءًا مضاعفًا في سوق الشغل، كان سليمان يصطدم بالرفض مرة بعد أخرى. حمل سيرته الذاتية وطرق أبواب المطاعم، لكنه كان يعود بها كما ذهب: “ينظرون إلى مظهري فقط ويقولون: ‘سنتصل بك لاحقًا’… كنت أعلم أن ذلك يعني الرفض. هم يريدون شخصًا بملامح أنثوية تجذب الزبائن، وليس شخصًا يشبهني”.
ورغم كفاءته واستعداده للعمل، لم يجد أي فرصة حقيقية؛ حيث كان من الصعب جدًا أن يحصل على وظيفة “بسبب مظهري وهويتي الجندرية، رغم أنني كنت مؤهل وجاهز”.
بين التمييز والقمع
منظمة “نسويات”، وفي تقريرها السنوي لعام 2024، الموسوم بـ”واقع مجتمع الميم عين+ بالمغرب: مجابهة العنف بأمل المقاومة”، رصدت صورة دقيقة عن حجم التمييز الذي يطال أفراد هذا المجتمع في مختلف مناحي الحياة.
ويؤكد التقرير أن الإقصاء يبدأ من سوق الشغل، حيث يُرفض الكثيرون بسبب مظهرهم أو هوياتهم الجندرية، ما يرسّخ الفقر والتبعية ويزيد احتمالات الاستغلال. ويرى التقرير أن التفاوت الاقتصادي الصارخ داخل مجتمع الميم عين+ ليس ظاهرة معزولة، بل نتيجة مباشرة للوصم الاجتماعي والعنف البنيوي، داعيًا إلى تدخلات عاجلة تشمل تكافؤ الفرص في العمل، وبرامج دعم نفسي واجتماعي، إضافة إلى تغيير النظرة المجتمعية.
ويشير التقرير إلى أن الفضاءات العامة بدورها تتحول إلى مناطق خطرة، إذ يواجه كثير من الأفراد منعًا غير معلن من التعبير عن هوياتهم، ما يدفعهم إلى العيش في عزلة دائمة تحت تهديد العنف الجسدي أو النفسي.
ويتكرر المشهد نفسه في المجال الاقتصادي، حيث فرص العمل محدودة، والتمييز القائم على الهوية الجندرية يحرمهم من مصادر الدخل الأساسية.
وفي ما يخص المحيط الأسري، يسجل التقرير أن عدداً كبيراً يُقابلون بالرفض عند الإفصاح عن هوياتهم الجندرية أو ميولاتهم الجنسية، حيث يُنظر إليهم بوصفهم “عارًا”، أو تهديدًا لسلطة الأسرة، فينتج عن ذلك عنف بمختلف أشكاله، وصولًا إلى الطرد من المنزل الذي غالبًا ما يكون آخر حلقات سلسلة طويلة من الإيذاء تحت مسمى “الإصلاح”.
كما يوضح التقرير أن أفراد مجتمع الميم عين+ يواجهون استبعادًا هيكليًا داخل المؤسسات التعليمية؛ من التنمر اليومي في المدارس إلى التمييز من طرف بعض المدرسين والإدارات، ما يدفع كثيرين إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة، وينعكس لاحقًا في ضعف فرصهم المهنية وتفاقم الهشاشة.
قانونيًا، يستمر التضييق عبر الفصل 489 من القانون الجنائي المغربي الذي يجرّم العلاقات الجنسية الرضائية بين شخصين راشدين من الجنس نفسه، بعقوبات تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات.
وتعتبر “نسويات”، أن الإطار القانوني والصحي ليس مجرد تقصير، بل جزء من منظومة قمعية تُكرّس الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية وتستعمل التمييز ضد مجتمع الميم كأداة لإدامة النظام الأبوي والطبقي.
فضاءات لِطيفِ الأمان
بينما يُسلط الضوء عادةً على قضايا النساء في اليوم الدولي للقضاء على العنف، تظل معاناة المثليين/ات والعابرين/ات، ولا ثنائيي الجندر+، أقل ظهورًا في النقاش العام؛ تكشف شهادات نشطاء وأفراد من هذا المجتمع عن طبقات من التهميش والتمييز، وعن جهود مستمرة لإنشاء فضاءات آمنة تسمح لهم بالتعبير عن هويتهم والدفاع عن حقوقهم.
وفي شهادتها لـ”هنَّ”، تروي طيف (اسم مستعار لشخص لا ثنائي الجندر) علاقتها المُعقدة مع الهوية، وتقول: “لم أستطع يومًا الانتماء إلى أي خانة جاهزة، كل التصنيفات الاجتماعية والسياسية كانت تشعرني بالاختناق منذ طفولتي”.
وتعود طيف إلى عام 2011، حين شكّلت موجة الانتفاضات في المنطقة حافزًا لحراك 20 فبراير بالمغرب، حيث خلق التدهور الاجتماعي والاقتصادي بيئة قابلة للانفجار، حاولت خلالها الدولة احتواء الوضع عبر إجراءات استباقية، إلا أن إرادة الشارع قادت إلى تشكيل ملف مطلبي واسع.
وتؤكد طيف أن الحراك “أتاح هامشًا حقيقيًا للنقاش بعد سنوات من الخوف، ما سمح بظهور فضاءات ومساحات جديدة طرحت قضايا اجتماعية واسعة من بينها قضايا الجندر”.
وتشير طيف إلى أن “مجموعات شبابية و طلابية ساهمت في خلق فضاءات تقاطعية أتاحت النقاش حول الجندر والميولات، وإن لم تكن تلك القضايا محور عملها الرئيسي”.
“لكن، ومع الوقت، بدأت تظهر سلوكيات هوموفوبية داخل بعض القضاءات الجمعوية اليسارية التي كنا نعتبرها حليفة، ما أدى إلى انقطاع التواصل معها. ومن هنا وُلد فضاء “تيليالا” عام 2016، كمساحة آمنة لا تشترط أي انخراط مسبق، وتقوم على احترام التوجهات والميولات دون استثناء، مع استبعاد أي خطاب تطبيعي مع الصهيونية.”
“كان الفضاء مفتوحًا للجميع، قائمًا على النقاش والمشاركة الجماعية، رغم ما واجهه لاحقًا من تحديات داخلية”، توضح طيف.
وترى طيف، أن “الصراع الطبقي يبقى هو العامل الأكثر حضورًا في تحديد تجارب أفراد مجتمع الميم عين+؛ فالتجارب تختلف جذريًا بين من يملك موارد مادية وطبقية وبين من يعيش الهشاشة. وكل مستوى إضافي من التهميش؛ سواء الفقر، أو الإعاقة، أو لون البشرة، أو الانتماء الجغرافي؛ يضيف طبقة جديدة من العزلة والعنف الرمزي والمادي”.
وتوضح أن “مطالب مجتمع الميم عين+ متنوعة لكنها تتقاطع في الحقوق الأساسية؛ الصحة، التعليم، الإدماج المهني، والعيش بكرامة”.
وتعتبر أن “التجارب التنظيمية داخل هذا المجتمع أكثر مرونة وابتكارًا من التجارب الحزبية اليسارية التقليدية، ما يجعلها إضافة مهمة في مسار النضال الحقوقي بالمغرب”.
وفي المقابل، تشير تقارير دولية إلى استمرار التضييق؛ ففي تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2023، قبل المغرب توصيات تتعلق بالمساواة الجندرية ومحاربة العنف ضد النساء، لكنه رفض التوصيات الخاصة بتجريم الاغتصاب الزوجي، والمساواة في الإرث، وإلغاء تجريم العلاقات الرضائية بين البالغين من الجنس نفسه، إضافة إلى رفض اتخاذ تدابير خاصة لمكافحة التمييز ضد مجتمع الميم عين+.


















