هروب دائم.. نساء يروين قصص النجاة والجوع والمطاردات في سبتة

بمحاذاة السياج الفاصل بين مدينة  الفنيدق و مدينة سبتة المحتلة، تقف خولة شابة في 22 من عمرها  من مدينة الدار البيضاء، تنظر في جميع الاتجاهات، وتتفحص وجوه العابرين بحثا عن شقيقها. لم تكن ترتدي سوى سروالا قصيرا وقميصا خفيفا (تي شرت وشورت)  يلخصان رحلة مرهقة قطعتها سباحة باتجاه سبتة.

قبل ذلك، قضت خولة ثلاثة أيام داخل مدينة سبتة رفقة شقيقها، بين الشوارع والأماكن المفتوحة، في ظروف قاسية بعد رحلة عبور استنزفت أجسادهم. أيام من الانتظار والخوف والجوع، قبل أن تبدأ عملية إعادة العابرين إلى الفنيدق، حيث فقدت شقيقها وسط الزحام ولم تجد له أثرا منذ ذلك الحين. 

تقول خولة في حديثها لمنصة  “هنّ”: “منذ أن فرّق الحرس المدني الإسباني المهاجرين داخل سبتة، انقطع كل تواصل بيني وبين شقيقي، ولا أعرف أين هو إلى الآن. قالوا لنا إن السلطات المغربية وفرت حافلات مجانية لإعادة الناس، لكن سمعت أن بعضها نقل المهاجرين إلى مدن بعيدة، ولا أعرف إن كان أخي قد صعد إلى إحداها أم لا. منذ ذلك الوقت وأنا أبحث عنه”.

في الساعات الأولى من صباح يوم السبت 02 غشت 2026، عاينت منصة ” هنّ”  مجموعات من الشبان والشابات تعبر معبر تاراخال في اتجاه مدينة الفنيدق .عائدين من مدينة سبتة المحتلة سيرا على الأقدام ، لا يرتدي معظمهم سوى الملابس التي عبروا بها البحر قبل أيام، وفي أغلبها سراويل قصيرة فقط، ملامحهم المرهقة تحكي سيرة أيام من الجوع والتشرد داخل سبتة. بعضهم افترش الرصيف فور وصوله، وآخرون وقفوا بصمت، يحدقون في الوجوه بحثًا عن قريب أو صديق فُقد خلال الفوضى. 

كيف بدأت تغرة العبور الجماعي نحو سبتة ؟ 

بدأت موجة العبور الجماعي نحو سبتة، فجر الثلاثاء من 28 يوليوز الماضي، حينها تحولت  المنطقة المحيطة بمعبر تاراخال إلى نقطة تجمع للمئات. وفق ما أوردته صحف إسبانية، جاء ذلك بعد تداول واسع لأنباء عن فتح المعبر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تزامنًا مع النقاش الذي رافق نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي جاء لحماية حقوق الأشخاص الذين يصلون إلى المدينة سباحة. 

صابرين، طفلة في الخامسة عشرة من عمرها من مدينة تطوان. لم تحتج سوى إلى دقائق قليلة لاتخاذ قرار مغادرة منزل أسرتها، بعد توصلها برسالة من صديقها تخبرها بأن الطريق نحو سبتة أصبح مفتوحًا. تركت الطفلة كل شيء، لم تحمل معها ثيابًا، ولا أغراضا شخصية، ولا حتى حقيبة، لم يكن يرافقها سوى حلم الوصول إلى الضفة الأخرى يشد خطاها نحو سبتة.

بعد وقت قصير من رسالة صديقها، وجدت صابرين نفسها وسط آلاف الأشخاص الذين يخوضون البحر نحو سبتة، بالنسبة لها كانت “فرصة العمر”، وتقول في حديثها مع منصة “هنّ”، إن حلم الهجرة “كان دائما بين عيني، كنت أنتظر الفرصة فقط، وعندما أتت لم أتردد في أن أتبع أصدقائي”. 

خلف قرار صابرين بالهجرة، توجد حكاية بدأت قبل ذلك بسنوات. غادرت مقاعد الدراسة في المرحلة الإعدادية، واتجهت إلى العمل في معمل للخياطة، هناك، كانت تقف لمدة 8 ساعات متواصلة، كانت مهمتها في المعمل إزالة الخيوط الزائدة من الملابس الجاهزة، مقابل خمسة دراهم لكل قطعة، دخل لا يوفر لها حتى الأساسيات مما تحتاجه. 

توضح صابرين  أنها لم تكن تملك الوقت الكافي لانتظار سنوات أخرى من الدراسة قبل البحث عن عمل. كانت ظروفها العائلية تضغط عليها؛ فهي تعيش رفقة والدتها وإخوتها الصغار، وترى والدتها تكافح بشكل دائم لتغطية مصاريف البيت والفواتير. “أمي تشتكي دائما من كثرة الفواتير، أشعر و كأنني عبء عليها، لم اعد أستطع أن أتحمل أكثر كل ما أرغب به هو الرحيل و تغيير كل شيء” تقول الطفلة التي أصبحت تشعر بأن عليها أن تفعل شيئا لتغيير هذا الواقع. 

مثلما وصل الخبر لصابرين، انتشرت بين شباب وشابّات مدينة الفنيدق، وغالبية مدن الشمال، أخبار تفيد بغياب المراقبة الأمنية المشددة على المعبر، وأن الطريق مفتوحة أمام من يريد المحاولة. هذه المعلومات التي كانت في الساعات الأولى حصرا على أبناء الشمال، تم تناقلها بكثافة على مجموعات فايسبوكية بأسماء مدن المنطقة، قبل أن تتوسع الدائرة في الأيام اللاحقة. 

في حديثها لمنصة “هنّ”، تقول هند (18 سنة) من مدينة العرائش: “رأينا الخبر في مجموعة على فايسبوك، يُتداول  فيها بأنه تم فتح الحدود في سريّة، و أن هذه هي الفرصة لمن أراد العبور لسبتة”. 

يؤكد عدد من المهاجرين الذين تحدثت إليهم “هنّ” أنهم اطلعوا على الخبر عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا فيسبوك، منشورات تتحدث عن احتمال فتح بوابة سبتة، وعن حاجة إسبانيا إلى اليد العاملة، وهي رسائل عززت لديهم الاعتقاد بأن الوصول إلى الضفة الأخرى قد يكون فرصة لتحسين أوضاعهم. هذه المعطيات لم تكن سوى جزء من سيل من المعلومات التي انتشرت خلال الأيام التي سبقت موجة العبور.

ركزت تقارير وتحليلات إسبانية على دور شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة الراغبين في الوصول إلى سبتة، إذ تحدث تقرير أعده محلل الأمن والاستخبارات ومكافحة الإرهاب الدولي الإسباني تشيما خيل (Chema Gil)، بطلب من مؤسسات إسبانية، عن انتشار معلومات مرتبطة بمسارات الوصول ونقاط التجمع وظروف العبور. 

كما تناولت صحف إسبانية، من بينها “إل باييس” (El País) و”إل موندو” (El Mundo)، فرضيات مرتبطة بمصدر هذه التعبئة، بين من ركز على تأثير الشبكات الرقمية، ومن تحدث عن احتمال وجود استغلال سياسي للملف أو تساهل من الجانب المغربي، بينما لم تقدم هذه التقارير دليلًا ماديا يثبت وجود جهة واحدة خططت للموجة.

بحسب صحيفة El País، كانت سبتة قد سجلت وصول أكثر من 1000 شخص خلال الأسبوع السابق للموجة الكبرى، بينهم عائلات بأكملها، وأمهات يحملن أطفالهن، إلى جانب فتيات وقاصرين وأطفال، في مشهد غير مسبوق أربك سلطات المدينة وأدى إلى امتلاء مراكز الإيواء في ظرف وجيز. لكن المشهد لم يتوقف عند ذلك؛ ففي اليومين التاليين، توافد على محيط معبر تاراخال، شبان وشابات من مدن وجهات مغربية مختلفة، إلى جانب مواطنين من دول أخرى بشمال إفريقيا وجنوب الصحراء، بعدما تناقلت الهواتف وشبكات التواصل أخبار نجاح الدفعة الأولى في الوصول إلى سبتة. وبينما كانت أعداد الوافدين تتزايد ساعة بعد أخرى وسط صمت رسمي مغربي، أعلنت سلطات سبتة حالة طوارئ واستنفارًا أمنيًا واسعًا، مطالبةً مدريد بتعزيز الدعم لمواجهة الضغط غير المسبوق الذي فرضته موجة العبور الجماعي.

تشريد وترهيب وتجويع للمهاجرات والمهاجرين 

بحلول الخميس 31 يوليوز، كانت سبتة تعيش ذروة الأزمة. أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 50 ألف مهاجر ومهاجرة دخلوا المدينة، بينما كانت سلطاتها تواجه ضغطًا غير مسبوق بعد امتلاء مراكز الإيواء واستمرار وصول الوافدين. أما الذين تمكنوا من الوصول، فوجد كثير منهم أنفسهم في الشوارع والساحات والحدائق، بعد رحلة شاقة من السباحة والركض. وهناك، بدأت معاناة أخرى؛ إذ تروي مهاجرات  تحدثت إليهم “هنّ” أنهن قضين ساعات طويلة وهن يبحثن عن الماء والطعام، في ظل إنهاك شديد، بينما اتهمت بعضهن السلطات الإسبانية بالتضييق عليهن، وتحدثن عن تعرضهن لاعتداءات خلال محاولتهن التنقل داخل المدينة.

تروي سهيلة (16 سنة) من مدينة طنجة تفاصيل ما عاشته لمنصة “هنّ”، طيلة ثلاثة أيام قضتها في سبتة رفقة أخيها وابنة خالتها: “وصلتُ لكاستياخوس (مدينة الفنيدق) عند منتصف الليل، انتظرنا حتى الساعة 4 فجرا، وتوجهنا نحو البحر وسط ظلام دامس”. 

في حديثها لمنصة “هنّ”، تسترجع سهيلة تفاصيل المغامرة كما لو أنها تمر أمام عينيها: “كان الظلام يحيط بالمكان، وكنا نرى أشخاصًا آخرين يتحركون في الاتجاه نفسه. لم نكن نعرف ماذا سيحدث، كنا فقط نتبع بعضنا البعض ونحاول الوصول. عندما وصلنا إلى الجهة المقابلة، دخلنا إلى سبتة، ولم نواجه في تلك اللحظات ما كنا نتوقعه من حراسة أو عوائق”.

هذه المغامرة فاقت توقعات الفتاة، وكادت تودي بحياتها، تقول: “كنا نعرف أن الطريق صعبة، لكني بعد فترة شعرتُ بتعب شديد، ولم أعد قادرة على مواصلة السباحة، كنت على وشك الغرق، لولا أن أخي بقي إلى جانبي وساعدني حتى أكملنا الطريق. وصلنا إلى سبتة حوالي الساعة السادسة صباحاً، لكنني كنت منهكة تماماً بعد ساعات قضيتها في البحر.”

@hounna24

🔶”ندمت لأنني جئت وعبرت”.. بهذه الكلمات تفتتح شابة كانت ضمن مئات الشباب الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة حديثها مع منصة هُنّ. 🔶تروي الشابة معاناتها داخل المدينة قائلة: “لا يوجد أكل ولا ماء… تعرضنا للضرب. الظروف الصعبة هي التي دفعتني إلى الذهاب إلى سبتة، لكن لو كنت أعرف أن الوضع سيكون بهذا السوء، لبقيت في بيتي”.

♬ son original – Hounna هنّ

بعد وصولها إلى سبتة، لم تجد سهيلة النهاية الوردية التي كانت تتخيلها للرحلة. فبعد ساعات من الخوف والإرهاق في البحر، بدأت مرحلة أخرى من الانتظار والبحث عن مكان آمن، وسط مدينة لم تكن تعرف شوارعها ولا ما الذي ينتظرها فيها. تقول إن الأيام الثلاثة التي قضتها هناك رفقة أخيها وابنة خالتها كانت مختلفة تماماً عما رسمته في مخيلتها قبل العبور.

“عندما وصلنا كان علينا أن نعبر سورا طويلا، بعدها دخلنا إلى سبتة، نحن كنا من الأوائل الذين وصلوا، قبل أن تتواصل الموجات، ساعدنا رجل وأوصلنا إلى سينترو (مركز الإيواء بسبتة)، قاموا بعدّنا و طلبوا منا الانتظار، كنا سندخل لولا أن أتى بعض المهاجرين، الذين حاولوا اقتحام المركز والدخول عنوة، حينها أخرجونا جميعا، وأتى عناصر الحرس المدني، فقاموا بتفريقنا وإجلائنا بالقوة من وسط المدينة”.  تقول سهيلة لـ “هنّ”. 

إلى جانب سهيلة كانت تقف ابنة خالتها، ورفيقتها في المعامرة،  إيمان (16 سنة)، والتي استرسلت في سرد قصتهما: “بدأنا نركض في أنحاء المدينة، أثناء هروبنا وقعت ولازالت قدمي تؤلمني، كنا نتضور من الجوع والعطش، منذ عبورنا البحر لم نذق طعم الأكل، وجدنا كل المحلات و المرافق مغلقة، كنت أشعر بدوار شديد”. 

“بعد تدخل الحرس المدني بدأت المطاردات”، تقول إيمان التي رأت أن رحلة العبور انتهت، لكن رحلة أخرى بدأت. “كلما جلسنا أمام محل أو منزل  لنرتاح قليلًا، كان أصحابه يصرخون في وجوهنا ويطلبون منا المغادرة. بعض السكان كانوا يسبوننا ويهددوننا أيضًا. في البداية، ساعدنا رجل؛ سمح لنا بشحن هواتفنا وأعطانا قليلًا من الطعام. بعد ذلك اتجهنا إلى غابة في ضواحي سبتة، وهناك قضينا ليلتنا الأولى” تضيف الفتاة.

الجوع والتشرد لم يكونا وحدهما ما طبع الأيام التي قضاها العابرون والعابرات إلى سبتة. فشهادات عدة، جمعتها “هنّ”، تحدثت أيضًا عن مطاردات واعتداءات عاشها عدد منهم أثناء تنقلهم في شوارع المدينة، كما تحدثوا لنا عن “خوف دائم” دفع كثيرين إلى تغيير أماكنهم باستمرار بحثًا عن مأوى آمن. 

الخوف والهروب المستمر كلمات تواترت في الشهادات التي حصلنا عليها. زينب 20 سنة، من مدينة فاس تقول: “كنا في حالة هروب طول الوقت. كانت هناك عصابة معروفة باسم ‘البرينسيبي’، عناصرها يركضون وراء المهاجرات والمهاجرين ويعتدون عليهم بالعصي والسيوف. الشرطة الإسبانية كانت تراهم، لكنها لم تتدخل لإيقافهم. وصل بنا الخوف إلى درجة أننا كنا نقضي الليل مختبئين تحت السيارات حتى لا يعثروا علينا. شاهدنا شابًا مغربيًا مقتولًا بعد أن اعتدوا عليه، ولم نعد نشعر بالأمان في أي مكان”.

تتكرر في شهادات المهاجرين روايات عن أيام من الخوف والمطاردات داخل سبتة، حيث تحدثوا عن تعرضهم لاعتداءات من طرف شبان كانوا يلاحقونهم في بعض أحياء المدينة، ويستخدمون العصي والأسلحة البيضاء، بحسب رواياتهم. وتجمع شهادات جمعتها “هنّ” على أن بعض هذه الاعتداءات وقعت في محيط حي البرينسيبي، وبالمقابل تحدثت وزارة الداخلية الإسبانية عن تسجيل حوادث عنف خلال فترة الأزمة، من بينها حادثتا طعن، مؤكدة توقيف أشخاص على خلفية هذه الوقائع.

خلال موجة العبور، ظهرت مجموعة تُعرف باسم “عصابة البرينسيبي”، نسبة إلى حي البرينسيبي وهو حي هامشي بمدينة سبتةً، يقيم به المغاربة بالأساس، وتداولت حسابات مرتبطة بأفراد منها مقاطع مصورة ورسائل موجهة إلى المهاجرات والمهاجرين المغاربة الذين وصلوا إلى المدينة، تحمل تهديدات ودعوات إلى مغادرتها والعودة إلى المغرب. وتُظهر هذه المواد، التي اطلعت عليها “هنّ”، خطابًا عدائيًا تجاه الوافدين، بينما تحدث مهاجرون عن تعرضهم لمطاردات واعتداءات من طرف أفراد من هذه المجموعة، وعن وقوع هذه الاعتداءات، بحسب شهاداتهم، أمام أنظار عناصر من الأمن الإسباني دون تدخل.

ترحيل قسري للمهاجرات والمهاجرين من سبتة إلى الفندق مشيا على الأقدام !

بدأت عملية إجلاء المهاجرات والمهاجرين من مدينة سبتة، مساء يوم الجمعة بعد الاتفاق بين السلطات الإسبانية والمغربية على تسريع إجراءات الإعادة، عقب موجة العبور الجماعي نحو سبتة. واستمرت دون توقف إلى غاية يوم السبت حتى الساعة الواحدة صباحا.

“كنا نحاول الاختباء في أي مكان، لكن عناصر الحرس المدني الإسباني عثروا علينا، ونظرا للظروف التي كنا فيها لم نستطع المقاومة والصمود، قام الحرس المدني بتجميعنا في صفوف، وأمرونا بتتبع الإشارات، كانت أيضا قوات الدرك الملكي المغربي، رافقونا حتى وصلنا الفنيدق سيرا على الأقدام “, تقول مليكة (28 سنة) لمنصة “هنّ”. 

عند منتصف يوم السبت، بدت سبتة وكأنها تفرغ نفسها من آلاف الوجوه التي ملأت شوارعها قبل أيام. على طول الشاطئ المؤدي إلى معبر تاراخال، كانت مجموعات من المهاجرات والمهاجرين تسير ببطء، يحمل بعضهم قنينات ماء أو أكياسًا بلاستيكية صغيرة، بينما لم يحمل آخرون سوى الملابس التي كانوا يرتدونها لحظة العبور، بوجوه متعبة، وخطوات مرهقة، انتظموا في طوابير تمتد بمحاذاة الشاطئ بالفنيدق في انتظار العودة إلى مدنهم وقراهم، وكل ما أصبح يشغل بالهم هو أخذ قسط من الراحة. 

حمل العائدون إلى الفنيدق آثار الأيام التي قضوها بين البحر وسبتة. كانت أجسادهم منهكة بعد ساعات من السباحة، وأيام من الجوع والعطش والتشرد، فيما لم يكن كثير منهم قد تناول وجبة حقيقية منذ مغادرته المغرب. داخل المحطة الطرقية، وعلى الأرصفة، افترش بعضهم الأرض واستسلم للنوم، بينما ظل آخرون جالسين في صمت، يحدقون في المارة دون أن يطلبوا شيئًا. كان الجوع واضحًا على وجوههم، لكن كثيرين منهم ترددوا حتى في طلب الطعام أو الماء من المارة. ليس لأنهم لم يكونوا بحاجة إليها، بل لأن كرامتهم، كما قالوا، كانت أثقل من الجوع نفسه.

ضحايا الطريق إلى سبتة.. أرقام متضاربة وعائلات تنتظر الحقيقة

خلف أرقام محاولات العبور نحو سبتة، توجد مآسٍ إنسانية لقتلى ومفقودين ما تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم. فمنذ بداية موجة العبور الجماعي، كانت المعطيات حول الضحايا تصل بشكل أساسي من الضفة الشمالية للمتوسط، حيث أعلنت السلطات الإسبانية تباعًا عن ارتفاع حصيلة الوفيات، قبل أن تصل آخر الأرقام المعلنة إلى 80 وفاة. 

وبينما كانت الصحف الإسبانية وبيانات السلطات الإسبانية المصدر الرئيسي للمعلومات، التزمت الحكومة المغربية الصمت، ولم تقدم للرأي العام أي معطيات حول ما جرى بالضبط، ولا عن عمليات الإنقاذ وانتشال الجثث وتطورات الملف، حصيلة حول الضحايا والمفقودين، أو توضيحات بشأن الإجراءات المتخذة لتحديد هوياتهم ومواساة أسرهم. 

جاء هذا الغياب في التواصل في سياق تزامنت فيه موجة العبور مع احتفالات عيد العرش ومراسم حفل الولاء بمدينة تطوان، حيث كان الخطاب الرسمي يركز على الإنجازات والأوراش التي حققها المغرب، في وقت كان فيه آلاف الشباب من المنطقة نفسها يخاطرون بحياتهم في محاولة للوصول إلى الضفة الأخرى. 

هذا التباين بين الخطاب الرسمي والواقع الذي عاشه هؤلاء الشباب جعل العائلات والفاعلين الحقوقيين يعتمدون على مصادر خارجية لمعرفة تفاصيل مأساة ترتبط أساسًا بمواطنين مغاربة. نشرت صحيفة “إل فارو دي سبتة” (El Faro de Ceuta) معطيات حول عدد من المفقودين، كما أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع تطوان عن معطيات مرتبطة بأشخاص ما يزال مصيرهم مجهولًا، في ظل استمرار غياب حصيلة رسمية موحدة حول المفقودين و المفقودات. 

كان على الرأي العام أن ينتظر إلى مساء الأحد 2 غشت الجاري، كي يتحدث مصدر رسمي في الموضوع، فقد أعلنت السلطات عن تسجيل 11 وفاة فقط، في حصيلة تخص الحالات التي تم رصدها ضمن مجال سيطرة المغرب، وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن التنسيق مع الجانب الإسباني سيجري للتحقق من المعطيات والأرقام المعلنة من طرفه، دون تقديم معطيات مفصلة حول هويات الضحايا أو عدد المفقودين. وبين اختلاف الأرقام وغياب حصيلة موحدة، بقي مصير العشرات من الأشخاص غامضًا، فيما ظلت عائلاتهم تبحث عن أخبار أبنائها وسط غياب تواصل رسمي واضح.

تنتقد لطيفة بوحسيني الأستاذة الجامعية صمت الحكومة خلال الأيام الأولى للأزمة، معتبرة أنه لا شيء يبرره، وأن الدولة مطالبة بالتواصل مع مواطنيها وتحمل مسؤولية اختياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. معتبرة سفر رئيس الحكومة في خضم الأزمة بعث برسائل سلبية إلى الرأي العام وإلى عائلات الضحايا، وترى أن تكليف مسؤول بوزارة الداخلية بالتواصل حول الملف لم يكن مناسبًا بالنظر إلى طبيعته السياسية والإنسانية، معتبرة أن الحكومة فشلت في تحمل مسؤوليتها السياسية وفي تقديم تفسير مقنع لما جرى.

كما تعتبر أن مضمون التصريح الرسمي للحكومة على لسان موظف بوزارة الداخلية ، خلا من أي تعزية أو مواساة واضحة لعائلات الضحايا والمفقودين ما أفقد التواصل الرسمي بعده الإنساني، مستغربة من عدم إعلان حداد وطني، وهو ما ترك انطباعًا مؤلمًا لدى عدد من الأسر.

في السياق ذاته يعتبر نبيل الفردوسي الباحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والمتخصص في قضايا الهجرة، أن غياب التواصل الرسمي والاكتفاء فقط ببلاغ وزارة الداخلية، يدخل ضمن ما يسميه Gaslighting، وهو مفهوم من علم النفس يشير إلى جعل الطرف الآخر يشك في فهمه للواقع أو تفسيره للأحداث. لذلك يرى أن “غياب التواصل المباشر في بعض الملفات الدبلوماسية قد يكون جزءًا من طريقة تدبير الأزمة، بهدف إبقائها تحت السيطرة إلى حين إيجاد حلول لها”.

جيل NEET في قلب موجة العبور

“أنا بغيت نصوڤي راسي، الحياة أو الموت هذا ما أراه بين عيني الآن وفي الماضي والمستقبل، لا أخاف أن أخسر حياتي لأنني في الأصل خسرت كل شيء، ما الذي سيخيفني برأيك؟”. بهذه الكلمات تختزل ريم 19 سنة من مدينة القنيطرة حجم الانكسار الذي حملته معها باتجاه سبتة، وتكشف كيف أصبحت الحياة بالنسبة إليها مرتبطة بالاختيار بين البقاء في واقع لم تعد ترى فيه أفقًا، أو المخاطرة بحثًا عن بداية جديدة. الكلمات التي نطقتها بنبرة تختلط فيها السخرية بالتذمر، لا تعكس فقط كيف اتخذت قرار العبور، بل تلخص مسارًا من الإحساس بالفقدان والانسداد، حيث يصبح الخوف من المجهول أقل وطأة من الاستمرار في حياة تشعر بأنها فقدت فيها ما كانت تبحث عنه. 

لا تختلف رؤية ريم للواقع عن رؤية ذكرى، التي قابلناها في الفنيدق، والتي تتحدث إلينا بنفس النبرة وتقول: “على الأقل هناك سيعطونك قيمة، الناس هناك لديهم حقوق، على الأقل عند المرض سيعالجونك وعند العجز سيساعدونك، وحتى العمل، الراتب الشهري هناك سيوفر لك منزلا ومأكلا ومشربا وهذا يكفي، أما هنا فحتى الحد الأدنى للأجور، تأخذه بمشقة الأنفس وفي ماذا سيكفيك، أنت تعيشين هنا وستعرفين كل شيء”. 

كشفت موجة العبور نحو سبتة عن هشاشة اجتماعية واقتصادية، جعلت آلاف الأشخاص مستعدين لترك منازلهم وعائلاتهم في لحظة من الزمن ودون تفكير، بحثًا عن فرصة أخرى. فغالبية العابرين والعابرات كانوا من الشباب، في سياق يعرف فيه المغرب ارتفاعًا في مؤشرات الإقصاء الاقتصادي؛ إذ تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط ضمن نتائج البحث الوطني حول التشغيل، سنة 2024، إلى أن معدل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة يبلغ 36.8 في المائة، بينما يوجد نحو ربع الشباب (25.2 في المائة) ضمن فئة NEET، أي الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون تكوينًا.

تقرأ لطيفة البوحسيني الأستاذة الجامعية، هذه الأرقام باعتبارها جزءًا من السياق الذي يفسر حجم الإقبال على العبور. وتؤكد أن الدعوات إلى الهجرة، مهما كان مصدرها، لم تكن لتلقى هذا التفاعل لولا وجود ما تصفه بـ”التربة الخصبة”. مبرزة أن هذه المؤشرات معروفة منذ سنوات، وأن فاعلين حقوقيين سبق أن حذروا من أنها تشكل “قنبلة موقوتة”.

وترى في تصريحها لمنصة “هن” أن غياب سياسات استعجالية لمعالجة أوضاع هذه الفئة جعل كثيرًا من الشباب يبحثون بأنفسهم عن حلول، معتبرة أن قرار الهجرة “لم ينزل من السماء”، وأن توفير شروط العيش الكريم كان كفيلًا بالحد من هذه الظاهرة، خصوصًا وأن عددًا كبيرًا من العابرين كانوا من القاصرين، وهو ما تعتبره مساءلة عميقة لخيارات الدولة الاجتماعية والسياسية.

العشب دائمًا أكثر اخضرارًا على الجانب الآخر من السياج

“أتيت أنا و أسرتي الصغيرة، زوجي وطفلي وطفلتي، دافعنا الأول أنا وزوجي هو ضمان مستقبل لأطفالنا، هناك سيدرسون جيدا، وسنستطيع أن نوفر لهم حياة أحسن، لأن في إسبانيا وأوروبا يحترمون العمال وتتقاضى  أجرا بقدر حجم تعبك وعملك”. تقول أسماء و هي سيدة ثلاثينية متزوجة وأم لطفلين، في حديثها لمنصة “هنّ”. 

تتشكل لدى كثير من هؤلاء الشباب صورة خاصة عن الحياة في أوروبا، صورة لا تُبنى فقط على ما يسمعونه، بل على نماذج قريبة منهم. جار عاد بسيارة أو أصبح قادرًا على مساعدة أسرته، قريب يتحدث عن ظروف عمل أفضل، أو فنان مفضل صنع مساره بعيدًا عن المغرب. حتى المنتخب المغربي، الذي احتفت الدولة بإنجازاته الأخيرة، ساهم بشكل غير مباشر في ترسيخ صورة أخرى للهجرة، بعدما أصبح عدد من لاعبيه رموزًا للنجاح وقدوة لدى الشباب. 

يجمع بين هذه النماذج قاسم مشترك: أنهم أبناء الهجرة، أشخاص غادروا المغرب ووجدوا في الخارج فرصًا لم تكن متاحة لهم بالضرورة في بلدهم. وبين هذه الصور المتراكمة، تتشكل لدى بعض الشباب قناعة بأن الضفة الأخرى تحمل إمكانية لحياة مختلفة، فيتحول الخارج من مجرد مكان جغرافي إلى وعد بالاعتراف والاستقرار وتحقيق الذات. 

ما وراء العبور الجماعي.. قراءة في خلفيات الظاهرة

لفهم خلفيات هذا التحول في مسارات الهجرة نحو سبتة، يوضح نبيل الفردوسي الباحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والمتخصص في قضايا الهجرة، أن هذا النوع من التحركات ليس جديدًا على الحدود بين المغرب وإسبانيا؛ فمنذ سنوات، كانت محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية تُسجل بشكل أساسي لدى مهاجرين من دول غرب إفريقيا، وأحيانًا من السودان، حيث كان التحرك بأعداد كبيرة يشكل، حسب تحليله، إحدى أدوات الضغط على الحدود وعلى أجهزة المراقبة، عبر محاولة تمكين جزء من المجموعة من العبور حتى في حال إعادة الباقين.

يشير الباحث إلى أن المغاربة بدأوا بدورهم في خوض هذا النوع من محاولات العبور الجماعي بشكل أوضح منذ سنتي 2021 و2022، مذكرًا بأن أحداث سبتة، سنة 2021، حملت خصوصية مختلفة، إذ كان أغلب المشاركين من الشباب والقاصرين، وبعضهم عبروا البحر بملابس السباحة. وجاءت تلك الأحداث في سياق توتر دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، بينما تبدو موجة العبور الأخيرة، حسب قراءته، أكثر تعقيدًا، في ظل تعدد التفسيرات وغياب معطيات واضحة حول خلفياتها.

إذا كانت الأزمة الاجتماعية والاقتصادية تفسر جزئيا ما حدث، فإنها لا تجيب على كل الأسئلة التي أثارها موجة العبور، حسب الأندلسي، فهذه الأزمة، حسب قوله، “موجودة منذ سنوات، ولا تكفي وحدها لتفسير توقيت وقوع عبور بهذا الحجم”.

ويوضح أن اختزال الهجرة في البحث عن تحسين الظروف المادية فقط لا يكفي لتفسير الظاهرة، مشيرا إلى أنها ترتبط أيضًا بما يسميه Social imaginary (المخيال الاجتماعي)، أي “الصورة والتصورات التي تتشكل لدى الأفراد حول الحياة في الخارج”. فالهجرة، حسب تحليله، لا تكون دائمًا نتيجة للفقر أو غياب الضروريات، “إذ إن بعض الأشخاص الذين يختارون الرحيل يتوفرون على شروط عيش مستقرة، لكنهم يتأثرون بصورة معينة عن الضفة الأخرى باعتبارها فضاءً للحرية، ونمط عيش مختلف، وتحقيق الذات والاعتراف الاجتماعي”.

في السياق نفسه، يربط المتحدث بين الهجرة وأزمة إدماج الشباب في الحياة السياسية، معتبرًا أن هشاشة مشاركة الشباب في المجال السياسي، مثلها مثل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، ليست ظاهرة جديدة، لكنها “تعكس محدودية الإصلاحات المؤسساتية التي كان يفترض أن تساهم في إشراك الشباب”. ويدعو إلى النظر إلى الواقع اليومي للمواطنين بدل الاكتفاء بصورة المغرب المرتبطة بالمشاريع الكبرى أو تنظيم التظاهرات الرياضية.

من جانبها ترى الأستاذة الجامعية  لطيفة بوحسيني أن موجة العبور الجماعي نحو سبتة، بالنظر إلى عدد المشاركين فيها وتزامن اتخاذ القرار في الفترة نفسها، لا يمكن اعتبارها حدثًا عاديًا، بل تستدعي تحقيقًا ميدانيًا يكشف الأسباب المباشرة التي دفعت آلاف الأشخاص إلى اتخاذ قرار العبور في يوم واحد. وتعتبر أن الدولة المغربية قدمت جزءًا من تفسيرها، كما قدمت إسبانيا بعض الأجوبة، غير أنها ترى أن هذه التفسيرات لا تزال غير كافية، وأن الصورة لن تكتمل إلا بكشف كل المعطيات المرتبطة بما جرى.

وتربط بوحسيني بين توقيت موجة العبور والسياق السياسي الذي وقعت فيه، مشيرة إلى أنها تزامنت مع الخطاب الملكي واحتفالات عيد العرش وحفل الولاء بمدينة تطوان، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة والنخب والأحزاب منشغلة بهذه المراسيم، على بعد كيلومترات قليلة من المدينة التي شهدت الأحداث. وترى أن هذا التزامن يطرح تساؤلات مشروعة، وتعتبر أن من مسؤولية الدولة تقديم أجوبة واضحة للرأي العام حتى تكتمل الصورة.

وفي المقابل، ترى بوحسيني أن الدولة اعتمدت مقاربة أمنية في تدبير الأزمة، مستشهدة بمتابعة عدد من الشباب وسائقي سيارات الأجرة أمام القضاء، ومعتبرة أن هذه المحاكمات جرت، بحسب رأيها، في ظروف تطرح تساؤلات حول ضمانات المحاكمة العادلة، خاصة في ظل إضراب المحامين. وتخلص إلى أن الرسالة التي قدمتها الحكومة هي أنها تفضل المقاربة الأمنية على الحوار ومعالجة الأسباب البنيوية التي دفعت آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.

أمهات عند المعبر

عند السياج الحديدي الفاصل بين سبتة المحتلة والفنيدق، لم يكن المشهد مقتصرًا على عناصر الأمن والعابرين، بل حضرت أيضًا عائلات المفقودين، خصوصًا الأمهات اللواتي حملن صور أبنائهن ووقفن لساعات تحت أشعة الشمس في انتظار أي معلومة. كانت بعضهن تتنقل بين المعبر وعناصر القوات المساعدة، تسأل عن أسماء أو أخبار قد تكشف مصير أبنائهن الذين انقطع التواصل معهم. 

“أنا هنا منذ يوم الجمعة أبحث عن ابنتي التي تبلغ من العمر 14 سنة، لم تخبرني بنيتها، عرفت الأمر من أصدقائها، أرسلت لي رسالة صوتية من هاتف سيدة، تقول فيها إنها وصلت إلى سبتة وأنها بخير، منذ ذلك الحين انقطع التواصل معها”. تقول سعيدة، سيدة خمسينية، لمنصة “هنَّ” وهي تنظر إلى البحر الفاصل بين سبتة المحتلة والفنيدق على أمل ظهور ابنتها . 

لم يكن فقدان الأبناء هو المأساة الوحيدة التي واجهتها العائلات، بل رافقه غياب التواصل والتنسيق الذي تركها في مواجهة الانتظار والقلق. فقد وجدت أسر المفقودين نفسها تبحث عن أي معلومة حول مصير أبنائها، دون مسار واضح للحصول على الأخبار أو متابعة عمليات البحث، مما زاد من معاناتها في ظل غياب مواكبة رسمية توازي حجم المأساة.

تلخص زهرة، التي تبحث عن ابنها، في حديثها لمنصة “هن”، وضع العائلات: “هاهوما غادي رجعوا، غير تسناي تما، هذه هي الجملة التي أسمعها منذ يومين، منذ أن فقدت الاتصال بابني، أنا رأيته، كنت معه عندما وصل الفنيدق، ورأيته خلف السياج عندما وصل إلى سبتة من ساعتها فقدت الاتصال به”. 

عند نهاية هذه الرحلة، لا تنتهي قصة الذين حاولوا الوصول إلى سبتة عند العودة، أو أمام أبواب المحاكم. فخلف محاولات العبور توجد حكايات شباب بحثوا عن فرصة، وأسر تنتظر أخبار أبناءها، وصورة عن مستقبل يعتقدون أنه يوجد في مكان آخر.

وبينما تُعالج تداعيات الأزمة عبر المقاربة الأمنية والمتابعات القضائية، تظل دوافع الهجرة مرتبطة بواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي معقد. فالمعابر قد تُغلق، لكن حلم الرحيل يستمر ما دامت الفجوة قائمة بين تطلعات الشباب والفرص المتاحة أمامهم.

اقرأ أيضا

  • “كان فخا للموت”.. حقائق جديدة في مأساة مليلية

    قبل أقل من أسبوع من الذكرى الثانية لمأساة مليلية، التي أسفرت عن "مقتل 23 شخصا"، حسب الرواية الرسمية للمغرب و"مقتل 27" وفق منظمات حقوقية؛ كانوا يحاولون القفز على السياج الحدودي، كشف تحقيق جديد عن المسؤولية المشتركة بين السلطات الإسبانية والمغربية عن الأحداث. وفي ظل غياب تحقيق مستقل، قامت منظمات غير حكومية، وهي مركز الدفاع عن…

    سعيد المرابط|

  • تراجيديا السودانيات بين نار الحرب ومُعاناة النزوح في ليبيا

    في ظل التصاعد المتواصل لوتيرة الحرب في السودان، وجد آلاف المدنيين أنفسهم مجبرين على الفرار من مدنهم وقراهم، تاركين خلفهم منازلهم ومصادر رزقهم، بحثًا عن الأمان عبر الحدود، غير أن الوصول إلى الأراضي الليبية لم يكن نهاية لمعاناتهم، بل بداية لواقع إنساني أكثر تعقيدًا، حيث اصطدم النازحون السودانيون بظروف معيشية قاسية وتحديات يومية تهدد أبسط…

    إيمان بن عامر|

  • “كانوا يقطعون رؤوس النساء والأطفال”.. مأساة الماليات اللاجئات إلى موريتانيا هربًا من أتون الحرب

    عندما بدأت أصوات الرصاص تلعلع، كانت منتو وعائلتها قد اختبأوا بالفعل، بينما في السماء تحلق طائرة مسيّرة فوق سوق بوفلوسا، وهي قرية تقع في وسط مالي. كان ذلك نذير شؤم اعتاد السكان الخوف منه؛ فبعد وقت قصير، وصل رجال مسلحون، فأحرقوا الأكشاك وأطلقوا النار على الحشود.  تستعيد منتو في حديثها لمنصة "هنَّ" ذلك اليوم من…

    سعيد المرابط|

  • أوروبا تأكل بأفواه دولنا ثوم الهجرة! 

     كان من المفترض، بل من الضروري، أن تقوم الدنيا ولا تقعد في بلداننا المغاربية: موريتانيا، المغرب وتونس، وحتى في ليبيا الممزقة؛ بعد ما كشفه تحقيق مشترك بين ائتلاف "لايت هاوس ريبورت"، ووسائل إعلام دولية مختلفة، لكن صمت القبور طغى على كل صرخات المهاجرين والمهاجرات؛ ضحايا السياسات أوروبية، التي أصبحت تصدر لنا من تحت الطاولات، عبر…

    سعيد المرابط|