هجرة النساء.. عنف وهشاشة في سبيل الحلم الأوروبي

“ليلة الرحلة كانت من أصعب لحظات حياتي: ظلام دامس، بحر هائج، قارب مكتظ، وبرد شديد. كنت أحتضن ابنتي بقوة، أخشى أن أفقدها في أي لحظة، وأعيش بين الخوف من الموت والأمل في الوصول. كل دقيقة في البحر كانت اختبارًا للقدرة على الصمود” بهذه الكلمات بدأت عائدة (اسم مستعار) سرد رحلة الخوف والهرب داخل “شقف الحرقة” وسط باحثين وباحثات عن أفق أقلّ قسوة في “برّ الطليان”.

تشهد ظاهرة الهجرة غير النظامية في تونس، وعبر حوض البحر المتوسط أبعادًا متعدّدة تتجاوز الإحصاءات الأمنية لتلامس معاناة الإنسان في أعمق مستوياتها. إذ لم تعد الهجرة مشروعًا يقتصر على الشباب الذكور الباحثين عن كسب مادي فحسب، بل تطوّرت في السنوات الأخيرة لتشمل فئات اجتماعية واسعة، من النساء إلى القُصّر، وحتى العائلات كاملةً، ما يعكس تغيّرًا في دافعية وأبعاد الظاهرة نفسها. 

وفي السياق التونسي، يغالب العديد من الشباب والنساء حواجز الفقر، البطالة، وتردّي الظروف الاقتصادية، في ظل انسداد آفاق التنمية المحلية، ممّا يجعل خيار المغادرة غير النظامية — حتى وإن كان محفوفًا بالمخاطر القصوى — مسارًا بديلًا للبحث عن حياة كريمة وآمال طالما تبدّدت داخل “بلد لا يسمع أبنائه وبناته”. 

هذه التحولات ليست خاصيّة تونسية فحسب، بل هي جزء من توجّه عالمي تشهده مناطق عديدة في إفريقيا وغيرها، حيث تدفع العوامل الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة الأفراد نحو اعتناق “الخلاص الفردي” كخيار بديل أمام فشل السياسات التنموية والهياكل المؤسسية في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية. 

ومن منظور آخر، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في مجرد أرقام وإحصاءات، فهي في جوهرها قصص بشرٍ تُشرِّد آلاف النساء والرجال والأطفال من أجل الكرامة والعيش والبحث عن آمال جديدة. هذه الإنسانية تتجلى في تجارب يومية لنساء يعانين ليس فقط من ضغوط اقتصادية واجتماعية، بل أيضًا من العنف، التهميش، والتمييز في بلدانهن أو أثناء رحلاتهنّ الخطيرة نحو أوروبا.

حين يصبح البحر مخرجًا أخيرًا

نشأت عائدة، وهي إمرأة ثلاثينية، في بيئة اجتماعية بسيطة ومحافظة، حيث كانت خيارات الفتيات محدودة، وكان الزواج المبكّر يُقدَّم باعتباره المسار الطبيعي للاستقرار.

“درستُ إلى حدود السنة الثانية من التعليم الثانوي، ثم تزوجتُ في سنّ صغيرة. لم أكن ناضجة بما يكفي لاتخاذ قرار مصيري كهذا، لكنّني خضعت للواقع الاجتماعي، وصدّقتُ أنّ الحب وحده يكفي لبناء حياة آمنة”، تقول عائدة.

في هذه الكلمات، تختصر عائدة مسارًا اجتماعيًا شائعًا، حيث يُستبدل التعليم والتمكين بوعدٍ هشّ بالأمان. في البداية، عاشت مع زوجها بين تونس العاصمة وسوسة (وسط شرق تونس). من الخارج، بدت الحياة مستقرة، لكن الداخل كان يتآكل سريعًا. زوج لا يتحمل المسؤولية، مال يختفي دون تفسير، وقلق يتسلل إلى التفاصيل اليومية.

“كل شيء تغيّر بعد حملي ثم ولادة ابنتي. أصبحتُ أتحمّل وحدي عبء البيت والطفلة، وبدأ الخوف يصير جزءًا من يومي”، تُضيف عائدة التي عملت في الحقول الزراعية، ساعات طويلة تحت الشمس، دون عقود أو حماية اجتماعية. جسدها يعمل، ومستقبلها معلّق. في هذا النوع من العمل غير المنظّم، تتقاطع هشاشة النساء مع غياب الضمانات الاجتماعية، ليصبح الاستغلال واقعا عاديًا.

“العنف لم يكن جسديًا فقط”، توضح عائدة، “كان نفسيًا ومعنويًا: إهانات، اتهامات، سيطرة، وشعور دائم بأنني غير آمنة”.

حاولت اللجوء إلى القضاء وطلب الطلاق، لكن زوجها كان يرفض الحضور إلى الجلسات. هكذا وجدت نفسها عالقة في وضع قانوني واجتماعي خانق، بلا حماية فعلية ولا دعم حقيقي من المحيط.

“كنت خائفة على ابنتي. لم أرد لها أن تكبر في بيت يسوده العنف، ولا في حياة تحكمها الحاجة والقلق، ومع غياب أي أمل في التغيير داخل تونس، قررتُ المغادرة. لم يكن قرارًا سهلًا. قررتُ عبور البحر مع ابنتي، وأنا مدركة تمامًا لحجم الخطر”، تسرد عائدة.

ليلة الرحلة كانت اختبارًا للحدّ الأقصى من الخوف؛ ظلام دامس، بحر هائج، قارب مكتظ، وبرد شديد. وبعد ساعات طويلة، وصلت عائدة وابنتها إلى إيطاليا. كانتا منهكتين جسديًا ونفسيًا، لكنهما على قيد الحياة. نُقلتا إلى مراكز الاستقبال، حيث بدأت صدمة أخرى: الغربة، اللغة، الشعور بالضياع.

لم يكن الاستقبال مثاليًا، ولا الظروف إنسانية دائمًا، لكن عائدة لم تتوقف.عملت في الزراعة، ثم في التنظيف، وقبلت أي فرصة تتيح لها الحد الأدنى من الاستقرار.

ثمّ تختم شهادتها “اليوم أنظر إلى ما مررتُ به بوعي مختلف. الطريق ما زالت طويلة، لكنني أعرف لماذا فعلتُ ذلك، فالشجاعة الحقيقية لم تكن في ركوب البحر، بل في اتخاذ قرار الرحيل من أجل مستقبل مختلف لإبنتي الوحيدة، وبحثًا عن الكرامة والحياة”.

تكشف تجربة عائدة كيف تتحوّل الهجرة غير النظامية، بالنسبة لنساء كثيرات في تونس، من خيار إلى مخرج أخير. فحين تتقاطع البطالة، والعمل الهشّ، والعنف الأسري، وغياب الحماية القانونية والاجتماعية، يُصبح البقاء نفسه مخاطرة.

في هذا السياق، لا تعكس قوارب الموت تهوّرًا فرديًا، بقدر ما تفضح سياسات عمومية عاجزة عن توفير شروط العيش الكريم، وتكتفي بتجريم الهجرة بدل معالجة أسبابها العميقة. وهكذا، تُدفع نساء مثل عائدة إلى المقامرة بالحياة، لا طمعًا في “الحلم الأوروبي”، بقدر ما هو هرب من واقع لم يترك لهنّ خيارًا آخر.

في الصدد ذاته، تُشير الأستاذة في الانثروبولوجيا-الاجتماعية خولة الماطري إلى أنّ الهجرة غير النظامية هي بمثابة ردّة فعل على سياسات غلق الحدود والتأشيرة المقصية.ورغم أنّها تُعتبر تاريخيا فعل ذكوري يقوم على الأدائية La performativité، إلاّ أنّ السنوات الأخيرة غيّرت المشهد من خلال تواتر هجرة النساء والأطفال وعائلات بأكملها، ولم تعُد الهجرة تقتصر على فئة عمرية أو جنس أو طبقة اجتماعية محدّدة.

النساء في الهجرة: أرقام تكشف ما لا يُقال

يؤكّد رمضان بن عمر الناطق الرسمي باسم “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، أنّ حضور النساء في الهجرة غير النظامية يشهد نسقًا تصاعديًا خلال السنوات الأخيرة، وإن ظلّ محدودًا عدديًا مقارنة بالرجال. 

فوفق التقديرات المتوفّرة، بلغت نسبة النساء قرابة 9 بالمائة من مجموع المهاجرين.ات غير النظاميين.ات سنة 2024، فيما يُتوقّع أن تتراوح ما بين 6 بالمائة و7 بالمائة خلال سنة 2025، مع الإشارة إلى أنّ هذه الأرقام تبقى تقريبية نظرًا لطبيعة الظاهرة وصعوبة رصدها بدقّة. 

غير أنّ قراءة هذه المعطيات لا يمكن أن تظلّ رقمية فقط؛ فحضور النساء يتكثّف أكثر في أنماط معيّنة من الهجرة غير النظامية، خاصّة تلك التي تعتمد على الطرق البرّية، والتي يُنظر إليها اجتماعيًا على أنّها أقلّ خطورة من عبور البحر. 

وبرز ذلك بوضوح في مسارات سابقة، مثل الهجرة عبر مليلية سنة 2019، أو عبر البلقان سنة 2021، حيث فضّلت العديد من النساء هذه الطرق باعتبارها أكثر أمانًا، ولو نسبيًا.

ورغم ذلك، يوضّح بن عمر بأنّ “النساء مازلن حاضرات في الهجرة البحرية، خاصّة في إطار ما يُعرف بالهجرة العائلية”. وتُظهر المعطيات أنّ عدد القُصّر غير المرافقين غالبًا ما يكون قريبًا من عدد النساء، وهو ما يعكس تزايد حضور الأمّهات اللواتي يغامرن بأجسادهنّ وحياة أطفالهنّ في آن واحد. وهنا يطرح بن عمر سؤالًا جوهريًا: “كيف يمكن لأمّ أن تقبل بالصعود بابنها إلى قارب مهدّد بالغرق؟”

هذا القرار، بحسبه، لا” يمكن فهمه بمنطق الطمع أو الانتهازية، بل هو نتيجة عوامل طرد قاسية، تتقدّم فيها معاناة النساء، والعنف المسلّط عليهنّ، والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، على أي إغراء محتمل للهجرة”.

في هذا السياق، تصبح رحلة الهجرة بالنسبة للنساء محفوفة بمخاطر مضاعفة. فإلى جانب خطر الغرق، تواجه النساء أشكالًا أخرى من العنف، تبدأ قبل الرحلة ولا تنتهي عند الوصول. لذلك تحاول العديد منهنّ ألّا يركبن القارب إلا إذا توفّر حدّ أدنى من “الحماية”، استنادًا إلى روايات وتجارب سابقة عن عنفٍ مضاعف تعرّضت له نساء خلال الرحلات.

غير أنّ هذه الحماية نفسها قد تتحوّل، في بعض الأحيان، إلى مصدر إضافي للعنف، سواء النفسي أو المعنوي، من خلال فرض شروط قاسية تتعلّق بطريقة اللباس، أو غيرها من التفاصيل التي تُقدَّم تحت مسمّى “إجراءات الحماية”.

ويشير بن عمر إلى أنّ العنف الذي تتعرّض له النساء في الهجرة غير النظامية هو عنف ثلاثي لأنّه يمرّ بثلاث مراحل أساسية تتمثّل في: عنف قبل الرحلة، ويتمثّل في الضغوط والابتزاز المرتبطين بتجميع المال أو تأمين مكان على القارب. وعنف أثناء الرحلة، يتراوح بين السيطرة، والتحرّش، والعنف اللفظي والنفسي، وقد يتطوّر في بعض الحالات إلى عنف جسدي. ثم عنف عند الوصول، وإن كان أقلّ حدّة نسبيًا، خاصّة خلال فترات الانتظار والاحتجاز الأولى، أو في المسارات اللاحقة لعبور الحدود داخل أوروبا.

ورغم أنّ هذا الموضوع مازال من المحرّمات، ولا يُكشَف عنه إلا من خلال شهادات محدودة، فإنّ المؤكّد، وفق المنتدى، هو أنّ هذا العنف موجود، ومتعدّد الأشكال، ويطال النساء بشكل خاصّ، في مسار هجرة لا ينتهي بالوصول إلى اليابسة، بل يفتح على مسارات أخرى من الهشاشة والانتظار.

وحسب رصد قام به المنتدى الاقتصادي الاجتماعي، فإنّه خلال سنة 2025، بلغ عدد الواصلين.ات إلى إيطاليا عبر الهجرة غير النظامية 1825 شخصًا، من بينهم 117 امرأة و516 قاصرًا، وهي أرقام، وإن بدت محدودة، فإنّها تحمل دلالات عميقة حول تحوّلات الظاهرة وطابعها العائلي المتزايد.

ثلاثية العنف من منظور جندري تقاطعي

لا يمكن فهم ما يُسمّى بـ”ثلاثية العنف” التي تتعرّض لها النساء في مسار الهجرة غير النظامية، دون مقاربة جندرية تقاطعية تُفكّك تراكب أشكال القهر التي تطال أجسادهنّ وحيواتهنّ. فالعنف الذي يبدأ قبل الرحلة، ويتكثّف أثناءها، ولا ينتهي عند الوصول، ليس حوادث منفصلة أو انحرافات فردية، بل هو نتاج بنية كاملة تضع النساء في موقع هشّ مضاعف، بوصفهنّ نساء، وفقيرات، وغالبًا أمهات، ومهاجرات غير نظاميات في آن واحد.

يتقاطع العنف الاقتصادي مع العنف الجندري، في مرحلة ما قبل الرحلة، حيث تتحوّل هشاشة النساء المادّية والاجتماعية إلى أداة ابتزاز. فالحاجة إلى المال، وغياب البدائل، والعزلة الاجتماعية، تجعل بعض النساء أكثر عرضة للضغط، والمساومة، وفرض “ترتيبات” غير متكافئة تحت ذريعة تسهيل الرحلة. هنا، لا يُمارَس العنف فقط بالقوة المباشرة، بل من خلال استغلال موقع الضعف، وتحويل الجسد الأنثوي إلى عملة تفاوض ضمن اقتصاد الهجرة غير النظامية.

أمّا أثناء الرحلة، فيتجسّد العنف بشكل أكثر حدّة، إذ يتحوّل القارب إلى فضاء مغلق تُعاد فيه إنتاج علاقات السيطرة الذكورية. فالنساء لا يواجهن خطر الغرق فحسب، بل يُجبرن أيضًا على التكيّف مع أوضاع تُنتهك فيها الحدود الجسدية والنفسية، سواء عبر التحرّش، أو الإذلال، أو العنف اللفظي، أو السيطرة الرمزية على الحركة والجسد. وفي هذا السياق، يصبح الصمت آلية للبقاء، لا اختيارًا، ويغدو تحمّل العنف شرطًا غير معلن للنجاة.

وعند الوصول، لا ينتهي هذا المسار، بل يتّخذ أشكالًا أقلّ وضوحًا، وأكثر مؤسّسية. فالاحتجاز، والانتظار، والغموض القانوني، والحواجز اللغوية، تضع النساء مجدّدًا في موقع هشّ، خاصّة الأمّهات. ورغم الانتقال من عنف غير منظّم إلى عنف “مُنظَّم” نسبيًا، فإنّ فقدان السيطرة على المصير، والارتهان للإجراءات، يواصلان إنتاج أشكال أخرى من الضغط النفسي والتهميش.

وتكشف هذه الثلاثية، في مجموعها، أنّ العنف الذي تعيشه النساء في الهجرة غير النظامية ليس طارئًا ولا استثنائيًا، بل هو امتداد لمسار عنف بدأ في بلدان الأصل، وتغذّيه سياسات عمومية عاجزة عن توفير الحماية الاجتماعية، وتُعمّقه أنظمة حدودية تُدير الهجرة من منطق أمني لا إنساني. وفي هذا المعنى، تصبح الهجرة غير النظامية فضاءً تتكثّف فيه كلّ أشكال اللامساواة، وتدفع النساء ثمنها مضاعفًا، بأجسادهنّ، وأدوارهنّ، وخياراتهنّ المحدودة.

ومن جهة أخرى، تُضيف الأستاذة في الانثروبولوجيا الاجتماعية خولة الماطري، بأنّه هناك اختلاف جوهري في العنف يتمثّل في اختلاف التجربة ومراحل الهجرة. حيث أنّ الرجال يتعرّضون للعنف الجسدي واللفظي من قبل السلطات أكثر من النساء، في حين تتعرّض النساء عبر تجاربهن إلى الهشاشة أكثر.

الهشاشة بعد الوصول: حين يتقاطع اللجوء مع النوع الاجتماعي

من موقعه كمختصّ في حماية اللاجئين.ات في مركز إستقبال بإيطاليا، يوضّح مازن كورشيد أنّ “الهشاشة التي تعيشها النساء المهاجرات واللاجئات لا تنتهي بالوصول إلى الضفة الأخرى”، بل غالبًا ما تبدأ هناك بأشكال جديدة، أكثر صمتًا وأشدّ تعقيدًا. 

فوفق تجربته الميدانية، تتجذّر هذه الهشاشة أساسًا في تقاطع الوضع القانوني مع النوع الاجتماعي، حيث يضع غياب تصاريح الإقامة أو الارتهان إلى تصاريح مؤقتة النساء في موقع ضعف دائم، يحدّ من نفاذهنّ إلى الحقوق الأساسية، مثل الرعاية الصحية والعمل اللائق، ويجعل أجسادهنّ أكثر عرضة للاستغلال والعنف القائمين على النوع الاجتماعي.

ولا يقتصر الأمر على الوضع القانوني فقط، إذ تلعب الحواجز اللغوية والثقافية دورًا محوريًا في تعميق العزلة. فعدم القدرة على التواصل مع المؤسسات الرسمية أو فهم الإجراءات المتاحة يحرم العديد من النساء من المطالبة بحقوقهنّ، ويُبقيهنّ في دائرة الاعتماد والخوف، ويضعف فرص الاندماج في المجتمع المضيف.

إلى جانب ذلك، يبرز الوصم الاجتماعي كعامل خفيّ لكنه بالغ التأثير في إعادة إنتاج الهشاشة. فالنساء المهاجرات، خصوصًا القادمات عبر مسارات غير نظامية، يواجهن في كثير من الأحيان أحكامًا أخلاقية قاسية، سواء في بلدان الأصل أو داخل الجاليات المهاجرة نفسها.

“يشتدّ هذا الوصم عندما ترتبط مسارات الهجرة بمناطق عُرفت بالنزاعات أو بالعنف الجنسي، مثل ليبيا أو السودان أو مالي، حيث يُنظر إلى النساء بعين الشكّ، لا كضحايا لمسارات قسرية، وكمحلّ لمساءلة أخلاقية. هذا الوصم لا يعرقل الإدماج الاجتماعي والاقتصادي فحسب، بل يدفع بعض النساء إلى الصمت، وتجنّب اللجوء إلى برامج الحماية المتاحة، خوفًا من الفضيحة أو الإدانة”، يُضيف كورشيد.

وفي هذا السياق، يستحضر كورشيد حالات ميدانية تختزل هذا التداخل القاسي بين العنف، الفقدان، والعزلة. من بينها “حالة لاجئة سودانية فقدت عائلتها المباشرة بسبب الحرب، واضطرت إلى الهجرة بحثًا عن الأمان، لتجد نفسها مقطوعة عن عائلتها الموسّعة التي وصمتها أخلاقيًا. وفي بلد اللجوء، ومع غياب أي شبكة حماية، تعرّضت لمحاولات استغلال جنسي من بعض أبناء بلدها، استنادًا إلى هشاشتها ووحدتها”.

كما يروي قصة امرأة من الكاميرون، اختارت الزواج خارج انقسامات لغوية وسياسية حادّة، فدفعت ثمن ذلك قطيعة عائلية، ثم مأساة مضاعفة مع اندلاع العنف في بلدها أواخر سنة 2020. قُتل زوجها، وفقدت أبناءها في مشهد عنيف ترك آثارًا جسدية ونفسية عميقة. ورغم نجاتها الجسدية ومساعدتها على مغادرة البلاد، لم يكن الوصول إلى تونس نهاية للمأساة، بل بداية لمسار جديد من الهشاشة، حيث “وجدت نفسها دون دعم عائلي، عاجزة عن العمل، وتعتمد على مساعدات محدودة، غالبًا ما كانت مشروطة أو مقرونة بأشكال من الاستغلال”.

ويؤكّد كورشيد على أنّ هذه القصص ليست استثناءات، بل “تعبير عن مسار متكرّر تعيشه نساء كثيرات حين يتقاطع النزاع، اللجوء، وغياب الحماية الفعلية”، ورغم وجود منظومات قانونية حمائية في بلدان الاستقبال، تقوم على الدعم القانوني والنفسي وتمكين الاستقلالية الاقتصادية، فإنّ فعاليتها تبقى محدودة بفعل الفجوة بين النصوص والتطبيق، ونقص الموارد، وضعف التنسيق المؤسّسي. 

كما أنّ الاعتماد المفرط على منظمات المجتمع المدني، دون دعم مستدام من الدولة، يجعل الحماية ظرفية وهشّة. في هذا السياق، لا تبدو الحماية الحقيقية ممكنة دون ضمان الاستقرار القانوني للنساء المهاجرات واللاجئات، وبناء علاقة ثقة معهنّ، تعترف بتجاربهنّ لا بوصفها حالات إنسانية طارئة، بل كمسؤولية سياسية وأخلاقية مستدامة.

تُظهر شهادة عائدة أنّ الهجرة غير النظامية ليست مجرد حركة جغرافية، بل مسار تتكثّف فيه أشكال متعدّدة من العنف والهشاشة الاجتماعية، وتتقاطع فيه العوامل الاقتصادية، القانونية، والثقافية مع النوع الاجتماعي. النساء التونسيات المهاجرات في إيطاليا يواجهن تحديات مستمرة بعد الوصول، حيث تتحوّل هشاشتهن القانونية — نتيجة تصاريح الإقامة المؤقتة أو عدم الاستقرار القانوني — إلى عامل يزيد من تعرضّهن للاستغلال النفسي والاقتصادي، ويحدّ من النفاذ إلى الحقوق الأساسية مثل العمل، الرعاية الصحية، والتعليم، بينما يواجهن صعوبات الاندماج بسبب الحواجز اللغوية والثقافية.

في المقابل،تعاني النساء المهاجرات المنحدرات من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس؛ من أشكال عنف ووصم تتقاطع فيها العنصرية مع الهشاشة القانونية والاجتماعية. فغياب شبكات الحماية، ونقص الدعم القانوني والاقتصادي، يجعل أجسادهن وأدوارهن الأسرية محل استغلال، ويكرّس تهميشًا مزدوجًا يجعلهن عرضة للتحرش والابتزاز والتمييز، سواء من قبل أفراد مجتمعهن أو ضمن الهياكل الرسمية والإدارية.

الاقتران بين هاتين التجربتين يوضّح أنّ العنف في مسارات الهجرة النسائية ليس حادثًا فرديًا، بل نتاج تراكمات هيكلية تتقاطع فيها الهوية الجندرية، الحالة القانونية، والفقر. سواء في تونس أو في المهجر، تتحمّل النساء ثمن سياسات هجرة وإيواء تفتقر إلى مقاربة إنسانية شاملة، تجعل الانتقال نفسه، من بلد المنشأ إلى بلد اللجوء، فضاءً تتكثّف فيه اللامساواة والتمييز الجندري بشكل مضاعف.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • سوق الغزل.. ملاذُ مهمشاتِ مراكش

    خلف أكوام من القفاطن المطرزة والجلالب الملونة المستعملة، تجلس نساء جمعهن شظف العيش، يفترشن الأرض وينتظرن ظهور السائحات الأجنبيات أو المغربيات الباحثات عن ضالتهن في بضاعة عتيقة بعيدا عن غلاء أسعار المحلات الفارهة.  سامي صبير/هوامش بابتسامة خجولة تستقبلنا نعيمة، الأرملة السبعينية، التي تلخص قصتها في حديث لمنصة هوامش، “أمضيت حياتي بكاملها في هذا السوق، كان…

    Hounna | هنّ|

  • بين  الإهمال والتهديد.. أطباء تونس الشبان ينتفضون من أجل تحسين ظروف العمل 

    “أنتم نخبة المجتمع، أنتم من يعملون 120 ساعةً متواصلةً، انتم من لا يجدون سريرًا مريحًا  للنوم عليه أثناء المناوبة الليلية، أنتم الذين تأكلون أكلات سيئة، حافظوا على المستشفى العمومي مستشفى الضعفاء والفقراء،  حافظوا على  روح جاد بينكم”، بحرقة، وعيون باكية تلخص لوعة الفقد، ظهرت والدة جاد الهنشيري، الطبيب التونسي المُتوفى حديثًا، وأحد مؤسسي “المنظمة التونسية…

    أميمة عدواني|

  • “زوج مع وقف المسؤولية”.. هروب الزوج جحيم تعيشه النساء في المغرب 

    "لم أبحث عن زوجي الذي فر هاربا من مسؤولية طفلين صغيرين، ووالدته المريضة بالسكري، لا وقت لي لذلك، فقد انشغلت بالبحث عن قوت يومي لهذه الأفواه المفتوحة، وعن ثمن كراء البيت الذي يأوينا مخافة طردنا منه، ولادي لي مقسحين، أحيانا لا أستطيع أن أوفر لهم أي طعام طيلة اليوم، يبكون منحرقة الجوع، فأشعر بالعجز أمام…

    سناء كريم|

  • “النظراء المربون”.. قصص نجاح نسائية تلهم موريتانيا

    في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها النساء والفتيات في موريتانيا، برزت رابطة النظراء المربون (SOS Pairs Éducateurs) كإحدى المبادرات الرائدة في مجال التمكين والاندماج المجتمعي.  محمد عالي بلال، نائب رئيس جمعية SOS "النظراء المربون"، في حديثه لـ"هنَّ"، يقول أن "الرابطة لم تكتفِ بطرح برامج تقليدية، بل وضعت خطة متكاملة ترتكز على مقاربات أساسية؛ التعليم،…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.