في بلدان المغرب الكبير، صار الخوف استجابةً وجودية لا مرئية للتهديد المعاش في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية؛ يرافق النساء في الطريق إلى العمل، يترصدهن في تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو من خلال مشاركة تغريدة تناقش الشأن العام، يمشي بخطاهن في الاحتجاجات، ويقبع تحت جلودهن حتى في اختيار الصمت.
ورغم اختلاف السياق السياسي والاجتماعي من تونس إلى المغرب، ومن الجزائر إلى ليبيا وموريتانيا، إلا أن شيئًا واحدًا يبدو مشتركًا؛ فالنساء يعشن أشكالًا متقاطعة من الخوف، ومصادر الخوف هي نفسها ذات المصادر وإن كانت بأوجه وشخصيات وأحداث مختلفة، حسب جغرافيًا كل دولة.
أضحى الخوف بالنسبة للنساء تجربة جماعية تتشكّل عند تقاطع السلطة والمجتمع والأسرة والقانون؛ تخاف النساء من العنف، من الوصم، من الملاحقة، من الفقدان الرمزي أو المادي، ومن أن يدفعن ثمنًا مضاعفًا حين يقرّرن كسر القواعد أو رفع الصوت. وبينما تبدو الحدود السياسية فاصلة بين دول المنطقة، فإنّ سرديات الخوف تتشابه حدّ التواطؤ؛ لغةً واحدة للقلق، وذاكرة مشتركة للتهديد، واستراتيجيات متقاربة للبقاء.
في هذا الملف تحاول منصة “هنَّ” الإصغاء إلى تلك الأصوات، إلى الخوف كما تعيشه النساء المغاربيات، لا كما يُختزل في الأرقام أو في التقارير السنوية، نتبع خيط هذا الخوف من خلال شهادات لفاعلات نسويات في المنطقة، نسعى إلى تتبّع ملامح هذا الشعور، لفهم أسبابه البنيوية، ورصد أشكال مقاومته أيضًا. لأنّ الخوف، مهما بدا مُعيقًا، يكشف في الوقت نفسه عن شجاعة مستترة، وعن حاجة ملحّة إلى تغييرٍ يتجاوز الحدود.
ليبيا: النضال النسوي تحت تهديد السلاح
تتقاطع الهشاشة الأمنية في ليبيا مع الانقسام السياسي وانتشار السلاح، تُصبح تجربة النساء في الفضاءين العام والخاص محفوفة بأشكال متعدّدة من العنف؛ فالمخاوف اليومية التي تعيشها النساء، والضغوط الاجتماعية والرقمية تُلاحق الناشطات والفاعلات في الشأن العام.
في حديثها لمنصة “هنَّ”، تصف الصحفية والناشطة النسوية نورة جربي بأنّ أبرز القضايا المرتبطة بالنساء في ليبيا “مازالت تتمثّل في العنف الأسري والمجتمعي، حيث تقع كثير من جرائم قتل النساء داخل المنزل وعلى يد أفراد من العائلة”، وإلى جانب ذلك، “تطال الاغتيالات أحيانًا النساء المنخرطات في المجال السياسي أو الناشطات في الفضاء العام”.
وتضيف بأنّ “العنف الرقمي بات من أبرز التحديات التي تواجه النساء، خصوصًا الناشطات والصحفيات أو المشاركات في العمل السياسي. فالتشهير والتنمّر والابتزاز الإلكتروني أصبحت ممارسات متكرّرة تستهدف كل النساء التي تحاول الظهور في الفضاء العام”.
وتزيد النزاعات المسلّحة والصراعات المحلية من تعقيد الوضع، إذ تفرض قيودًا على الحركة وتحدّ من مشاركة النساء، في ظل ضعف الحماية القانونية ومحدودية المشاركة السياسية نتيجة الضغوط الأمنية”، توضح جربي.
في هذا السياق، يتداخل الخوف اليومي لدى النساء بين الواقع الميداني والفضاء الرقمي. فمجرّد الظهور العلني قد يفتح الباب أمام حملات تشهير وتهديد وابتزاز، وهو ما يخلق ضغطًا اجتماعيًا لا يقتصر على النساء فقط، بل يمتدّ إلى أسرهن أيضًا، حيث تقول نورة إنّ “هذا الضغط يدفع كثيرات إلى الانسحاب من المجال العام تفاديًا للوصم الاجتماعي”.
كما توضّح أنّ الفتيات العاملات في المجتمع المدني يتعرّضن لحملات وصم قاسية، إذ تُطلق عليهن أحيانًا أوصاف مهينة مثل “عاهرات المجتمع المدني”.
ومثل هذه الاتهامات تجعل العديد من الشابات يتردّدن في الانخراط في العمل العام خوفًا من التشهير بهن أو بعائلاتهنّ، ولا ينفصل هذا الواقع عن طبيعة الدولة الهشّة في ليبيا، حيث ينتشر السلاح وتضعف آليات المحاسبة.
وفي هذا، قد يتحوّل أيّ رأي علني أو موقف سياسي إلى مصدر خطر شخصي أو أمني، ما يعزّز الشعور الدائم بالتهديد لدى كثير من النساء، وتُشير نورة إلى “ثقافة لوم الضحية أو الناجية، والتي تُعدّ تعد أحد أبرز أسباب استمرار هذا الخوف؛ فالمجتمع كثيرًا ما يميل إلى تحميل النساء مسؤولية ما تتعرّضن له من عنف، وهو ما يُثقل كاهل الناجيات نفسيًا ويمنع الكثيرات من الحديث عما يواجهنه”.
كما يتفاقم الوضع بسبب ضعف الوصول إلى القضاء في ظلّ الانقسامات السياسية والتعقيدات الإجرائية. فغياب المحاسبة وعدم رؤية الجناة يُعاقبون يخلق شعورًا واسعًا بالإحباط، ويعزّز ثقافة الإفلات من العقاب التي تعتبرها نورة جزءًا أساسيًا من المشكلة. كل هذه العوامل مجتمعة تجعل النساء يشعرن بأنّ الحماية محدودة، وأنّ أي انتهاك قد يمرّ دون رادع حقيقي.
“بالنسبة لي، أشعر بالخوف دائمًا” هكذا تصف نورة خوفها كناشطة نسوية، فهي تعمل بشكل مباشر على قضايا العنف الرقمي والعنف الأسري، وتصلها باستمرار حالات عبر المنظمات وعبر عمليات التوثيق. وبحكم كونها شخصية إعلامية وفاعلة في القضايا النسوية، فإنّ حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة، ما يجعلها عرضة لرسائلَ مزعجة ومتكرّرة وأحيانا كثيرة زائفة من حسابات وهمية.
وتروي تجربتها مؤكّدة على أنّ الأمر وصل بها إلى حدّ التوقف عن الرد على الرسائل التي تصلها من نساء يطلبن المساعدة: “هذا الأمر يسبّب لي ألمًا كبيرًا، لكنّني اضطررت إليه لحماية نفسي”.
وتوضّح بأنّ بعض الجهات التي تحاول استهدافها ترسل رسائل من حسابات وهمية تحمل قصصًا مختلقة، “مثل الادعاء بأنّ صاحبة الرسالة فتاة صغيرة تعيش في أسرة عنيفة، وذلك بهدف الإيقاع بها أو اتهامها لاحقًا بالعمل لصالح جهات خارجية”.
هذا الواقع يضعها في معضلة أخلاقية صعبة؛ فهي تريد مساعدة النساء اللواتي يطلبن النجدة، لكنّها مضطرة في الوقت نفسه إلى حماية نفسها حتى تتمكّن من الاستمرار في عملها.
أمّا عن الحلول، فتقول نورة إنّ “الخطوة الأولى يجب أن تكون عبر كسر دائرة الصمت، فوجود مزيد من النساء اللواتي يروين تجاربهن ويشاركن مخاوفهنّ يٌمكن أن يساهم في تسليط الضوء على حجم العنف الذي يواجهنه، سواء في الفضاء الرقمي أو داخل المنازل”.
وترى أيضًا أنّ “وجود قضاء فعال ومحاسبة واضحة يبقى عنصرًا أساسيًا في مواجهة هذه الظاهرة، فالشعور بالخوف، حسب قولها، يرتبط أساسًا بغياب من يحمي النساء”.
تونس: بين المكاسب قانونية والخوف المستمر
بعد شهادة نورة جربي من ليبيا، أين تقاطع العنف الرقمي مع الهشاشة الأمنية والسياسية، ينتقل الحديث إلى تونس؛ هنا يبدو السياق مختلفًا من حيث الإطار القانوني والمؤسّساتي، لكنّه لا يخلو بدوره من دوائر خوف معقّدة تعيشها النساء في حياتهن اليومية.
وفي هذه الشهادة، تقدّم الناشطة النسوية والأمينة العامّة السابقة لجمعية “النساء الديمقراطيات” أحلام بوسروال قراءة تحليلية لتجربة الخوف لدى النساء في تونس، بوصفها نتيجة بنية اجتماعية وسياسية أوسع، لا مجرّد تجربة فردية معزولة.
اشتغلت بوسروال لسنوات في مرافقة النساء ضحايا العنف، وفي التأثير على السياسات العمومية، وفي الدفاع عن مقاربة تقاطعية، وفي حديثها لـ”هنَّ”، تعتبر أنّ “حقوق النساء جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان”. ومن هذا الموقع، ترى أن مسألة “خوف النساء” في تونس ليست مسألة نفسية فردية، “بل هي نتيجة بنية اجتماعية وسياسية تنتج هذا الخوف وتعيد إنتاجه.”
وتوضح أحلام بأنّ الحديث عن الخوف لدى النساء “يتمثل في انعدام الإحساس بالأمان، فالنساء لا يشعرن بأنّهن في مأمن كامل، لا في الفضاء العام ولا في الفضاء الخاص؛ فالشوارع ووسائل النقل قد تكون مصدر تهديد، لكن المفارقة الأكثر إيلامًا أنّ الخطر قد يوجد أحيانًا داخل المنزل نفسه، حيث تظهر الإحصائيات أنّ الفضاء المنزلي من أخطر الفضاءات على النساء.”
ومن خلال هذا الواقع نصطدم بمفارقة قاسية، فالمكان الذي يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا قد يتحوّل إلى مصدر تهديد؛ لذلك لا يُمكن النظر إلى جرائم قتل النساء كحوادثَ معزولة، بل كذروةٍ لمسارٍ طويل من العنف غير المردوع. وهنا، “يتحوّل الشعور بعدم الأمان إلى عامل يقيّد حريّة النساء في التنقل والاختيار، ويجعل مواطنتهنّ مواطنة مشروطة بالخوف”، تؤكد بوسروال.
وتطرقت بوسروال، للخوف الاجتماعي والاقتصادي، معتبرةً أنّ “كثيرًا من النساء يبقين في علاقات عنيفة، لا لأنّهن يقبلن العنف، بل لأنّ كلفة المغادرة مرتفعة جدًا، لأن نظام الحماية الاجتماعية مازال في جزء كبير منه مبنيًا على تصوّر ذكوري يتمثل في ربّ الأسرة”.
ورغم دخول النساء بقوّة إلى سوق الشغل خلال العقود الأخيرة، فإنّ وجودهن يتركّز غالبًا في قطاعات هشّة أو غير مهيكلة، مع حماية اجتماعية ضعيفة أو منقطعة، لذلك حسب بوسروال “قد يعني الانفصال فقدان السكن أو الاستقرار المالي أو القدرة على إعالة الأطفال، وهنا، يتحوّل الخوف من الفقر والتهميش إلى عامل ضغط يبقي النساء داخل دائرة العنف، وهي، هشاشة بنيوية وليست اختيارًا فرديًا”.
وتختم حلقة الخوف الجاثم على صدور التونسيات بالخوف السياسي والمدني، حيث لاحظت من موقعها كناشطة نسوية أنّ هناك خوفًا متزايدًا لدى النساء من التعبير والمطالبة بالحقوق؛ “فمع تراجع آليات التناصف والتمثيل السياسي التي كانت تضمن حضورًا أوسع للنساء في مواقع القرار، ومع تصاعد خطاب الكراهية في بعض الخطابات السياسية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت النساء الفاعلات في المجال العام عُرضة لحملات تشويه وتهديد وعنف رقمي”.
وتؤكد على أن هذا المناخ “يولّد نوعًا من الرقابة الذاتية، ويدفع بعض النساء إلى الانسحاب التدريجي من الفضاء العام؛ الخوف هنا لا يرتبط فقط بالعنف الجسدي، بل أيضًا بفقدان الشرعية الاجتماعية والاعتراف السياسي”.
وتوضّح أحلام في شهادتها، أنّ هذه الصور الثلاث المتمثّلة في انعدام الأمان الجسدي، والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وتضييق الفضاء المدني، هي “دوائر مترابطة، تعكس عدم إمكانية معالجة العنف القائم ضدّ النساء من خلال نصّ قانوني فقط، مهما كان متقدّمًا، بل تتطلّب معالجة شاملة تٌعيد بناء منظومة الحماية، وتضمن الاستقلالية الاقتصادية، وتحمي حريّة التعبير والمشاركة السياسية”.
ومن موقعها كنسوية ومدافعة عن حقوق الإنسان، تخلص إلى أن “الهدف ليس فقط تقليص العنف، بل تفكيك منظومة الخوف نفسها، فالنساء، لا يطالبن بامتيازات، بل بحقوق أساسية؛ بالأمان، والكرامة، والاستقلالية كمواطنات كاملات الحقوق”.
الجزائر: الخوف الذي يتخفّى في الحياة اليومية
بعد تونس وليبيا، يتواصل هذا المسار عبر الجزائر، حيث تتقاطع قضايا العنف ضدّ النساء مع أسئلة القانون والحماية الاجتماعية وحدود النقاش العمومي حول هذه الظواهر. في هذه الشهادة، تقدّم الباحثة والناشطة النسوية صوفيا بولصنام قراءة تجمع بين التجربة الحقوقية والمعرفة الأكاديمية، لتفكيك أسباب الخوف الذي تعيشه النساء في سياق يبدو ظاهريًا أقل اضطرابًا من مناطق النزاع، لكنّه لا يخلو من تحديات عميقة.
توضّح صوفيا أنّ أبرز القضايا المرتبطة بالنساء في الجزائر “مازالت تتمثّل في العنف بمختلف أشكاله على غرار العنف الأسري، والاقتصادي، والاجتماعي، والرقمي، إضافة إلى جرائم قتل النساء التي تعود لتُثير الرأي العام بين الحين والآخر”.
غير أنّ المفارقة، كما تقول، “تكمن في أنّ هذه القضايا لا تحظى دائمًا بنقاش عمومي معمّق ومستمر، إذ غالبًا ما يظهر النقاش بقوّة عند وقوع حادثة صادمة، ثم يخفت تدريجيًا”.
وفي مقابل ذلك، تٌشير إلى أنّ الجزائر “اتّخذت خطوات قانونية مهمّة، إذ ينصّ الدستور الجزائري في المادة 40 على التزام الدولة بحماية النساء من جميع أشكال العنف، وهذا المكسب الدستوري مهمّ، لكنّه لم يُترجم بعد إلى قانون شامل ومتكامل يضمن الوقاية والحماية والتكفّل والمتابعة القضائية”.
وتوضّح: “النصوص الموجودة اليوم تمثّل خطوة إيجابية، لكنّها تبقى متفرّقة وتحتاج إلى إطار قانوني متخصّص ينسجم مع روح الدستور ويوفّر حماية عملية للنساء، لكن الخوف الذي تعيشه النساء في الجزائر لا يرتبط فقط بالعنف المباشر، بل أيضًا بتبعات مواجهته. فالنساء قد تخشى من الاعتداء عليها في الفضاء العام أو داخل الأسرة، لكنّها تخشى كذلك فقدان الاستقرار أو المأوى أو حتى أبنائها”.
وتُؤكّد صوفيا على أن “الكثير من النساء يتردّدن في التبليغ عن العنف لأنهّن لا يخفن فقط على أنفسهن، بل على أطفالهن ومستقبلهم. فالخوف في هذا السياق مسألة مركبة؛ قد تتحمّل النساء العنف لسنوات لأنّها تخشى أن يؤدي الانفصال أو تقديم شكوى إلى حرمانها من أبنائها أو تعريضهم لضغوط نفسية واجتماعية”.
كما تطرقت إلى أن “بعض النساء يخشين ردود فعل العائلة، خصوصًا في البيئات التي مازال الطلاق فيها يُنظر إليه كوصم اجتماعي، حيث تُحمَّل النساء مسؤولية ‘جلب العار’، وهو ما يزيد من تعقيد القرار”.
وترى صوفيا أنّ “أسباب هذا الخوف متعدّدة ومتشابكة؛ فهناك بعد ثقافي واجتماعي يتمثّل في استمرار بعض الذهنيات التي تبرّر العنف أو تقلّل من شأنه باعتباره شأنًا عائليًا خاصًّا”.
وهناك أيضًا، حسب المتحدثة “نقص في الوعي بالحقوق، خاصّة في ما يتعلّق بالسكن والاستقلال الاقتصادي، فرغم أن الجزائر تعتمد في سياسات السكن مبدأ التوزيع العادل دون تمييز، إلا أن الجهل بالحقوق أو عدم ممارستها قد يضع النساء في وضع هشّ عندما يفكّرن في مغادرة علاقة عنيفة”.
“كما أنّ غياب قانون شامل وأقسام قضائية متخصّصة يجعل المسار القضائي في بعض الحالات طويلًا ومعقّدًا، وهو ما قد يُضعف ثقة النساء في فعالية العدالة. هذا إلى جانب، مسألة التكفّل خلال مسار التبليغ، والتي تمثّل نقطة ضعف أساسية. فالنساء تحتاج إلى مرافقة قانونية ونفسية واجتماعية منذ لحظة تقديم الشكوى إلى غاية صدور الحكم، كما تحتاج إلى مأوى آمن يحميها ويحمي أبناءها. دون ذلك، قد يتحوّل التبليغ نفسه إلى مخاطرة”، توضح صوفيا.
وتستحضر صوفيا حالة أثّرت فيها بشدّة، “كانت هناك امرأة ضحية عنف زوجي متكرّر، تمكّنت في لحظة شجاعة من الهروب واللجوء إلى مركز لإيواء النساء المعنّفات. لكن بعد مغادرتها المنزل، قام الزوج بأخذ الأطفال وأخرج الابنة من المدرسة، ما أدّى إلى توقّف مسارها الدراسي. خوف الأم على مستقبل ابنتها دفعها إلى مغادرة الملجأ والعودة إلى زوجها، رغم علمها بخطورته. وبعد عودتها، تعرّضت مجدّدًا إلى العنف إلى أن فقدت حياتها لاحقًا”.
ومن خلال هذه الحادثة، طرحت صوفيا مشكلة عملية تتعلّق ببعض مراكز الإيواء التي لا تستقبل الأطفال في جميع الحالات، ما يضع الأمّهات أمام خيار قاسٍ بين سلامتهن الشخصية والبقاء مع أبنائهن.
وتختم صوفيا شهادتها بالتأكيد على أنّ “التحدي ليس فقط في تجريم العنف، بل في خلق منظومة حماية متكاملة تجعل النساء تشعر أنّها لن تُترك وحدها إذا قررت كسر الصمت، عندها فقط، كما تقول، يمكن أن يتحول الخوف من عبء يقيّد النساء إلى قدرة على المواجهة”.
المغرب: الخوف الذي يرافق المدافعات عن حقوق الإنسان
بعد شهادات الناشطات من ليبيا وتونس والجزائر، يتّضح أنّ الخوف الذي تعيشه النساء في المنطقة المغاربية لا ينبع من مصدر واحد، بل من منظومات متشابكة من العنف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وفي المغرب، تضع المناضلة الحقوقية ضمن “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” والناشطة النسوية تهاني البراهمة هذه المسألة في إطار أوسع، إطارٌ يتقاطع فيه العنف ضدّ النساء مع البنى الطبقية والثقافة الذكورية وأوضاع العمل الهشّة.
وتُؤكّد تهاني أنّ “القضية الأكثر حضورًا في النقاش المتعلّق بالنساء في المغرب تبقى العنف الموجّه ضدّهن، وهو عنف مركّب ومتعدّد الأبعاد”. فهي ترى أنّ “هذا العنف لا يقتصر على المجال المنزلي، بل يمتدُّ إلى الشارع وفضاءات العمل، كما يتّخذ أشكالًا نفسية واقتصادية واجتماعية”.
وتقول: “العنف ضدّ النساء في المغرب يتجلّى في أشكال متعدّدة، من بينها العنف الطبقي، والعنف المنزلي، والعنف في الشارع، والعنف في أماكن العمل، إضافة إلى العنف النفسي”، مضيفةً أنّ هذا العنف “لا يظهر فقط في حالات معزولة، بل يتجذّر في بعض المناطق ضمن بنى اجتماعية وثقافية ما تزال تُعيد إنتاجه بشكل مستمر”.
لكنّ الخوف الذي تعيشه النساء في المغرب لا يرتبط بالعنف وحده، بل أيضًا بضعف الثقة في منظومة العدالة. فالكثير من النساء، حين يلجأن إلى القضاء، لا يجدن الحماية الكافية، بل قد يواجهن صعوبات في الوصول إلى العدالة أصلًا.
وهنا تُشير تهاني إلى أنّ “بعض القضايا المتعلّقة بالاعتداءات الخطيرة على النساء صدرت فيها أحكام مخفّفة، لا تتجاوز أحيانا بضعة أشهر أو سنة ونصف، وهو ما يعمّق شعور النساء بأنّ العدالة لا تنصفهنّ بما يكفي؛ وهذا الإحساس يزداد حدّةً في قضايا الاغتصاب، خصوصًا اغتصاب الأطفال والطفلات، حيث ترى أنّ التعاطي المجتمعي والقضائي ما يزال يُعاني من إخلالات حقيقية”.
كما أنّ ضعف المحاسبة الفعلية للمعتدين يعزّز هذا الشعور بانعدام الحماية، إذ تبقى نسب المحاسبة منخفضة مقارنة بحجم الانتهاكات. غير أنّ العنف ضدّ النساء في المغرب لا يٌمكن فصلهُ عن البعد الاقتصادي والطبقي. فالكثير من النساء يعشن أوضاعًا من الهشاشة نتيجة مواقعهنّ في سوق العمل، حيث يتركّز وجودهن في قطاعات غير مستقرّة أو منخفضة الأجور.
وأعطت تهاني مثالا يواقع العاملات المغربيات في حقول الفراولة بجنوب إسبانيا، حيث تعرّضت بعضهن لاعتداءات جنسية من طرف أرباب العمل، في سياق من الهشاشة المهنية وضعف الحماية.
كما تستحضر حادثة مأساوية وقعت في مدينة طنجة، حيث لقيت مجموعة من النساء حتفهن داخل معملٍ للنسيج بعد تسرّب المياه إليه، ولم يستطعن الخروج لأنّه كان معملا غير قانونيّ؛ “تكشف هذه الحوادث، جانبًا من العنف الطبقي داخل فضاءات العمل، حيث تعمل العديد من النساء كعاملاتٍ زراعيات أو موسميات في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية”، تقول تهاني.
وعندما يُطرح سؤال الخوف، تعتبر تهاني أنّ صورة واحدة لا تختزل هذه التجربة، لأنّ الخوف في المغرب ليس حكاية امرأة واحدة بقدر ما هو تجربة جماعية تعيشها النساء بطرق مختلفة: “عندما أُسأل عن الخوف، تحضر في ذهني النساء المغربيات عمومًا”.
ورغم هذا الواقع الصعب، تؤكّد تهاني على أنّ النساء في المغرب “أظهرن قدرًا كبيرًا من الشجاعة؛ فالنساء المغربيات، تُناضلن من أجل أسرهن ومن أجل عملهنّ ومن أجل تحسين شروط معيشتهنّ. كما أنّ حضور النساء لم يعد مقتصرًا على المجال المنزلي أو الاقتصادي، بل امتد إلى الدفاع عن الموارد الطبيعية والحقوق الجماعية، حيث تناضل بعض النساء من أجل الأرض والماء وحقوق المجتمعات المحلية”.
ويتمثل مسار التغيير حسب رؤيتها، “في تعدد أشكال النضال، النضال الجماهيري، والنقابي، والسياسي، والعمل داخل الجمعيات النسوية، إلى جانب الترافع القانوني من أجل مراجعة القوانين التي مازالت تميّز ضد النساء والطفلات”.
ومن بين القضايا التي ترى ضرورة مراجعتها “مسألة تزويج الطفلات وتشغيل القاصرات خادمات في البيوت، وهي قضايا مازالت مطروحة بقوّة في النقاش الحقوقي بالمغرب”.
ورغم أن مدونة الأسرة حققت بعض المكاسب، فإنها تعتبرها مكاسب محدودة، وتؤكد على أنّ “الحاجة ماتزال قائمة لمواصلة النضال من أجل تعزيز حقوق النساء بشكل فعلي”.
تُشير تهاني إلى نقطة مهمّة حول الاضطهاد الذي تعيشه النساء في المغرب، معتبرةً أنه “اضطهاد مركّب، يجمع بين البعد الطبقي والبعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، إضافة إلى أبعاد أخرى تتعلّق باللون والانتماء العرقي”.
“فالنساء ذوات البشرة السوداء، والمهاجرات من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، والنساء الأمازيغيات يواجهن أشكالًا إضافية من التهميش، سواء بسبب اللغة أو بسبب البعد عن مراكز القرار والخدمات. وهذا أيضا مصدر من مصادر الخوف”، تقول تهاني متأسفةً.
كما أنّ الخوف لا يتوقف عند حدود الحياة اليومية أو المهنية، بل يمتدّ أيضًا إلى النساء المناضلات؛ فهناك تخوّف دائم من المتابعات القضائية أو الاعتقال بسبب المواقف السياسية أو التدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن بين الحالات التي تشير إليها تهاني حالة زينب خروبي، وهي مناضلة في حراك “جيل زد”، أوقفت عند دخولها إلى المغرب في مطار مراكش واقتيدت إلى الفرقة الوطنية بالدار البيضاء، قبل أن تُعرض على وكيل الملك بتهمة التحريض على ارتكاب جناية عبر الإنترنت. وقد أُطلق سراحها لاحقًا، لكنّها ماتزال تتابع على خلفية هذه التهمة.
هكذا يتّسع نطاق الخوف ليشمل احتمال الاعتقال والتضييق، فضلًا عن حملات التشهير وتشويه السمعة، وهي أدوات كثيرًا ما تُستخدم ضدّ النساء المناضلات بهدف ضرب مصداقيتهنّ وردعهنّ عن الاستمرار في الفعل والنضال.
موريتانيا: إعادة التفكير في حدود المشاركة والتعبير
حين ننتقل إلى موريتانيا، يتّخذ الخوف الذي تعيشه النساء بُعدًا آخر، بعدٌ يتداخل فيهِ العنف مع بنية اجتماعية محافظة ومع منظومات ضغط عائلية وقبلية معقّدة؛ ففي بلاد شنقيط لا يظهر الخوف دائمًا في وقائع صادمة فحسب، بل يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى حدود ما يمكن للنساء قوله أو فعله في الفضاء العام.
تتناول الناشطة النسوية مكفولة إبراهيم، في شهادتها لـ”هنَّ” واقع النساء في المنطقة المغاربية عمومًا، قبل أن تتوقّف عند السياق الموريتاني تحديدًا، معتبرةً أنّ أكثر القضايا المطروحة في المنطقة المغاربية تتعلّق بالعنف ضد النساء بأشكاله المختلفة، غير أنّ هذا العنف لا يُختزل بالضرورة في جرائم القتل كما يُطرح أحيانًا في نقاشات مناطق أخرى.
وتوضّح بأنّه في موريتانيا “العنف هنا يظهر بأشكال متعدّدة، مثل العنف المعنوي والعنف الاقتصادي، وهو أمر تعيشه كثير من النساء بصمت ودون الحديث عنه”.
وتُشير إلى أنّ هذا الصمت “لا ينفصل عن تفاوت مواقف الدول والسلطات تُجاه قضايا النساء، إذ تختلف القوانين من بلد إلى آخر، كما أنّ الوعي الرسمي؛ المتمثّل في السلطة؛ بهذه القضايا مايزال محدودًا في بعض السياقات”.
وترى أنّ موريتانيا، مثل دول أخرى في المنطقة، “مازالت تعاني من نقص في التشريعات التي توفّر حماية شاملة للنساء. ورغم أنّ المجتمع الموريتاني عرف تاريخيًا حضورا لافتا للنساء وتأثيرهن في بعض المجالات، فإنّ ذلك لا يعني غياب مظاهر أخرى من الاضطهاد”.
ويرتبط جزء من التحديات، حسب قولها، بـ”التغيّرات الثقافية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، وببعضِ العادات والتفسيرات الدينية التي تُستورد أحيانًا من سياقات أخرى في العالم العربي وتؤثّر سلبًا على مكانة النساء وحقوقهن”.
وعندما تتحدّث عن الخوف بشكل مباشر، تقول إنّ “النساء في موريتانيا يخشين أساسًا الفضاء العام، وما قد يتعرضّن له فيه من عنف أو تهديد. كما أصبح الفضاء الرقمي بدوره مصدرًا جديدًا للخوف”.
وتستحضر مثالًا واضحًا على ذلك، حيث اضطرّت بعض الناشطات إلى الانسحاب من العمل العام بسبب حملات التشهير التي استهدفتهنّ عبر الإنترنت؛ وهذا النوع من العنف الرقمي، كما تُشير مكفولة، “أصبح أداة فعّالة لإسكات الأصوات النسوية، إذ يتحوّل التشهير أحيانًا إلى تهديد مباشر للحياة الشخصية والاجتماعية للنساء”.
أما عن أسباب الخوف، فترى مكفولة بأنّها متعدّدة ومترابطة، ذلك أنّ “الثقافة الاجتماعية تشكّل أحد أهم العوامل التي تُعيد إنتاج العنف، لأنّها قد تدمج بعض أشكاله داخل ما يُعتبر سلوكًا طبيعيًا أو مقبولًا اجتماعيًا”، ففي كثير من الحالات، لا يُنظر إلى الاعتداء بوصفه عنفًا صريحًا، بل يُدرج ضمن العادات أو ضمن ما يُعتبر شأنًا خاصًا داخل الأسرة أو المجتمع.
وتقول مكفولة بصراحة صادمة، “عندما أفكّر في حالات لنساء خائفات، أتذكّر نفسي، وأتذكّر أخريات خائفات بسبب التشهير.” وتروي أنّها، بدافع الخوف من التشهير وما قد يترتّب عليه من ضغوط اجتماعية وعائلية، أصبحت تتردّد في التعبير عن آرائها بشكل صريح، بل امتنعت أحيانًا عن إجراء مقابلات إعلامية.
وتضيف: “قلت في نفسي، ما الفائدة من أن أدفع الثمن الآن وأن تنتهي حياتي، وأكون عبرة لآخرياتٍ فيخاف الجميع وتتراجعنَ؟”، ولهذا السبب، صارت مكفولة أكثر حذرًا في التعبير عن مواقفها، وأحيانًا تختار صياغة آرائها بطريقة أقل صدامية حتى لا تصبح هدفًا لحملات التحريض.
هذا الخوف، بالنسبة لمكفولة، ليس شعورًا فرديًا يخصّها وحدها، بل هو “إحساس مشترك بين كثير من النساء الشابات اللواتي تراجعن عن الانخراط في العمل الحقوقي أو في الدفاع عن قضايا النساء بسبب الضغوط الاجتماعية وحملات التشهير”، وما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا في موريتانيا، كما توضّح، هو “تشابك دوائر الضغط الاجتماعي”.
“الفرد في المجتمع الموريتاني، لا ينتمي فقط إلى ذاته، بل إلى منظومة متدرّجة من الانتماءات تبدأ بالأسرة، ثم العشيرة، فالقبيلة، ثم المجتمع الأوسع. وكل دائرة من هذه الدوائر قد تتحوّل إلى مصدر ضغط إضافي على النساء اللاتي يحاولن التعبير عن رأي مخالف”، توضح مكفولة.
وهكذا، تكشف شهادة النسوية مكفولة إبراهيم عن الخوف في السياق الموريتاني الذي لا يرتبط فقط بالعنف المباشر، بل أيضًا بمنظومة اجتماعية وثقافية كاملة يُمكن أن تتحوّل إلى أداة لضبط النساء ومراقبة أصواتهن؛ وهو خوف يتسلّل إلى المجالين العام والرقمي معًا، ويجعل كثيرات يُعِدن التفكير في حدود المشاركة والتعبير.
الخوف مشترك والمقاومة ممكنة!
تظهر تجارب النساء في بلدان المغرب الكبير، ورصد الفاعلات النسويات للخوف من مواقعهنّ، بأنّ الرواية الجماعية للخوف تتقاطع فيها أشكال متعدّدة للعنفِ الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي والرقمي، وتتلاقى مع ضغوط الأسرة والمجتمع والدولة.
فمن ليبيا حيث تهدّد النزاعات المسلّحة والاعتداءات المباشرة حيوات النساء، إلى تونس، الجزائر والمغرب حيث تتشابك الهشاشة القانونية والتمييز الطبقي مع العنف المنزلي والرقمي وعنف الدولة، مرورًا بموريتانيا حيث يضغط المجتمع التقليدي والرقابة الأسرية، تكتمل صورة متكاملة للخوف، صورة سوداء ومرعبة.
وتكشف هذه الروايات بأنّ الخوف هو تجربة متجذّرة في بنية المجتمعات الذكورية والأبويّة، وتحمل في طياتها صمتًا قسريًا ومقاومة مستترة، كما تطرح تساؤلًا مركزيًا عابرًا لحدود هذه الدول الخمس؛ كيف يُمكن للنساء أن يروين قصصهنَّ ويواجهنَ هذا الخوف في ظلّ منظومة تستمر في إنتاجه وإعادة إنتاجه عبر مؤسّساتها وبنيتها الثقافية؟
وفي مواجهة هذا الخوف المتجذّر، لا تبدو النساء في بلدان المغرب الكبير مجرد ضحايا لبنى اجتماعية وسياسية تُعيد إنتاج العنف، بل فاعلات يسعين إلى كسر حلقته، ففي إجابتهنَّ عن السؤال أعلاه؛ تجمع الناشطات اللواتي تحدّثن إلى منصة “هنَّ”، على أن الطريق يمرّ عبر المقاومة اليومية، وتكثيف الترافع من أجل الحقوق، والمطالبة بتحقيق العدالة، حتى ينكسر جدران الصمت والخوف التي طالما أحاطت بتجارب النساء.



















