بين الجدران السميكة والأسوار العالية التي لا تُرى من الشارع، تقضي مئات النساء في تونس عقوبات لم تُكتب جميعها في أوراق المحاكم. نساءٌ يعشن سجنًا داخل السجن؛ بعضهن يُعاقبن مرتين، واحدة من القضاء، والثانية من المجتمع، ومن داخل المؤسسة العقابية ذاتها، وأخريات تحولت عقوبتهنَّ إلى إعدام بطيء.
الانتهاكات الصامتة
بنصف ابتسامة، ومزيج من الانكسار والتحدي، بدأت سهام حديثها عن أيامها التي قضتها في سجن النساء بمنوبة، لم تكن مجرّد تجربة حبس، بل عبور قاسٍ في منطقة رمادية من الألم والعزلة والانتهاك. تقول لمنصة “هنَّ”: “بقيت نحو 11 شهرًا في السجن.. كانت زمنًا صعبًا للغاية. خشيت أن أفقد ذاتي، فكل ما يحيط بي يسعى إلى كسري وطمس إنسانيتي”.
منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدم المرأة بوابة السجن، تبدأ سلسلة من الانتهاكات الصامتة، حيث تُجبر السجينات على خلع جميع ملابسهن أمام أعين الحارسات والسجينات الأخريات، بدعوى التفتيش الدقيق، رغم أن هذا الإجراء غير منصوص عليه رسميًا في دليل الإجراءات الداخلية للسجون، إلا أن إدارات السجن تُصرّ على تنفيذه، “الخصوصية، شيء لا وجود له”، تؤكد سهام.
داخل الزنزانات، المشهد لا يقل قسوة، غرف ضيقة تفوق طاقتها الاستيعابية، رائحة رطوبة خانقة، مراحيض داخلية مكشوفة، ونقص فادح في النظافة.
“الزنازين مكتظة، وأنتِ مجبرة على التعايش مع هذا الواقع، ومع قائمة ممنوعات تبدأ من نوع الأكل واللباس، ولا تنتهي بمكان الجلوس”، تسرد سهام لهذه المنصة.
لكن الأسوأ من كل ذلك، وفق روايتها، هو التمييز الصارخ بين السجينات، إذ تتشكل “هرمية غير رسمية” داخل كل غرفة، تسيّرها “الكبرانة” – السجينة المكلّفة من الإدارة بالإشراف على الغرفة – والتي تحدّد من يحظى بمعاملة أفضل ومن يُحرم حتى من أبسط الحقوق!
الانتحار نتيجة الوصم.. “المنبوذات” داخل الزنزانة
بصوت منخفض ونظرة شاردة، تستعيد سهام حادثة رفيقة زنزانتها التي انتحرت: “كانت متهمة في قضية أخلاقية، زنا.. ما تعرضت له من إذلال وتحقير، سواء من الحارسات أو السجينات، كان يفوق الاحتمال“.
في السجون كما خارج أسوارها القوانين العرفية لا ترحم، وفي المؤسسات السجنية كل من يُنسب لهنَّ “العار”، يُقصين، ويُحرمن من الزيارات، وتُسند إليهن مهام التنظيف، وتُتْركن دون أي دعم مادي أو معنوي من أسرهن، لتتحوّل العقوبة إلى عقوبتين.
هذا ما نوضحه لنا سهام قائلةً: “في السجن لا وجود للعدالة، بل لعقاب طبقي وأخلاقي، والنساء الفقيرات أو المتهمات في قضايا أخلاقية أو الهاربات من العنف المنزلي هن أكثر من يُعاقبن”.
نقص فادح في الاحتياجات الأساسية
تحكي سهام عن معاناة النساء مع نقص المستلزمات اليومية؛ حفاضات نسائية رديئة النوع، ممنوعات غريبة مثل “منع استخدام مجفف الشعر حتى في الشتاء، مصادرة الكتب دون مبرر، وحرمان النساء من إرسال ملابسهن لأهاليهن كما هو مسموح للرجال”.
وتضيف: “نحن نغسل ملابسنا بأنفسنا، لكنها لا تجف بسبب الرطوبة، ونُعاني التهابات وآلامًا متكررة.. أما مواد التنظيف فهي حلمٌ بعيد المنال”.
وتتابع: “في الشتاء، شعرنا يظل مبللًا لساعات، ومعه تبدأ نوبات الصداع.. أما الطعام، فهو بالكاد صالح للأكل”.
معاناة مستمرة رغم الأرقام المحدودة
تُشكّل النساء بين 4 و5 بالمائة من عدد السجناء في تونس، أي نحو 730 نزيلة، بحسب آخر إحصائيات صادرة عن وزارة العدل التونسية سنة 2024، بينهن 480 موقوفات في قضايا ذات طابع اجتماعي واقتصادي، مثل إصدار شيكات دون رصيد، و250 منهن محكومات في قضايا أخرى.
ورغم قلتهن العددية، فإن ظروف إيوائهن هشّة وفق ما تؤكده رحمة خشناوي، منسقة فريق الرصد بالسجون في ”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان“: “الوحدات المخصصة للنساء تفتقر لمرافق صحية كافية، وخدمات الصحة الإنجابية شبه منعدمة”.
أما النساء الحوامل والمرضعات فهنَّ وفق ما تؤكده خشناوي لـ“هنَّ“، ”لا يتلقين أي متابعة خاصة، ولا يُوفر الحد الأدنى من احتياجات الأطفال المصاحبين لأمهاتهم داخل السجون”.
ويُعدّ سجن منوبة الفضاء الوحيد المخصّص بالكامل لإيواء النساء، وتبلغ نسبة الاكتظاظ فيه 168 بالمائة. ورغم أن طاقته الأصلية هي 443 نزيلة، إلا أنه يُؤوي فعليًا 748 نزيلة، من بينهن 15 أم و4 حوامل و13 رضيعًا.
أما السجون الأخرى، مثل الكاف، جندوبة، سوسة، صفاقس، نابل، قفصة، وغيرها، فهي مخصّصة للرجال، ولكنها تحتوي على وحدات معزولة للنساء، تعاني بدورها من الاكتظاظ وسوء البنية التحتية.

الاكتظاظ مهدُ الأمراض
تشير تقارير منظمات المجتمع المدني، إلى أن الاكتظاظ هو “أبرز الإشكاليات التي تعاني منها السجون التونسية”، فالمساحة المخصصة لكل سجينة تتراوح بين 1.5 و2 متر مربع فقط، وهو رقم بعيد عن المعيار الدولي الذي يُحدده بـ4 أمتار مربعة.
ويؤدي الاكتظاظ إلى تفشّي الأمراض المعدية، كالجرب والسل، ويزيد من احتمالات العنف وسوء المعاملة، سواء بين السجينات أنفسهن أو بينهن وبين أعوان السجون. كما يشتكي السجناء والسجينات من ندرة مستلزمات النظافة الأساسية كالصابون وفرشاة الأسنان والشامبو.

طبقية وتمييز متعدّد الأوجه
تحذر رحمة خشناوي من أن “التمييز هو أكثر أشكال الانتهاك انتشارًا داخل السجون”، ويأخذ هذا التمييز أبعادًا مختلفة، تقسمها منسقة فريق الرصد بالسجون في ”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان“ على الشكل التالي: تمييز على أساس نوع الجريمة؛ حيث تُوصم وتُعاقب نساء متهمات في قضايا أخلاقية.
تمييز طبقي؛ فالنساء الميسورات يحظين بمعاملة مفضّلة، بينما تُترك الفقيرات لمواجهة مصيرهن. تمييز جندري؛ إذ تحظى وحدات الرجال بتجهيزات أفضل وفرص تعليم وعلاج أكثر. بالإضافة إلى تمييز عرقي؛ فالمهاجرات المنحدرات من دول إفريقيا جنوب الصحراء يشتكين من سوء المعاملة.

نقل مهين ومعاملة قاسية.. الرحلة التي تشبه العقوبة!
لا تبدأ معاناة السجينات داخل الزنازين فحسب، بل تمتدّ إلى كل تفاصيل حياتهن خلف القضبان، حتى لحظة نقلهن خارجها. ففي كل مرة يُستدعين فيها للمثول أمام المحكمة أو لزيارة طبية، “تبدأ رحلة تُشبه العقوبة بحدّ ذاتها”، كما تصفها تقارير “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”.
ويتم نقل النساء في سيارات معدنية مغلقة تُشبه الصناديق، بلا نوافذ، ولا تهوية، ولا تبريد، ولا حتى إضاءة كافية. في الصيف، تتحول إلى أفران خانقة، وفي الشتاء إلى صناديق تجمّد الأجساد. وعلى الرغم من الحالة الصحية أو خطورة التهمة، تُقيَّد أيدي السجينات بالأصفاد طيلة الرحلة، وكأن الكرامة أمر فائض عن الحاجة.
“ينادون علينا قبل الفجر، نخرج بسرعة، لا نعرف إلى أين أو متى سنعود، فقط نُكدّس داخل الشاحنة كأننا طرود”، تروي إحدى السجينات السابقات. “نبقى ساعات في الانتظار، وقوفًا أو جلوسًا على أرضية باردة أو حديدة حارقة، وقد نُعاد دون أن يُنظر في أمرنا… لا أحد يسأل إن كنا مرضى أو نتألم”، تضيف السجينة.
ولا تقتصر المعاناة على ظروف النقل فحسب، بل ترافقها نظرات الإهانة، وأوامر سريعة لا تحتمل النقاش، وعنف لفظي قد يتحول أحيانًا إلى اعتداء جسدي موثق، خصوصًا في الحالات ذات البعد السياسي أو المرتبطة بالنشاط الحقوقي.
وتؤكد الرابطة في تقاريرها أن هذا الشكل من النقل “لا يراعي أبسط مقوّمات السلامة الجسدية أو النفسية، بل يساهم في تعميق الإحساس باللاجدوى والإهانة لدى السجينات”، خاصة مع غياب مرافقة طبية أو احترام للخصوصيات النسائية أو حتى الاعتراف بحقهن في التنقل الآمن.
وهكذا تتحول كل حركة خارج الجدران إلى اختبار إضافي للصبر والتحمّل، لتتسرب العقوبة إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، وتُصبح الرحلة إلى المحكمة “مجرد مشهد آخر من مشاهد الإذلال الممنهج”، وفق وصف حقوقيين إستشارتهم منصة “هنَّ”.

السجن مساحة قهر مضاعف لذوات الإعاقة
في الزنازين التي بالكاد تستوعب أجساد السجينات، تبرز معاناة فئة هشّة تُواجه السجن بمفردها، دون أدنى اعتبار لاحتياجاتها الخاصة، إنهنّ النساء ذوات الإعاقة.
فداخل المؤسسات السجنية في تونس، لا وجود لبنية تحتية حقيقية تراعي واقع الإعاقة الجسدية أو الذهنية. الكراسي المتحركة، الأسرة الطبية، الأدوات المساعدة على التنقل، المراحيض المكيّفة مع الإعاقة، كلها غائبة أو شبه غائبة.
أما من يعانون من اضطرابات نفسية أو إعاقات ذهنية، فغالبًا ما يُتركون دون متابعة، أو يُعاملون كسائر السجناء، بما في ذلك الخضوع للعقوبات الانضباطية.
“بعض الأشخاص من ذوي الإعاقة العقلية يُحتجزون في السجون رغم وجود قرارات قضائية تقضي بإيوائهم في مؤسسات علاجية مختصة”، تؤكد حقوقية تونسية معتقلة سابقة تحفظت عن ذكر إسمها.
وتضيف: “لكن لا وجود فعلي لهذه المؤسسات، أو أنها لا تستقبلهم بسبب الاكتظاظ، فيجدون أنفسهم محشورين في بيئة غير مهيّأة، ولا تُوفّر حتى الحد الأدنى من السلامة”.
السجن، بالنسبة لهؤلاء، لا يكون فقط عقوبة، بل عزلة قاسية داخل عزلة أكبر، لا يستطيع بعضهم الوصول إلى المراحيض، أو تناول طعامهم دون مساعدة، ولا يجدون من يعينهم داخل الزنزانة، في ظل غياب أي تكليف رسمي أو إنساني بمرافقتهم.
“يتقاسمون معهم الغرفة، لكن لا أحد يعرف كيف يتعامل معهم… بعضهنّ لا ينطقن، أو لا يفهمن ما يحدث، ولا نجد من يفسر لهن حقوقهن أو وضعهن”، تقول الحقوقية لـ”هنَّ”.
وفي غياب أي برنامج تأهيلي، نفسي أو اجتماعي، يجد الأشخاص ذوو الإعاقة أنفسهم عرضة للاستغلال أو التهميش أو حتى للعنف من بقية السجناء أو الأعوان، دون حماية حقيقية. بل في بعض الحالات، يُعتبر وجودهم “مشكلة” إدارية، يُحلّ بتجاهل وجودهم أو تكديسهم في الزوايا.
وهكذا تتحوّل أيام السجن إلى اختبارات يومية للكرامة، حيث لا يكفي أن تكون مسلوب الحرية، بل أن تعيش كل لحظة وكأنك غير مرئي، غير مفهوم، أو ببساطة؛ غير محسوب.
العقوبة لا تنتهي بالخروج
ورغم أن عدد النساء في السجون التونسية لا يُقارن بعدد الرجال، فإن ظروف احتجازهن تكشف عن صورة صارخة من التمييز والتهميش، تنتهك فيها الكرامة، وتُضاعف فيها العقوبة بسبب الفقر أو الجنس أو التهمة أو العِرق. وحتى بعد خروجهنَّ من تلك الجدران الشاحبة الموحشة تظل تجربة السجن شبحًا يتبعهنَّ في الحل والترحال، وشمًا في الذاكرة أو وصمًا مجتمعيًا.
وهذا هو ما تختم به سهام شهادتها لـ”هنَّ”: “ما من أحد مرّ بالسجن دون أن يترك ذلك أثرًا دائمًا فيه. هناك حياة ما قبل السجن، وحياة بعده.. حياةٌ مختلفة، مثقلة بالخوف والوصم”.
وفي ظل هذه الصورة المؤلمة التي ترسمها شهادات النزيلات وتقارير منظمات حقوق الإنسان، يبرز السؤال الملحّ، هل حان الوقت لإعادة النظر في منظومة السجون التونسية بشكل جذري؟ النظام الحالي، الذي يغلب عليه الطابع العقابي الصارم، يتجاهل بشكل واضح الجانب الإنساني الذي يجب أن يرافق كل عقوبة سالبة للحرية.
السجون يجب أن تكون فضاءات لإعادة التأهيل، عبر احترام الكرامة الإنسانية، وحماية حقوق الإنسان الأساسية؛ حمايةً من سوء المعاملة اليومية، من نقص الخدمات الصحية، من التهميش المزدوج لذوات الإعاقة، مرورًا بالاكتظاظ الذي يهدد حياة النزيلات، وهذه كلها مؤشرات صارخة على أن النظام بحاجة إلى إصلاح عميق.















