تستقبل مدرجاتُ الملاعب التونسية أعدادا متزايدة من النساء والفتيات اللائي اخترن أن يكنّ جزءًا من أجواء التشجيع والمساندة لفرقهنَّ المفضلة. وفي متابعة لمختلف المحطات الرياضية خلال السنوات الاخيرة، وسواء تعلّق الأمر بكرة القدم أو غيرها من الرياضات الجماعية، حمل حضور التونسيات تغيرًا في المشهد المتعوّد عليه بصفة عامة في علاقهنَّ بالرياضة، حيث تجاوز ظهور النساء حدود المتابعة عبر الشاشات أو المشاركة في الأنشطة الرياضية، ليحتلّ فضاءات كانت تُعتبر لفترة طويلة حكراً على الرجال.
الانتماء الرياضي
تؤكّد العديد من المشجعات على أنّ انتماءاتهنَّ للفرق الرياضية لا تختلف عن انتماء الرجال، وأن التشجيع يمثل بالنسبة لهنَّ تعبيرا عن الذات، والشغف الرياضي والانتماء وحب النادي.
وتعتبر هناء هطاي، أن فريق النادي الإفريقي التونسي هو “كيان وانتماء، وليس مجرد حب بفريق كرة قدم” وتقول في حديثها مع هنَّ”: “غرامي بالجمعية ( النادي الإفريقي)، كان منذ سنوات الصغر، فأنا من منطقة أريانة التي اعتبر لونها أبيض وأحمر.. أنا تربيت على حب النادي الافريقي منذ كان سني 4 سنوات عندما ذهبت لأول مرة إلى ملعب كرة القدم مع إخوتي الذكور لمشاهدة “الديربي” بتاريخ 5 ماي 1985، حقق آنذاك الفريق انتصارا كبيرا، ومن ذلك انطلقتُ في مسار الغرام والعشق والتعصب للنادي”.
“كل ما يحيط بى في منزل العائلة والحي في ذلك الوقت، كان يؤدي إلى حب كبير للنادي الافريقي، ترعرت في حي يسكنه كبار لاعبي كرة القدم آنذاك؛ الإخوة حسن وحسين بعيو وحارس المرمى التونسي صادق ساسي (عتوقة )، فكيف لا أكون مهووسةً بالأحمر والأبيض؟ لقد عايشت النادي الإفريقي في فترة جميلة جدا، وعلى عكس ما نراه اليوم من تقسيم للجماهير واقتصار المباريات على حضور الجمهور لفريق فقط، وكنا لسنوات ليست بالبعيدة نذهب إلى الملاعب سويا، ومشجعي الفريقين يجالسون بعضهم على ذات المقاعد دون أي إشكاليات تطرح”، تسرد هطاي.
وفيما يخص نظرة المجتمع وحصر متابعة كرة القدم والتعصب للفريق الرياضية بالرجال، ترد هناء هطاي أنها بكل بساطة لا تعير هذه النظرة أي اهتمام، فهي امرأة تونسية وأم وتحب النادي الإفريقي، وهذا الحب هو جزء من كيانها ومن تكوينها، حتى أنها تعتبر نفسها من المحبين المتعصبين للجمعية.
وتوضح: “أنا لا أعتبر المجتمع مصدر يشرع لي ما أحب أو لا أحب، أعيش غرامي ومحبتي لفريقي الرياضي دون مراقبة، ومن يقول إن الكرة للرجال فأنا اقول لك أن ذلك غير صحيح، والأحداث الرياضية، سواء كأس العالم أو المنافسات الوطنية يتم متابعتها من قبل كل أفراد العائلة”.
وتضيف: “وربما اليوم عدد من النساء اللاتي يرتدن الملاعب أصبح أكبر حجماً، لكن أنا كنت ومنذ صغري أرتاد الملاعب وأشارك إخوتي الذكور محبتهم للنادي الإفريقي وألعب معهم كرة القدم في الحي ونتشبهُ باللاعبين المشهورين”.
ثم تكشف خصوصية أكثر وهي باسمة: “زوجي كان من محبي “الغريم” الأول لنا وهو الترجي التونسي، ولذلك كنا لا نشاهد مباريات فرقنا سويا، ولا نتقاسم محبتنا لفرقنا، رغم أنه في البداية حاول استمالتِي، وفي العموم يحاول الرجالُ أن يغيروا من انتماءات زوجاتهن وكأنهم أوصياء عليهن فيما يخص الرياضة، لكن ذلك لم ينجح معي”.
الغرام وحب “الجمعية” كما يحلو لها أن تنادي ناديها المفضل، لا يمكن أن يكون حباً مزيفاً حسب هناء، كما توضح أنه بقدر ما يكون حبك صادق كامرأة لفريقك الرياضي تكتسبين احترام الناس حتى المختلفين عنك، “والاشخاص الذين يوزعون الحب على أساس النوع الاجتماعي أرى أن لهم مشكل مع أنفسهم ونفسياتهم”، حسب تعبيرها.
من جهتها، ترى نجاة عرعاري الباحثة في علم الاجتماع، أن “تأنيث الجماهير الكروية كظاهرة، مرتبط بتطور المجتمع ونفاذ النساء للفضاء العام، وهو ما أدى إلى تغير مواصفات المجال الكروي الذي كان رجاليًّا بامتياز، فأصبحنا نتحدث عن كرة قدم نسائية وأهمية الرياضات الفردية النسائية ووضع امتيازات خاصة بالنساء للذهاب للملاعب وتشجيع الفرق الرياضية”.
وتعتبر عرعاري أن ذلك في جزء منه “يمثل منطلقاً لكسر الصور النمطية للأدوار داخل المجتمع، فعلى غرار دخول النساء للمجالِ السياسي والمجال المدني والمجال النقابي يسجل اليوم دخولهن المجال الرياضي والكروي”.
والأكيد، حسب الباحثة في علم الاجتماع هو التعليم، حيث لعب التعليم دوراً كبيراً في تغيير العقلية بالنسبة للنساء وأيضا تطوير ثقافة الجماهير الرياضية، فـ”الاختلاطُ يشجع النساء على التواجد في فضاءات كروية، ليكنّ في الصفوف الأولى للمشجعين والمنظمين”.
وتشير في نفس الإطار إلى أن “العلاقات ما بين الأصدقاء أو العائلة أو الأزواج، تشجع بدورها النساء على الولوج إلى الملاعب والتنقل ومرافقة فرقهم الرياضية من مكان إلى مكان”.
وبينت نجاة عرعاري لـ”هنَّ” ، أن عامل التكنولوجيا وعامل الصورة، مواقع التواصل الاجتماعي وعدد المتابعين والمؤثرين وزوجات اللاعبين وحبيباتهم وعائلاتهم، شجع بدوره على تحفيز تدعيم وتواجد النساء ضمن المشجعين لفرق كرة القدم وخلقت اعتياداً وعودت على وجود النساء داخل الجماهير الكروية. ونفس الأمر في ما يخص علاقة المرأة والفرد بشكل عام بالجسد، حيث أصبحت ممارسة الرياضة ثقافة مجتمعية لا تنحصر في الفعل الرياضي، وإنما “تشمل أيضاً المتابعة والمساندة، وخلق ثقافة كروية لدى النساء وتكوين جماهير نسائية للفرق الرياضية والمنتخبات الوطنية”.
خالتي بهيجة أيقونة المشجعات
بالنظر إلى التاريخ الكروي، يمكن القول أن تواجد نساء مشجعات لفرق رياضية تونسية يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، تندما اقترن ظهور النادي الرياضي البنزرتي على امتداد سنوات بمشجعته المعروفة للغاية بهيجة الصدقاوي والملقبة بـ”خالتي بهيجة”، حيث كانت حاضرة بشكل دائم في مدارج ملعب “15 أكتوبر” ترتدي اللون الأصفر والأبيض وتساند فريقها على امتداد سنوات، ولم تتركه لا خلال تنقلاته أو أزماته وهنّاته الكروية، بل حافظت على شغفها وتعصبها لفريقها طيلة أكثر من ستين عاما، حتى تحولت إلى أيقونة فريق “قرش الشمال” وجزء من ذاكرة النادي البنزرتي الجماعية.
وحسب العديد ممن جايلها كان حب الخالة بهيجة لناديها أكبر من مجرد تشجيع رياضي، حيث كرست حياتها لمتابعته وتوفيت في سن التسعين سنة، وكان النادي الرياضي البنزرتي هو عائلتها الكبرى.
وتشهد الملاعب التونسية بشكل عام وخاصة تلك المتواجدة في المدن المدن الكبرى، تواجد دوري للمشجعات حتى أن بعض المجموعات الرياضية سمحت بدخول النساء إلى صفوفها، بعد أن كان أمراً ممنوعا حسب قوانينها الداخلية، وأصبح من المألوف مشاهدة عائلات كاملة تحضر المباريات، وهو ما ساهم في كسر الصورة النمطية المرتبطة بالمدرجات باعتبارها فضاءات ذكورية صرفة.
نساء حكمات
حضور النساء في الملاعب لم يعد مجرد ظاهرة ظرفية تنحصر في التشجيع، بل أصبح يشكل أحد التركيبات الأساسية للمباريات، إذ اقتحمت النساء في تونس المستطيل الأخضر، وكانت في أكثر من مناسبة صاحبة الصافرة وحكمة للمباراة، وتعد درصاف القنواطي أبرز الحكماتِ التونسيات اللاتي خضن تجربة تحكيم مباريات كرة القدم للرجال في تونس، كما كانت لها إنجازات تاريخية غير مسبوقة على الصعيدين المحلي والقاري.
سجلت حضورها كحكمة ساحة لأول مرة في مباراة للرجال عام 2017 بين الملعب التونسي وجمعية جربة، وتم تعيينها ضمن طاقم تحكيم نهائي كأس تونس الذي جمع الاتحاد المنستيري والترجي الرياضي في سبتمبر 2020. وهكذا، أثبتت كفاءتها لتصبح حكمة دولية معتمدة لاحقا.
ويأتي دخول الحكماتِ التونسيات إلى الملاعب، في إطار سياق عام عرف خلاله العالم ظهور التحكيم النسائي؛ حيث تشهد بطولة كأس العالم 2026 مشاركة 6 حكماتٍ من النساء ضمن قائمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) المكونة من 170 حكماً.
ويتضمن هذا الحضور النسائي حكمات ساحة، ومساعدات، وحكمة لتقنية “الفار”، ويأتي هذا الاستمرار في تواجد العنصر النسائي بعد النجاح التاريخي في بطولة كأس العالم قطر 2022، والذي شهد مشاركة أول ثلاث حكماتٍ ساحة في تاريخ بطولات الرجال وهنّ الفرنسية ستيفاني فرابار، الرواندية ساليما موكاسانجا، واليابانية يوشيمي ياماشيتا.
وتجدر الإشارة إلى نه ورغم هذا التطور، ما تزال النساء، يواجهنَّ بعض الصعوبات عند حضور المباريات، من بينها محدودية المرافق المخصصة للعائلات، وضعف الخدمات داخل الملاعب، إضافة إلى بعض الممارسات والسلوكيات التي قد تجعل تجربة المتابعة أقل راحة وأمانًا.














