كانت قضايا النساء المغربيات، العاملات الموسميات في حقول الفراولة بإسبانيا، من بين أصعب ما اشتغلت عليه يومًا، نفسيًا، لقد أرهقني حتى العظم؛ ذلك التتبع شبه اليومي لواقعهنّ، واستنزفني حدّ التلف، أنهكني واستهلكني مقدار الظلم والحيف الذي تمارسه الآلة الصناعية للفلاحة الإسبانية والرأسمالية المتوحشة في دول تدّعي الديمقراطية، وهي أشبه بـ”مزرعة الحيوان”، التي أبدع فيها الكاتب جورج أورويل في الرمزية.
كنتُ في الجانب الذي اشتغلتُ عليه من التحقيق، أستشعر في كل سطر نَفَسَ امرأةٍ تعمل بصمتٍ تحت شمسٍ لا ترحم، وفي كل صورة وجعًا لا تصفه الكلمات.
الله وحده يعلم أني كتبتُ وأنا أُصارع بين المهنة والإنسان، بين ما يجب قوله وما لا يُحتمل سماعه، كنت في لحظاتٍ بعينها أريد الانسلاخ من جلد الصحفي، والخروج بجلدي العاري لأقول كل ما تحمله اللغة من عبارات الغضب.
عملي حولهنَّ لم يكن مجرد عملٍ صحفيّ، بل رحلة في قلب العراء؛ حيث تعبُر النساء إلى الضفة الأخرى بحثًا عن لقمةٍ نظيفة، فيجدن المرارة في ثوب الفراولة! فنساء الفراولة هنّ ضحايا لجريمة مكتملة الأركان، تبدأ بعقودٍ وردية في المغرب وتنتهي بواقعٍ أسود من قرن الخروب، في مزارع العبودية بإسبانيا.
نساءٌ حين تخونهنَّ صحتهنّ، وينهار الجسد، يقلب لهنّ المشغّل “ظهر المِجَنّ”، وتنكر عليهنّ حقوقهنّ بلا رحمة، في واحدة من أكثر صور العنصرية الإسبانية وضوحًا!
في لحظة الكتابة، وعندما كان يستبد بي الغضب، كنتُ أتذكر “إميل زولا” وهو يصرخ في وجه فرنسا قائلًا “أنا أتهم!”، بصوت عالٍ أبجديًا؛ دوّى في وجه دولةٍ خانت العدالة في منعطفٍ دقيق.
يومها كتب زولا ضد قضاءٍ أعمى وجيشٍ متعصّب وصحافةٍ جبانة، فاتهم الجميع لأن الصمت كان خيانة… وأنا اليوم، بعد أكثر من قرنٍ على تلك الصرخة، أجدني أكتب الصرخة نفسها، لا ضد قضية رجلٍ واحد، بل ضد نظامٍ كامل يجلد النساء باسم القانون والعمل والشراكة الاقتصادية.
فكما اتهم زولا دولةً رفعت راية الحرية ثم دهست إنسانًا بريئًا، ها أنا أتهم اليوم دولتين تتغنيانِ بحقوق الإنسان وهما تَدفنانها في حقول الفراولة، تحت قباب البلاستيك، فالمأساة لم تعد إسبانية فقط، ولا هي أوروبية؛ بل صارت كونية، بوجوهٍ مغربيةٍ وإسبانيةٍ، رسمية متشابكة؛ إنهما دولتان تتواطآنِ في صمتٍ باردٍ يشبه الجريمة حين تتزيّن بالقانون.
أنا أتهم!
أتهمُ نظامينِ يتبادلان الخبز المسموم على مائدة واحدة، ويقتسمانِ بينهما لحم النساء ودموعهنّ في مزارع الفراولة، بينما يبتسمان للكاميرات كأنهما يحتفلان بالكرامة الإنسانية، دون إحساسٍ بالذنب والمسؤولية التاريخية، بينما العاملات الموسميات بينهم كما “الأيتام على موائد اللئام”.
أتهم الحكومة الإسبانية التي تغسل وجهها بماء الديمقراطية، لكنها تُخفي في حقول هويلفا وجوهًا محترقة بالشمس، وأجسادًا منهكة لأمهاتٍ جئن بأمل صغير فعُدن منتهكاتٍ بألم كبير.
أتهمها، لأنها تعرف وترى وتُوقّع على عقود العبودية الموسمية بأختام رسمية، وهي تعلم أن تلك البيوت البلاستيكية ليست سوى قبورٍ شفافة تُدفن فيها النساء تحت عرقهن وصمتهن الإجباري.
وأتهم الدولة المغربية، التي تُصدّر بناتها كما تُصدّر بضائعها، وتُفاخر في المؤتمرات بأنها أوجدت “فرص شغل موسمية”، بينما الحقيقة أنها أبرمت صفقة إذلالٍ دولية، حتى صارت دولةً تتواطأ باسم التعاون الاقتصادي، وتغضّ الطرف عن الإهانة لأنها ترى في الجوع استثمارًا، وفي الفقر تجارة.
أتهم الصمت الرسمي، والبيروقراطيات التي تُحصي الأرقام ولا تُحصي الجراح، أتهم كل مسؤولٍ رأى الظلم ولم يرتجف ضميره، وكل منظمةٍ تقتات من المأساة وتسمّيها “تنمية”.
كما أتهم الإعلام الرسمي الذي يزيّن القبح بخطاب التقدّم، ويُغني للكرامة بنشيد وطني باهت.
أنا أتهم الجميع، النخبة والمثقفين، لأن صمتهم ليس حيادًا بل خيانة، خيانة لأنهم صمتوا فالجرح مازال بعيدًا عن شرفاتهم… أتهم نفسي أيضًا لأنني لم أفعل شيئا سوى الكتابة بعدما لمستُ الملح يطفو في دموعهنّ، وبعد أن سمعتُ في صوتهن صدى القهر الذي لا يُروى.
أيّ عالمٍ هذا الذي تُقاس فيه كرامة الإنسان بعدد السلال المملوءة بالفراولة؟ أيّ تعاونٍ هذا الذي يُسكت الضمير مقابل العملة الصعبة؟ وأيّ معنى للسيادة إن كان ثمنها نساءٌ ينمنَ في سلاسل لا مرئية، تحت علمين مختلفين لكن في ظلّ عبودية واحدة؟
من سيرى النساء وهنّ يدخلن البيوت البلاستيكية في الصباح الباكر، يلقين أقدامهن الهشة على الأرض المبللة بالمواد الكيميائية، ووجوههنّ متجهمة من التعب قبل أن يبدأن العمل، من سيربت على أكتاف بعضهنّ وهنَ يحملنَ جوع أطفالهن على ظهورٍ تقوست من فعل العوز، من سيطمئن اللواتي يضعن في جيوبهن صور أطفالهن كي يشعرن بقربهم من بعيد، بينما الشمس تحرق ظهورهن بلا رحمة، والهواء مكتوم بالرطوبة والروائح الحادة للأسمدة.
لقد حطّت طيورُ قهر الفراولة الإسبانية على أجساد نسائنا، عشعشت وفرخت في معاناتهنّ التي لا حدود لها، فصار كل نهار في الحقل كفصل رواية سوداء من الألم والخذلان!
أنا أتهم كل من لم ينتبه لتلك الأجساد وهي تهوي من التعب، كل من لم ير الأيادي المتورمة من حمل الصناديق، والعيون التي تجهش بالبكاء بصمت.. كل من لم يسمع التنهيدات الخفية، والهمسات المكتومة، وأصوات القهر التي تزفر كأنها استغاثة لا تصل إلى أحد!
أنا أتهم كل من لا يعلم أن هناك، في قلب المزارع الإسبانية، تتعلم النساء أن الكلمة قد تكون جريمة، وأن الصمت هو البقاء.
إحدى النساء، قالت لي بصوتٍ متقطع: “لا أحد يعرف ما نشعر به، حتى نحن نسينا كيف نضحك”، قالتها وهي تنهض بتثاقل جراء الألم المدبب في جسدها، الذي أثخنته الفراولة الحمراء المتوهجة.
أنا أتهم!
أتهم الجميع، لأن السكوت اليوم جريمة، والتبرير تواطؤ، والتصفيق خيانة… أتهم كل يدٍ صافحت يدًا ملوّثة بالاستغلال، وكل لسانٍ صمت حين وجب أن يتحدث، ولن يطهّر التاريخ هذه الفضيحة ببلاغاتٍ مشتركة ولا بزياراتٍ دبلوماسية؛ فالتاريخ لا ينسى، وسيسجّل، كما سجّل زولا في زمانه، أنّ هناك من باع كرامة نسائه بثمنٍ زهيد، وأن هناك من اشترى صمتهنّ بفراولةٍ مُعمدة بالدم الذي لا يصالح ولا يلين!


















