بينما تتواصل جهود إعادة الإعمار في المناطق التي دمّرها زلزال الحوز، مازالت صوات نساء كثيرات ترتفع من قلب المعاناة، وهنّ يحملن شهادات عن إقصاء غير مبرَّر من لوائح المستفيدين من دعم السكن. قصصهن ليست مجرد حكايات شخصية، بل مرآة لواقع هشّ يضع النساء، الأرامل والمطلقات والمعيلات في مواجهة مصير قاسٍ.
“طرقت كل الأبواب بلا جدوى”
خديجة، القادمة من دوار تيكيريت أيت زين بإقليم ورزازات، تحكي رحلتها الطويلة في البحث عن الإنصاف لمنصة “هنَّ”، “بيتي انهار بسبب الزلزال لكن ملفي لم يقبل، طرقت كل الأبواب دون جدوى، والآن أناشد الملك محمد السادس لإعطاء تعليماته من أجل إنصافنا”، تقول بمرارة.
ورغم قلة ذات اليد، تحملت خديجة مشاق السفر إلى الرباط لتُسمع صوتها: “منذ سنتين ونحن نبحث عن حل لمشكل السكن، انهار بيتي فوجدتني وإبني بين يدي أفراد العائلة… ضاع كل شيء ولا أحد أنصفنا”.
تتابع بنبرة تختلط فيها المرارة بالأمل: “طرقنا باب العمالة، فأخبرونا أن اللجنة قبلت الملف، لكن القيادة كان لها رأي آخر، أسماؤنا غير موجودة في لائحة المستفيدين، هكذا تم إقصائي وابني بدون أي مبرر”.
استمرار المعاناة القاسية
قصة خديجة ليست استثناء، كثير من النساء في الحوز وتارودانت وشيشاوة يتحدثن عن معاناة متشابهة؛ بيوت انهارت، ملفات عالقة وأسماء سقطت من اللوائح، بعضهن يعشن منذ شهور في خيام لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وأخريات متنقلات بين بيوت أقارب يضيق بهن المكان.
ونبهت “التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز” و”الائتلاف المدني من أجل الجبل”، من استمرار المعاناة القاسية لساكنة المناطق المتضررة من زلزال 8 شتنبر 2023، الذي مر عليه عامان، واعتبرت أن “غياب العدالة والشفافية في تدبير هذا الملف الإنساني الوطني”، حيث الوقائع الميدانية تظهر استمرار مئات الأسر في العيش داخل خيام مهترئة تفتقر لأبسط مقومات الكرامة والعيش الآدمي.
التنسيقية وخلال ندوة احتضنتها الرباط، والتي تلتها وقفة احتجاجية أمام البرلمان، أكدت على “وجود تضارب كبير في الأرقام الرسمية بشأن أعداد المستفيدين من الدعم المالي وعدد المنازل التي أعيد بناؤها، بل هناك إقصاء غير مبرر لآلاف الأسر، في ظل خروقات في عمليات الإحصاء والتوزيع، وشبهات بتورط بعض أعوان السلطة في التلاعب في عمليات الإحصاء”.
“أقاتل من أجل البقاء رغم كبر سني”
عائشة، أرملة مسنّة في السبعينيات من عمرها، من دوار أنرني بجماعة أزكور -أمزميز- بدت بوجه شاحب وهي تسرد معاناتها لمنصة “هنَّ”: “رحل زوجي منذ أزيد من ثلاثين سنة، وأبنائي هاجروا للمدينة من أجل لقمة العيش، فبقيت وحيدة أقاتل من أجل العيش”.
“بعد الزلزال انهار بيتي فوق الأرض، وجدتني في الشارع، لولا أحد أفراد أسرتي الذي آواني بشكل مؤقت”، تؤكد عائشة بحزن.
لكن هذا “المؤقت” طال كثيراً، لتجد نفسها في مواجهة واقع أكثر قسوة: “أعمل الآن في البيوت رغم كبر سني، لم أُدرج في لوائح التعويض المالي ولا في برامج السكن رغم أني طرقت كل الأبواب… تغيّر القايد مؤخراً، لكن المسؤول الجديد يكتفي بالقول إنه لا علم له بملفاتنا”، تصيف عائشة بحسرة.
وبعد لحظة صمت، ترفع عائشة صوتها بنداء مؤثر: “أناشد الملك محمد السادس لإنصافنا، لم ينفذوا تعليماته، ونحن في حاجة ماسة للسكن والدعم لكي لا نموت جوعاً”.
“ملفنا عالق بين اللجان”
زهرة، مطلقة وأم لطفلين من دوار إمين تلا بإقليم الحوز، تروي قصتها لمنصة “هنَّ” بصوت مبحوح: “بعد الزلزال انهار بيتنا الطيني، ولم يتبقَّ منه سوى الركام. منذ ذلك اليوم وأنا أتنقل بين بيت أختي وباقي أفراد أسرتي، ابني الصغير يعاني من الربو، والبرد يضاعف أزمته”.
تضيف المرأة وهي تحاول حبس دموعها: “رحلتي مع البحث عن الدعم كانت مليئة بالخيبات، قدمت كل الوثائق، قالوا إن الملف قُبل مبدئياً، لكن عند إعلان اللوائح لم أجد اسمي، وحين سألت قيل لي: ‘الملف عالق بين اللجان’، ومنذ عامين وأنا أسمع نفس الجواب”.
سنتان على الزلزال.. فشل الحكومة وعمق التهميش
فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن “فيدرالية اليسار الديمقراطي”، وفي سؤال كتابي موجه إلى رئيس الحكومة، أكدت على أن سنتين على زلزال الحوز، “كشفتا عجز وفشل الحكومة، وعمق التهميش”.
وقالت النائبة البرلمانية: “ونحن أمام مرور سنتين على الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز وخلف آلاف الضحايا وخسائر بشرية ومادية جسيمة، فيما لا تزال معاناة الساكنة مستمرة في ظل عشوائية وارتباك في معالجة الأزمة، وغياب حلول جذرية ضرورية لمعاناتهم اليومية”.
وأضافت “المئات من الأسر ما تزال تقطن في خيام مهترئة تفتقد لأبسط شروط الكرامة الإنسانية، وعدد من المؤسسات التعليمية لم يكتمل تأهيلها، إلى جانب حرمان العديد من الأسر من التعويضات الكاملة التي وعدوا بها، في خرق صريح لما ورد في وهود رسمية سابقة”.
وشددت على أن هذا الواقع، ترتب عنه تزايد الاحتقان الاجتماعي، “بعدما تحولت ملفات المتضررين إلى مجرد أرقام تستعمل في التصريحات الحكومية والإعلامية، دون أن تعكس حقيقة الوضع المأساوي الذي يعيشه المواطنون على الأرض، كما أن محاولات التهجير، وإقصاء العديد من الأسر من الدعم والتعويض، زادت من حجم المأساة، وأدت إلى تهجير بعض العائلات نحو المدن، مما ضاعف من معاناتها الاجتماعية والاقتصادية”.
وشددت المتحدثة ذاتها: “ساكنة الحوز منذ سنتين وهم في المعاناة دون آذان صاغية من حكومتكم، والمغاربة في ذكرى أزمتهم الرابعة يواجهون الأزمة مع حكومة همها الوحيد هو المصالح الخاصة على حساب مصالح المواطنين الذين تعمقت أزمتهم بسبب سياساتكم اللا اجتماعية”.
وساءلت التامني، عزيز أخنوش، رئيس الحكومة عن الإجراءات العاجلة “التي تعتزمون اتخاذها لتسوية ملفات الأسر المقصية، وتعويض جميع المتضررين بشكل عادل وشفاف، وتوفير سكن لائق للذين ما يزالون يعيشون في الخيام، وفتح تحقيق مستقل حول الخروقات التي شابت تدبير هذا الملف، ضماناً للكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية”.
“الأرقام الرسمية غير دقيقة”
وفي الوقت الذي يؤكد فيه ضحايا زلزال الحوز المنضوين في التنسيقية أن “الأرقام التي تعلن عنها الحكومة غير صحيحة، وغير دقيقة بالنظر إلى الأبحاث الميدانية التي قامت بها والتي تكشف عدم استفادة عدد من الأسر من الدعم والسكن”، تستمر الحكومة المغربية في الإعلان عن عدد من الإنجازات.
وخلال اجتماع اللجنة البين وزارية المكلفة ببرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة من زلزال الحوز، يوم الأربعاء 10 شتنبر 2025 بالرباط، قدم المدير العام لـ”وكالة تنمية الأطلس الكبير”، عرضا سجل خلاله “التقدم الملموس المسجل في تنزيل البرنامج على كافة الأصعدة، لاسيما على مستوى عملية البناء والتأهيل”، حيث تم استكمال الأشغال في 51.154 مسكنا.
فيما بلغت القيمة الإجمالية للدعم المالي المقدم للأسر المتضررة، ما مجموعه 6,9 مليار درهم، من ضمنها 4,5 مليار درهم قيمة الدعم المخصص لبناء وتأهيل المنازل، و2,4 مليار درهم قيمة المساعدات الاستعجالية المحددة في 2.500 درهم شهريا.
وخلال هذا الاجتماع، تم الوقوف على التقدم المحرز في تنزيل جل محاور البرنامج؛ ففي مجال التجهيز، تشهد أشغال تأهيل المقاطع الأربعة المتعلقة بالطريق الوطنية رقم 7، تقدما متواصلا يتراوح بين 35 و80 في المائة، بميزانية تبلغ 665 مليون درهم، فيما توجد 118 كيلومترا من الطرق في طور الإنجاز.
وعلاقة بقطاع التعليم، جرى استكمال أشغال تأهيل وإعادة بناء 306 مؤسسات تعليمية، كما تمت مواصلة أشغال تأهيل 34 مؤسسة أخرى، إضافة إلى إطلاق طلبات العروض لإعادة تأهيل 186 مؤسسة موزعة بين أقاليم الحوز وأزيلال وشيشاوة وورزازات وتارودانت.
وعلى صعيد قطاع الصحة، جرت إعادة تأهيل 103 مراكز صحية، من ضمنها 78 مركزا تم استكمال تأهيلها، مع قرب انتهاء الأشغال في 25 مركزا صحيا آخر.
وعلى مستوى قطاع الفلاحة، تم إتمام خطة العمل الأولية التي جرى من خلالها توزيع رؤوس الماشية والشعير مجانا على الفلاحين، واستصلاح البنيات التحتية الفلاحية والاقتصادية.
وفي قطاع الماء، سُجل تقدم بنسبة 52 في المائة، على صعيد مشاريع ربط الساكنة القروية في أقاليم أزيلال والحوز وشيشاوة وتارودانت، بشبكة الماء الشروب.
وارتباطا بالقطاع السياحي، تمت الإشارة إلى نجاح 199 مؤسسة للإيواء السياحي في استكمال أشغال البناء والتأهيل الخاصة بها، أي ما يعادل 86 في المائة من المؤسسات السياحية التي حصلت على الشطر الأول الخاص بالدعم.
الاجتماع تم خلاله كذلك، الاطلاع على تقدم عملية دعم ومواكبة التجار، وذلك لبناء وتأهيل نقط البيع الخاصة بهم، حيث بلغ عدد المستفيدين من هذه العملية 1.610 تجار.



















