يبعث شهر ربيع الأول في المدن العتيقة المغربية روحاً استثنائية تمتزج فيها رائحة البخور بماء الزهر. وتتسع الفضاءات الروحية في هذه الفترة لتشهد حضوراً نسائياً مكثفاً، حيث تصدح حناجر النساء بأعذب القصائد والابتهالات في طقوس “الحضرة النسائية”. يمثل هذا الفن الروحي، المتجذر في عمق التراث اللامادي المغربي، نسقاً ثقافياً متكاملاً يعكس موقع النساء كفاعلات أساسيات في تشكيل المخيال الديني والجمالي للمجتمع.
نغوص في هذا المقال داخل عوالم الحضرة النسائية، و نستنطق ذاكرة رائدات هذا الفن وباحثين وباحثات متخصصات، لنسلط الضوء على إرث عريق كسّر أسوار الفضاءات المغلقة ليعانق منصات التتويج.
ليالي السماع والمديح في المدن العتيقة
تأخذ ذكرى المولد النبوي الشريف في المغرب طابعاً احتفالياً فريداً داخل البيوت والزوايا عبر جلسات الذكر والمديح. في مدينة شفشاون، تصف الرائدة في فن الحضرة الشفشاونية، الأستاذة ارحوم البقالي، في حديثها لمنصة “هنّ”، هذه الأجواء ب”الاستثنائية”، موضحة أن ” النساء تتجمع في الزّوايا وفي البيوت تعبيراً عن التعلّق والمحبة بسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم”. يستمر هذا الاحتفال ليلة كاملة تصدح فيها النساء بالمديح والسماع والابتهالات، ليُختتم المشهد في طلوع الفجر، أو ما يُعرف بساعة “خلوق النبي”، عبر إنشاد “تباشير مولدية”، وهي إبداعات نسائية شفشاونية خالصة تزف خبر المولد النبوي الشريف، وفقا للبقالي.
أما في مدينة سلا، فتأخذ هذه الطقوس طابعاً متفرداً تروي تفاصيله الدقيقة كنزة العلوي، رئيسة جمعية النهوض بالتراث السلاوي قائلة “تبدأ نساء الحضرة الاستعداد لهذه المناسبة الروحانية قبل حلول شهر ربيع الأول، إذ كانت الحضرة السلاوية تُقام تقليدياً في الثلاثاء الأخير من شهر صفر بضريح مولاي عبد القادر الجيلالي، تليها أمسية روحية بضريح سيدي الهاشمي الطالب”.
وتضيف كنزة العلوي أن الأجواء تبلغ ذروتها ليلة المولد بضريح سيدي عبد الله بنحسون، لتمتد ليلة الحضرة من بعد صلاة العشاء إلى قبيل الفجر. وتُتوج هذه الاحتفالات بحفل “القصعة” أو “الصبوحي” في اليوم السابع من المولد على نغمات الحضرة النسائية بالزاوية نفسها، لتتواصل الأمسيات بعد ذلك في زوايا أخرى.
ولتفكيك هذا المشهد، يعود الباحثان حسن بركراك وإبراهيم الجبهالي في دراستهما “أنثروبولوجيا الحضرة النسائية بالمغرب” إلى تأصيل الظاهرة، حيث يحددان مفهومها انطلاقاً من تعريف كلمة الحضرة التي تدل لغة على “الحضور ضد الغياب”. أما في الاصطلاح الصوفي، فيُقصد بها “ذلك الاسم الذي يطلق على نوع من الذكر الجماعي تقوم به طوائف من الصوفية، حيث يجتمعون في حلقة يرددون فيها طائفة من أورادهم، وأذكارهم، وأناشيدهم”.
وفي السياق ذاته، تُطلق الباحثة ليلى بابيس في مقالها “النساء في التجربة الصوفية بالمغرب الكبير” على هذا التصوف النسوي مصطلح “الطريقة المفتوحة”، واصفة إياها بطريقة عفوية تُبنى حول أولياء محليين، وتمنح النساء مساحة لممارسة التعبد والإنشاد الديني.
انتقال المشعل الصوفي من جيل المريدات إلى الفنانات
تأسس هذا الفن عبر التاريخ على يد نساء رائدات تركن بصمة واضحة في الذاكرة الصوفية المغربية والعالمية. تستحضر لطيفة بومزوغ، رئيسة جمعية الحضارات الصويريات ومؤسسة مهرجان الحضرة بمدينة الصويرة، في تصريحها لمنصة “هنّ”، أسماء نساء طبعن تاريخ التصوف والذكر، مثل رابعة العدوية، وزهرة الكوش دفينة مدينة مراكش.
وبالعودة إلى المراجع التاريخية لمدينة شفشاون، يتبين أن أول من أدخل فن الحضرة إلى المدينة هي سيدة تُدعى لالة هيبة البقالي (توفيت 1926)، والتي حولت منزلها إلى زاوية تستقبل فيها نساء المدينة عشية كل خميس. وتؤكد الفنانة ارحوم البقالي أن الحضرة الشفشاونية انبثقت أساساً من الزاوية البقالية التي تأسست في القرن العاشر الهجري، حيث واظبت النساء على إحياء تقاليدها عبر السنوات.
بفضل هذه الروافد الصوفية والفنية، وتأثر المدينة العميق بالإرث الحضاري الأندلسي، تؤكد ارحوم البقالي على أنها لم تواجه أية صعوبات في استقطاب النساء والشابات لتعلم هذا الفن وتلقينه، إذ وجدت مجتمعاً محلياً شغوفاً ومتشبعاً بثقافة الإنشاد والموسيقى الأندلسية.
وبالانتقال إلى حاضرة سلا، يأخذنا التاريخ إلى القرن السادس عشر الميلادي، حيث أُحضرت الحضرة النسوية من مدينة سجلماسة في تافيلالت على يد المرحومة للا الهاشمية العلوي. وقد أسست هذه الأخيرة أول مجموعة نسوية بسلا رفقة الحاجة رحمة المراكشية وعملتا معاً على تلقينها لنساء المدينة، حسب ما أفادت به كنزة العلوي.
وتوضح كنزة العلوي: “أن النساء في سلا، قبل إدخال فن الحضرة، كن جزءاً حيوياً من مجالس المديح والسماع. ومع ذلك، كانت مشاركتهن تتم في إطار خاص بهن، بعيداً عن التجمعات الرجالية، حيث استخدمن أساليب وتقاليد فنية مرتبطة بالتراث الشعبي والديني”، مبرزة أن “حضور المرأة السلاوية كان ينحصر داخل البيوت والمناسبات العائلية دون الظهور في المجال العام، غير أن القيمة الفنية والروحية لهذا الموروث ساهمت في تجاوز هذه النظرة. لتصبح نساء الحضرة اليوم، كجيل من المداحات المعاصرات، سفيراتٍ لذاكرة سلا الثقافية، يحملن مسؤولية نقل هذا الفن إلى الأجيال القادمة”، تردف المتحدثة.
حول طبيعة هذا الحضور النسائي، تقدم الباحثة ليلى بابيس قراءة أنثروبولوجية في دراسة لها، إذ توضح أن الولي أو القديس الذكر يتميز غالباً بكثرة الترحال، والعمل كمبشر لتأسيس شبكات من الأتباع غالباً ما تتداخل مع السلطة. في المقابل، تتسم الوليات أو القديسات الإناث بالاستقرار والارتباط الوثيق بالأرض والأماكن المشبعة بالقداسة كالينابيع، والجبال، والصخور. وتضيف بابيس أن هؤلاء النساء يمثلن فئة “اللطيفات”، حيث يقوم العنصر الأنثوي بتلطيف العنف وتحييده، لتكون روحانيتهن بعيدة تماماً عن منطق السيطرة أو السلطة.
غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً سوسيولوجياً مهماً داخل هذا الفن، رصده الباحثان بركراك والجبهالي، وهو التحول ذاته الذي أكدته ميدانياً كل من ارحوم البقالي وكنزة العلوي في تصريحاتهما. يتجلى هذا المسار في الانتقال من جيل “المريدات” إلى جيل “الفنانات”. فبينما مارست المريدات الأوائل الحضرة في الفضاءات المغلقة كالبيوت والزوايا لإشباع رغبة العشق والتقرب إلى الله في إطار محافظ، تجاوز الجيل الجديد من الحضّارات الفنانات اليوم هذه الجدران. وعمل هذا الجيل على إخراج الحضرة إلى العلن عبر خشبات المسارح والمهرجانات.
أسرار الإيقاع والجمالية في الحضرة النسائية
يخلق الأداء النسائي في الحضرة بصمة جمالية وروحية متفردة. يصف الدكتور خالد التوزاني، الأستاذ الجامعي المتخصص في الأدب والتصوف في تصريح لـ”هنّ” هذا الصوت بإضفائه نعومة ورقة على فضاء السماع، متميزاً بالعناية بالتفاصيل، ومدّ النغمات، وتكثيف البعد الوجداني الداخلي. ويقول : “هذه الخصوصية لا تقتصر على الجانب الصوتي، بل تمتد إلى الحركة والإيقاع، على سبيل المثال في فرق مثل الحضرة الشفشاونية أو الوزانية أو السلاوية، نجد أن حضور المرأة الجسدي والروحي معاً يُحدث نوعاً من “التآلف الجماعي” المختلف، حيث تغدو الحضرة فضاءً للتوحد العاطفي والروحي بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.”
ويربط التوزاني هذا الحضور بمفهوم “الأنوثة الكونية” في التصوف، معتبراً الصوت النسائي امتداداً لقيم “الرحمة” التي تتجلى في القدرة على الاحتواء والانفتاح على الآخر. و يرى التوزاني أن السماع الروحي في الحضرة يخاطب “القلب” مباشرة، مما يجعل هذا الصوت الأنثوي مظهراً للتجلي الروحي ومَنزِلاً للحقيقة الخالصة.
وشهد هذا الفن تحولاً من الأداء العفوي والتقليدي إلى ممارسة أكثر تنظيماً تقوم على قواعد موسيقية أكاديمية. وتروي ارحوم البقالي أن هذا اللون الفني كان يُؤدّى في السابق بصورة تلقائية، من دون معرفة دقيقة بالطبوع الموسيقية. وبفضل تكوينها الأكاديمي، وحصولها على جوائز في الصولفيج والموسيقى الأندلسية، عملت على تأطيره فنياً، فلحّنت 24 قطعة وفق طبوع وأنغام متنوعة، مع الحفاظ على إيقاعه الأصيل.
ولم يقتصر هذا الاهتمام على الجانب الموسيقي، بل امتد إلى الأزياء أيضاً؛ إذ تظهر فرقتها بقطع تراثية نادرة، من بينها قفطان يعود عمره إلى نحو مئة عام، وحزام يتجاوز عمره 120 عاماً، جُمعت بعناية من صناديق الجدّات الشفشاونيات، لتكتمل بها الهوية البصرية للفرقة.
إيقاعياً، تتخذ الحضرة الشفشاونية مساراً موسيقياً متدرجاً يأخذ السامع في رحلة تصاعدية. وحسب الدراسات الأنثروبولوجية لبركراك والجبهالي، تبدأ هذه الرحلة بتمهيد صوتي هادئ لتهيئة الأجواء الروحية، لتنتقل بسلاسة نحو إيقاعات أسرع. وتبلغ هذه الحالة ذروتها في اللحظة التي تُعرف بـ “كسر الحضرة”، حيث يشتد الإيقاع وتنسجم الأصوات مع حركات صوفية مدروسة تؤديها مجموعة من النساء الواقفات، قبل أن يُختتم هذا الطقس بإنشاد خفيف يعيد للنفوس هدوءها.
وبموازاة ذلك، تحمل الحضرة السلاوية هندستها الموسيقية الخاصة كذلك. تُبين كنزة العلوي أن الأداء السلاوي يعتمد على تدرج يبدأ بالإنشاد الهادئ، لتبلغ الحضرة ذروتها في مرحلة تُعرف بـ “العمارة” أو “التهضيرة”. ويستند هذا النمط إلى مقاطع مبنية على إيقاعات ثلاثية، واستعمال آلات دقيقة الخصائص مثل كوال التثليثة، وكوال لالة منانة، وكوال الدقة الواحدة، إلى جانب الطارة، والدعدوع، والطبلة.
البعد العلاجي للحضرة
تُشكّل الحضرة ممارسة ذات أبعاد نفسية وعلاجية تتجاوز المتعة الفنية. يعتبر الأستاذ خالد التوزاني الحضرة بمثابة رياضة روحية تهدف إلى تزكية النفس وتؤسس لـ “بيداغوجيا التنفيس الجماعي”. ويرى أن الحضرة تعيد الاعتبار للجسد الأنثوي؛ ففي الوقت الذي تختزل الثقافة المعاصرة المرأة في جسد يخضع للرقابة الذكورية والتقييد والإبعاد عن المجال العام، تصبح الحضرة مساحة تستعيد فيها المرأة جسدها بوصفه وعاءً روحياً ناطقاً ينتقل من سجن الشكل إلى رحابة الجوهر. وتجد النساء في إيقاعات ونغمات الحضرة لغة للتعبير عن الآلام اليومية، ومحو أثر الانكسارات عبر تحويلها إلى طاقة خلاقة ومحررة.
وتتوافق هذه القراءة مع التحليل الأنثروبولوجي للباحثة ليلى بابيس، التي تعتبر طقوس “الجذبة” جزءاً أصيلاً من التجربة الصوفية النسائية. تصف بابيس هذه الحالة بـ “الارتقاء والصعود الروحي”، حيث تتحول الطقوس إلى ما تسميه “الجنون العذب” كطريق للشفاء الداخلي.
ومن خلال هذه اللحظات الوجدانية، تجد النساء في الحضرة متنفساً روحياً يخفّف من قسوة الواقع وضغوط الحياة، ويمنحهن مساحة للتصالح مع الذات. ويدعم الباحثان بركراك والجبهالي هذا الطرح، إذ يريان أن الموسيقى والإيقاع في طقوس الجذبة والحضرة يشكّلان منفذاً نفسياً يتيح التعبير عن المشاعر المكبوتة والتحرر مؤقتاً من الإكراهات اليومية.
تحديات تلقين الموروث والعبور نحو المنصات العالمية
غادرت الحضرة النسائية مساحاتها المغلقة في البيوت والزوايا لتعتلي المنصّات الكبرى. ويصف الأستاذ التوزاني هذا الانتقال إلى الفضاء العمومي المفتوح بأنه استعادة لمكانة المرأة كفاعلة روحية وفكرية ومنتجة للمعنى في المجتمع.
في ظل هذا التحول، أصبحت الفرق والجمعيات بمثابة مدارس لصون التراث. تعتبر ارحوم البقالي فرقتها معهداً موسيقياً متكاملاً، حيث قامت بتلقين وتكوين أزيد من 100 شابة بصفة مجانية وبطرق أكاديمية لضمان استمرارية هذا الإرث. وتشاركها كنزة العلوي هذا الهاجس التعليمي، مؤكدة أن الحفلات والمهرجانات تمثل جزءاً بسيطاً فقط من عمل جمعية النهوض بالتراث السلاوي. وتوضح أن الغاية الأولى تكمن في فتح المجال أمام الشابات للتعرف على أصول الحضرة السلاوية وتلقينهن الإيقاعات والأمداح، وهو المسار الذي تُوج بإصدار كتاب توثيقي يحمل عنوان “جوهر الحضرة السلاوية” لتوثيق الأذكار وتاريخ هذا الفن.
وتُجسّد المهرجانات الكبرى هذا العبور بجلاء، حيث تستعد لطيفة بومزوغ لإطلاق الدورة الحادية عشرة من “مهرجان الحضرة النسائية وموسيقى الحال” بالصويرة. وتوضح بومزوغ في تصريح لـ”هنّ” أن جمعيتها نجحت منذ تأسيسها في 2004 في تصدير هذا الفن عالمياً إلى السويد، وفرنسا، وسويسرا وغيرها من الدول عبر جميع القارات. وتشير كذلك إلى التأثير الروحي العميق للحضرة من خلال مركز للعلاج بالموسيقى تشرف عليه في ضواحي الصويرة؛ حيث تتوافد مجموعات أجنبية لعيش هذه التجربة الروحية، وشكلت جلسات الذكر دافعاً لبعض الزائرات لاعتناق الإسلام تأثراً بحالة الصفاء والخشوع.
غير أن بومزوغ تتحسّر على المفارقة بين الاحتفاء الأجنبي بهذا الفن وتهميشه محلياً. وتقول إن عروض الحضرة تحظى في الدول الأوروبية بتفاعل لافت وإعجاب كبير، في حين تعاني في بلدها من غياب الدعم الثقافي والمؤسساتي. وهو ما يحول دون تحقيق طموحها في توثيق هذا التراث اللامادي في كتاب، إذ تعتمد حصراً على مجهودها الشخصي وشغفها به. ورغم هذه الصعوبات، تتمسّك بحلمها في أن تعترف منظمة اليونسكو بهذا الفن بوصفه ” تراثاً ثقافياً لامادياً نسوياً” بما يضمن حمايته ونقله إلى الأجيال المقبلة.
وإلى جانب غياب الدعم، يفرض هذا الانتشار الواسع تحدياً فنياً آخرا هو خطر “الفلكلرة”. إذ يحذر الأستاذ خالد التوزاني من اختزال الحضرة في عرض فلكلوري جذاب وتسويق تجاري يفرغها من مضمونها الروحي العميق، حيث ينجذب المتلقي للشكل واللباس دون الالتفات للمعنى الروحي. ويقترح لمواجهة هذا التحدي ضرورة مصاحبة هذا الانتقال للفضاء العمومي بخطاب معرفي وروحي واضح، لضمان تلقي الجمهور للحضرة كتجربة روحانية متكاملة، وليس كاستعراض موسيقي للترفيه العابر.
في النهاية، تبرز الحضرة النسائية بوصفها لغة أصيلة وجدت فيها النساء المغربيات مساحة للبوح والتعافي وإثبات الذات. وبينما نجحت رائدات هذا الفن في نقله إلى المنصات العالمية، يظل الحفاظ عليه رهيناً بتوثيقه وتصنيفه ودعمه، حتى لا يطويه النسيان، وتواصل أصوات النساء حمله إلى الأجيال المقبلة.















