تواجه نساء التبو في ليبيا أشكالاً متعددة من التمييز المتقاطع، حيث تتداخل عوامل العرق واللغة واللون والأسماء غير العربية والنوع الاجتماعي لتشكّل تجربة إقصاء معقّدة تمسّ حياتهن في المجالين العام والخاص على حد سواء.
والتبو هم إحدى المجموعات السكانية ذات الامتداد التاريخي في جنوب ليبيا، خاصة في مناطق مثل الكفرة ومرزق، ويتميزون بلغتهم الخاصة وثقافتهم الممتدة عبر الصحراء الكبرى، بما تحمله من أنماط عيش وعلاقات اجتماعية وروابط تاريخية عابرة للحدود. ورغم كونهم جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي الليبي، فإن حضورهم ظلّ في فترات مختلفة محاطاً بإشكالات تتعلق بالاعتراف والهوية والمواطنة.
ولا يقتصر هذا التمييز على الاختلافات الثقافية أو اللغوية، بل يمتد إلى الإجراءات الإدارية الرسمية، بما في ذلك تسجيل الهوية والجنسية، والحصول على الشهادات التعليمية، والوصول إلى الخدمات العامة؛ ففي بعض الحالات، تُوظَّف هذه السمات كأداة لتعطيل الحقوق أو المساس بالمواطنة الكاملة، كما تُنسب بعض الأسر إلى دول الجوار بفعل الامتدادات الجغرافية والقبلية عبر الحدود.
في هذا التحقيق، ومن خلال شهادات نساء من التبو، نسلّط الضوء على كيفية تحوّل الخصائص الثقافية واللغوية، التي يُفترض أن تكون جزءاً من التنوع الاجتماعي، إلى أدوات للإقصاء والتهميش الإداري، وما يترتب على ذلك من انعكاسات عميقة على التعليم والهوية وفرص الحياة والتنمية الشخصية.
إقصاء قسري تحت التهديد
تجسد تجربة حواء تركي، إحدى نساء التبو، بشكل مباشر أثر هذه الإجراءات الإدارية والتمييز المتقاطع؛ بدءًا من المدرسة الابتدائية مرورًا بالثانوية والجامعة، وصولاً إلى التحديات المستمرة المتعلقة بالهوية والجنسية، مما يوضح كيف أثرت هذه الممارسات على مسار حياتها التعليمي والشخصي.
تقول حواء (39 عامًا): “أنا امرأة ولدت في الكفرة جنوب شرقي ليبيا لأسرة تعرضت لظلم شديد من النظام السابق. بدأت الحكاية في عام 1992 أو 1993، حين صدر قرار بإيقاف جميع الأوراق والسجلات التابعة لأغلب التبو، وبالذات في مدينة الكفرة. هناك، استغل بعض الأفراد سلطتهم في الإدارات وقاموا بإغلاق سجلات عائلاتنا”.
وتضيف: “كنت وقتها أدرس في المرحلة الابتدائية، ولم يمنعوني من الدراسة، لكن الظلم طال إخوتي الأصغر؛ فعندما ذهب أهلي لتسجيل أختي (التي كانت تبلغ من العمر عاماً أو عامين وقت إيقاف السجلات)، رُفض تسجيلها تماماً. وعندما وصلت لسن الدراسة، لم يسمحوا لها بدخول المدرسة لأن أوراقنا موقوفة، فبقيت محرومة من حقها التعليمي”.
“اللحظة الصعبة كانت في الصف التاسع، وقت تعبئة استمارة بيانات الشهادة الإعدادية، طلبوا مني كتابة ‘تشادية’ في خانة الجنسية، رفضت بشدة وقلت إنني ليبية، لكن مدير المدرسة قام بكتابة ‘تشادية’ بنفسه، وقال لي بوضوح: إن لم أوافق فلن أدخل الامتحانات ولن أحصل على الشهادة”، تسرد حواء في شهادتها لمنصة “هنَّ”.
وسترسل حواء: “ولأنني كنت طالبة متفوقة وأحب دراستي، خفت من ضياع مستقبلي وقبلت بالأمر الواقع دون علم أهلي. وعندما أخبرت والدي لاحقاً كان الأوان قد فات”.
“بعد التخرج، وجدت أنه في الشهادة مكتوب لي أنني ‘تشادية’، رغم أنني لا أملك أي إثبات أو أوراق تشادية، ودون أن أقدم لهم أي مستند؛ تم تصنيفي هكذا مع علمهم أنني في بداية دراستي قدمت كل الإثباتات التي تؤكد أنني مواطنة ليبية”، تقول حواء بحسرة.
الكتاب الأخضر والتمييز الممنهج
في شهادتها، تعود حواء إلى سنوات الدراسة لتكشف كيف بدأت تجربة الإقصاء مبكرًا، حين تحوّل الانتماء إلى عبء داخل الفضاء المدرسي، لا سيما في سياق سياسي وتعليمي كان يُعيد إنتاج التمييز بشكل ممنهج.
وتروي حواء أنها “في المرحلة الثانوية، قدمت نسخًا من أوراقنا (المسحوبة بشكل تعسفي) وتم قبولي دون اعتراض على كلمة ‘تشادية’ الموجودة في الشهادة الإعدادية. لكن داخل المدرسة، كانت هناك مادة ‘الوعي السياسي’ التي يُدرس فيها الفكر الجماهيري والكتاب الأخضر؛ وهناك كان يتم حرمان أي شخص جنسيته غير ليبية من بعض الحقوق. وكنت أتعرض لهذا الحرمان أنا وزميلاتي وزملائي من التبو الذين سُحبت مستنداتهم، ولصغر سننا لم نكن نفهم سبب هذا التمييز”.
ومع اقترابها من اجتياز شهادة الثانوية، تصاعدت حدة هذا التمييز، ليتحول إلى عائق مباشر أمام حقها في اجتياز الامتحانات: “وعند الوصول لشهادة الثانوية عام 2004-2005، تكرر المشهد؛ رفضوا تسجيلي كليبية رغم قبولهم لمستنداتي الليبية عند دخولي المدرسة وإعلامهم بالقصة كاملة. كتبت ‘ليبية’ بيدي، فشطبوها وكتبوا ‘تشادية’”.
عندئذ تتذكر حواء، “صدرت أوامر بمنع أي طالب ‘غير ليبي’ من دخول الامتحان النهائي. زملائي في نفس وضعي لم يُمتحنوا في الدور الأول والثاني، لكني كنت أصر وأبكي وأتعنت لأمتحن لأني كنت من الأوائل، وبالفعل دخلت الامتحان النهائي لأنهم لم ينتبهوا لي واعتقدوا أنني لست من الفئة الممنوعة”.
وتشير حواء إلى التفاوت في تطبيق القرارات بين المركز والأطراف، موضحة، “لاحقًا، سُمح للبقية بدخول الدور الثاني لأن وزارة التعليم في طرابلس كانت تعتبرهم ليبيين، أما في الكفرة فكان هناك إساءة استخدام للسلطة وتمييز واضح”.
الجامعة.. بين وسم الوافدين وضياع العمر
تواصل حواء سرد تجربتها لـ”هنَّ”، حيث لم يشكّل تفوقها الدراسي حماية من التمييز، بل اصطدم مرة أخرى بعقبات إدارية حرمتها من حقها في متابعة التعليم العالي، في سياق يكشف عن تفاوت واضح في التعامل مع الحالات المشابهة بين المدن.
وتقول: “نجحت بتقدير ممتاز بنسبة 86 بالمئة، وعند استلام الشهادة وجدت الجنسية ‘تشادية’ مرة أخرى. ذهبت إلى مدينة أخرى للتقديم في الجامعة، فصدموني بقولهم: ‘يجب أن تسجلي في قسم الوافدين’. قلت لهم: أنا ليبية وهذا خطأ، فطلبوا مستنداً يثبت ذلك، وبما أن والدي لم يكن في ليبيا وقتها، لم أستطع فعل شيء”.
وهكذا بسبب هذا الإقصاء الممنهج بقت حواء سنتين في المنزل عاجزة عن الدراسة، “بينما رأيتُ آخرين تعرضوا لمشكلتي نفسها في الكفرة، انتقلوا لمدن كبرى وتم التعامل معهم كليبيين ولم يُسجلوا كتشاديين كما فعلوا معي في الكفرة”.
ولم تتوقف العراقيل عند حدود الولوج إلى الجامعة، بل امتدت لتحدد مسار حواء الدراسي بشكل قسري، وتلاحقها حتى بعد التخرج، في صورة خلل إداري تحوّل إلى عائق مزمن يحرمها من فرص العمل والتكوين.
“لاحقاً، وبالصدفة وعن طريق ‘واسطة’ من معارف أصدقاء والدي، أحضروا لي ورقة تفيد بأن ما حدث ‘خطأ إداري’. لكن عند التسجيل في كلية الطب البشري، رُفضت بسبب ‘اللخبطة’ في الاستمارة، ووجهوني للطب البيطري”، تسرد حواء.
وتضيف “قبلت مرغمة لأن تصحيح الخطأ كان سيستغرق وقتاً طويلاً. تخرجت في شهر 7 عام 2012، وحتى اليوم لا أستطيع التقديم على أي جهة أو منحة أو فرصة بسبب عرقلة الخطأ في شهادة الثانوية”.
وتتذكر بمرارة تعكس حجم المفارقة: “في آخر مرة طلبوا مني ‘استخراج الجنسية الليبية’، والجنسية تُمنح للأجانب وأنا ليبية! أنا فقط تعرضت لعملية إدارية كيدية انتقامية من أفراد أساءوا استخدام السلطة، رغم أني أحمل كتيبًا ورقمًا وطنيًا”.
ظلم موزع داخل بيت واحد
لا تتوقف معاناة حواء عند تجربتها الشخصية، بل تمتد لتشمل شقيقاتها، في صورة تكشف كيف يمكن لخلل إداري وتمييز ممنهج أن يعيد تشكيل مصائر عائلة كاملة. تؤكد أن الظلم طال أسرتها بأكملها.
وتروي حواء أن “الشقيقة الأولى، كتبت في استمارتها “ليبية” ولم ينتبه الموظفون، فمرت أمورها بسلام، بينما حرمت الشقيقة الصغرى، من التعليم تماماً ولم تدخل المدرسة بسبب إيقاف الأوراق. أما الشقيقة الثالثة، فقد وصلت للإعدادي بسلام، لكن في الثانوي كانت الإدارة تسجل أي طالب تباوي قادم من خارج الكفرة (مثل مرزق أو القطرون) كتشادي، وهو ما لم يحدث في مدن أخرى. طلبوا منها كتابة ‘تشادية’ فرفضت وهددت بالشكوى، فكان الرد طردها من المدرسة عام 2009، ولم تكمل تعليمها إلا بعد الثورة بعد ضياع سنوات من عمرها”.
وبعد سنوات من التعثر، ترى حواء أن المسار القانوني بات خيارها الوحيد لاستعادة حقها، في ظل ما تصفه باستمرار التعقيدات الإدارية، “أنا اليوم مازلت أحمل ‘الجنسية التشادية’ في استمارة الثانوية وذلك يؤثر على حياتي. ولكن تصحيحها في هذا النظام يحتاج لواسطة أو رشوة، لكني سألجأ للقانون وأطلب حقي كمواطنة ليبية تعرضت لإجراء إداري تمييزي”.
التمييز من المدرسة إلى الشارع
بينما تكشف تجربة حواء عن ملامح التمييز داخل المؤسسات التعليمية والإدارية، تقدم شهادة صباح توري لمنصة “هنَّ”؛ امتدادًا آخر لهذه الصورة، حيث يبدأ الأثر في وقت مبكر داخل المدرسة ثم يتسع تدريجيًا ليشمل الفضاء العام والحقوق الفردية، في سياق يعكس تداخل أشكال متعددة من التهميش.
تقول صباح توري (34 عاماً) إن “أول احتكاك لها مع التمييز لم يكن في الشارع أو في العمل، بل داخل الفصل الدراسي، حيث كان التحدث بلغتها الأم يُقابل بالعقاب، في بيئة كانت تفرض بشكل غير مباشر التخلي عن الهوية الثقافية مقابل القبول”.
وتضيف أن هذا النمط لم يكن معزولًا، بل امتد إلى ممارسات يومية داخل المدرسة، حيث تتذكر موقفاً طُلب منها فيه أن تحل بدلاً عن طالبة أخرى لأنها متفوقة، دون اعتبار لحقها أو موافقتها: “في تلك اللحظة أدركت أن جهدي يمكن أن يُستغل، لكن الاعتراف به ليس مضموناً لي”.
وتشير إلى أن “التهميش لم يكن دائماً مباشرًا”، بل كان يظهر في تفاصيل الحياة المدرسية، مثل إقصائها من مواقع متقدمة في الأنشطة رغم استحقاقها، وهو ما رسّخ لديها شعورًا مبكرًا بعدم تكافؤ الفرص.
ومع مرور السنوات، تغيّرت أشكال التمييز لكنها لم تختفِ، وتروي صباح في شهادتها لـ”هنَّ” حادثة خلال تنقلها، حين أُوقفت الحافلة التي كانت تستقلها، وتم استجواب امرأة تباوية مسنة بسبب طريقة نطقها لبعض الكلمات، حيث “لم يُنظر إلى ضعف لغتها العربية كاختلاف طبيعي، بل كسبب للشك. تم تفتيشها وعزلها عن مرافقيها قبل أن يُسمح لها بالمغادرة”.
وتضيف أن واقعة مشابهة تكررت عام 2022، حين “تم إيقاف حافلة أخرى، وتعرضت إحدى النساء للتشكيك بسبب لهجتها، وعندما حاولت الاعتراض وشرح أن الاختلاف اللغوي جزء من التنوع، تمت مصادرة وثيقتها الشخصية”.
وتشير إلى أن هذه التجارب لم تعد معزولة، “بل باتت أكثر علنية في السنوات الأخيرة”، مستحضرة حادثة واجهتها فيها إحدى النساء حيث قامت بتشكيك مباشر في انتمائها الوطني بناءً على لون بشرتها، مع تكرار روايات “تصف التبو بأنهم غرباء”.
وترى صباح أن “هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، ساهم في تشكيله خطاب متكرر في بعض المنصات الإعلامية، أدى إلى ترسيخ صور نمطية سلبية”.
وتخلص إلى أن “ما تواجهه النساء التباويات يعكس تداخلاً بين أشكال متعددة من التمييز، حيث يتقاطع البعد العرقي مع البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، ما يجعل أثره أكثر تعقيدًا ويضاعف من صعوبة الاندماج المتكافئ في المجتمع”.
مبروكة توغي.. الوزيرة التي شُكِّكَ في هويتها
في سياق يمتد فيه الجدل حول الهوية من الفضاء الاجتماعي إلى مواقع المسؤولية، تبرز تجربة وزيرة الثقافة السابقة في حكومة الوحدة الوطنية مبروكة توغي، التي واجهت منذ طرح اسمها لتولي المنصب موجة من التشكيك، حيث لم يتم التركيز على خلفيتها العلمية أو أدائها بقدر ما استهدفت هويتها الشخصية.
تقول توغي في شهادتها لمنصة “هنَّ”: “إن حملات التشكيك في هويتي لم تبدأ بعد تولي مهامي رسمياً، بل سبقت ذلك منذ اللحظة الأولى لتداول اسمي كمرشحة للمنصب. هذا التوقيت المبكر يعكس أن جزءاً من الخطاب لم يكن موجهاً لتقييم أدائي، بل اتجه مباشرة نحو هويتي الشخصية”.
ورغم ذلك، تشير إلى أنها اختارت التركيز على عملها، من خلال القيام بزيارات ميدانية لعدد من المراكز والمكاتب الثقافية في مختلف المناطق، بهدف الوقوف على احتياجاتها ونقلها إلى الجهات المعنية.
وفيما يتعلق بالتشكيك في وطنيتها، تؤكد أن “الانتماء لا يُقاس بالاسم أو اللغة أو لون البشرة، بل بما يقدمه الفرد من عمل وعطاء”. وتقر بأنها واجهت حملات تضمنت تشكيكاً في هويتها، إلا أنها تعاملت معها بهدوء، معتبرة أن “الرد يكون من خلال الأداء وتفعيل الأنشطة الثقافية محليًا ودوليًا”.
وتضيف أن لغتها الأم هي التباوية، بينما تعلمت العربية في المدرسة، وتراها لغة أساسية ومهمة، مؤكدة أن “هذا التنوع اللغوي والثقافي لا يتعارض مع الانتماء الوطني، بل يعززه”.
وترى توغي أن “ربط الانتماء الوطني بعوامل مثل اللغة أو الاسم أو لون البشرة يعود إلى تراكمات ثقافية واجتماعية، إلى جانب ضعف الوعي بالتنوع الذي تتميز به ليبيا”.
وتؤكد على أن “هذا التنوع يجب أن يُنظر إليه كمصدر قوة، لا كسبب للإقصاء”، مشددة على أهمية “ترسيخ مفهوم المواطنة القائم على الحقوق والواجبات بعيداً عن التصنيفات الضيقة”.
وحول تجربتها كامرأة من مكون التبو، توضح أن “ما تعرضتُ له يتقاطع مع تجارب نساء أخريات، فالتحديات لم تكن فردية، بل تعكس واقعاً أوسع من التمييز”.
وتذكر بأنها واجهت أشكالاً من التمييز في مراحل مختلفة من حياتها، سواء في التعليم أو العمل، مؤكدة أن “هذه التحديات تكون أحيانًا مضاعفة بالنسبة للمرأة التباوية”.
وتشدد على أن “مواجهة هذا الواقع تتطلب تدخلاً جادًا يبدأ من المنظومة التعليمية ويمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة، لضمان معالجة مظاهر التمييز وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص”.
كما تؤكد على أن “التغيير يجب أن يشمل الإعلام والمؤسسات، من خلال الابتعاد عن خطاب الإقصاء، وتكريس العدالة بشكل عملي، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بأهمية التنوع”، مشددة على ن “تمكين المرأة، خاصة من المكونات الثقافية المختلفة، يمثل ضرورة لبناء دولة متوازنة”.
تتذكر في شهادتها، أنها تعرضت لتنمر واضح ركّز على اسمها ولونها بدلاً من أدائها، معتبرة أن ذلك “يعكس خللًا في فهم المواطنة”، لكنها تؤكد أنها واجهت ذلك بالتمسك بالعمل والمسؤولية.
وفي رؤيتها للهوية الليبية، تؤكد توغي على أن “الهوية لا يمكن اختزالها في قالب واحد، بل تقوم على التعدد الثقافي، حيث تمثل اللغة العربية عنصراً جامعًا دون أن تلغي بقية المكونات… والوطنية تُقاس بالانتماء والعمل، لا بالمظهر أو اللغة”.
وتختتم برسالة تؤكد فيها أن “ليبيا تتسع للجميع، والتنوع الذي يميزها يمكن أن يكون مصدر قوة حقيقي، إذا ما تم تبني خطاب وطني جامع يقوم على العدالة ويمنح الفرص لجميع المواطنين دون استثناء”.
وتجدر الإشارة إلى ن التصريحات التي طالت مبروكة توغي؛ أثارت جدلًا واسعًا، بعدما تضمنت تشكيكاً في أهليتها للمنصب، مع التركيز على اسمها وانتمائها، وطرح تساؤلات حول إجادتها للغة العربية من قبل شخصيات معروفة في الوسط الإعلامي والثقافي.
إقصاء ممنهج وغياب عن المشهد
ترى ناشطات استشارتهنّ هذه المنصة، أن هذا النوع من الطرح لا يقتصر على تقييم الأداء، بل يرتبط بأنماط أوسع من الخطاب الذي يربط الانتماء الوطني بعوامل مثل اللغة أو الخلفية العرقية.
ويضع هذا الجدل حالة الوزيرة ضمن سياق أوسع من التجارب التي ترويها نساء من التبو، حيث يتكرر التشكيك في الهوية استناداً إلى السمات نفسها، سواء في المؤسسات التعليمية أو في الفضاء العام.
في هذا السياق، لا تبدو هذه الحالات منفصلة، بل تعكس نمطاً متكرراً من الإقصاء، وهو ما تؤكده الناشطة المدنية جميلة أبوعلي، رئيسة جمعية “حكمة نساء للمرأة والطفل”.
وترى أبوعلي أن “التشكيك في انتماء النساء التباويات لم يعد سلوكاً هامشياً، بل أصبح ممارسة ممنهجة تعيد إنتاج الإقصاء عبر نزع صفة المواطنة، ليس فقط على المستوى القانوني، بل أيضاً على المستوى الاجتماعي والرمزي، بما يؤثر بشكل مباشر في حضورهن داخل الفضاء العام ومواقع القرار”.
وتوضح أبوعلي أن “هذا النمط من الخطاب يعيد رسم حدود الانتماء داخل المجتمع، من خلال تقويض شرعية وجود فئات بعينها، وتحويل الاختلاف الثقافي واللغوي إلى أساس للتشكيك بدلاً من أن يكون جزءاً من التنوع المجتمعي”.
“عندما ننظر إلى طبيعة الخطاب الموجه ضد النساء التباويات، نجد أنه يتجاوز النقد الموضوعي إلى استهداف الهوية نفسها. ما حدث مع وزيرة الثقافة السابقة مبروكة توغي مثال واضح؛ حيث لم يكن الجدل حول أدائها أو سياساتها، بل تم التركيز على اسمها وملامحها وانتمائها، ووصل الأمر إلى وصفها بأنها ‘تشادية’ من قبل شخصيات مسؤولة، في محاولة صريحة لنزع صفتها الوطنية”، توضح أبوعلي لـ”هنَّ”.
وتضيف أن هذا النمط من الاستهداف لا ينفصل عن واقع أوسع تعيشه النساء التباويات، يتمثل في ضعف حضورهن داخل الفضاءين الإعلامي والسياسي؛ فـ”المرأة التباوية تكاد تكون غائبة عن التمثيل الإعلامي والسياسي، وهذا الغياب لا يحدث بمعزل عن السياق، بل هو نتيجة تراكم عوامل الإقصاء والتمييز. عندما لا تُرى هذه الفئة في الإعلام، ولا تُمنح مساحة في مواقع القرار، تتشكل صورة ذهنية نمطية عنها، غالباً ما تكون مشوهة أو ناقصة، وهو ما يعيد إنتاج نفس دائرة التهميش”.
وتشدد أبوعلي على أن “هذا الغياب لا يعني عدم وجود كفاءات، بل يعكس بيئة غير متكافئة تُقصي النساء التباويات بشكل مباشر وغير مباشر، سواء من خلال الخطاب العام أو عبر العوائق المؤسسية والاجتماعية”.
وترى أن “استمرار هذا الواقع يعمق الفجوة بين الواقع والتمثيل، ويجعل حضور المرأة التباوية في الوعي العام محدوداً ومشروطاً بصور نمطية جاهزة”.
وتلفت إلى أن “نزع المواطنة لا يقتصر على الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل يتجذر أيضاً في اللغة اليومية، من خلال عبارات تتكرر بشكل اعتيادي مثل ‘تشادية’ أو ‘اسمها ليس ليبي’ أو ‘لهجتها ليست ليبية’، والتي تُستخدم لإعادة إنتاج الإقصاء والتشكيك في الانتماء”.
وبحسب أبوعلي، فإن “الأثر التراكمي لهذه العوامل لا يؤدي فقط إلى تراجع المشاركة، بل يخلق حالة من الغياب شبه التام للنساء التباويات عن المشهد العام، حيث يتداخل الإقصاء المؤسسي مع الضغط الاجتماعي، ما يدفع كثيرات إلى الانسحاب أو تقليص حضوره، في ظل بيئة لا توفر لهن الاعتراف أو الحماية الكافية”.
وفي مقابل ذلك، تسلط أبوعلي الضوء على دور جمعية “حكمة نساء” في التعامل مع أحد أكثر أوجه هذا الإقصاء وضوحاً، وهو الحرمان من التعليم بسبب إيقاف الأوراق الثبوتية بطريقة غير قانونية في فترة نظام القذافي في عدد من المدن.
وتوضح أن “الجمعية أطلقت مبادرة تعليمية استهدفت أطفالاً ومراهقين تتراوح أعمارهم بين 10 و16 عامًا، ممن أُقصوا من المدارس النظامية، حيث خضعوا لبرنامج تعليمي استمر لعدة سنوات، قبل أن يتم إدماجهم لاحقاً في المدارس الحكومية”.
وتشير إلى أن “هذا التدخل لم يكن تعليميًا فقط، بل تضمن أيضًا مرافقة اجتماعية، ومحاولات لتجاوز العوائق الإدارية واللغوية التي حالت دون التحاقهم بالتعليم”.
وتلفت إلى أن “هذه التجربة كشفت بوضوح أن الإقصاء لم يكن مرتبطًا بضعف القدرات، بل ببنية إدارية واجتماعية معقدة تُنتج الحرمان بشكل تراكمي، خاصة لدى النساء والأطفال”.
وتخلص أبوعلي إلى أن “النساء التباويات يواجهن منظومة إقصاء مركبة، تتداخل فيها الأبعاد العرقية والاجتماعية والمؤسسية، ما يجعل مسارهن نحو الحقوق والتمثيل معركة مزدوجة، تتطلب معالجة شاملة تضمن الحضور الفعلي، لا الرمزي، داخل مؤسسات الدولة وفضاءاتها العامة”.
التمييز متغلغل في التعليم والإعلام والخدمات
بعد أن سلطت جميلة أبوعلي الضوء على استهداف الهوية الرمزية للنساء التباويات والإقصاء الذي يطال حضورهنّ العام، تكمل جميلة بلال، رئيسة اتحاد نساء التبو، الصورة من زاوية المؤسسات والممارسات اليومية.
وتؤكد بلال على أن “التمييز ضد النساء التباويات ليس مجرد خطاب أو وصمة، بل يتغلغل داخل التعليم والإعلام والخدمات الرسمية، حيث تتحول خصائصهن الثقافية مثل اللغة والتسمية إلى عوائق فعلية تحد من فرصهنّ في المشاركة الاقتصادية والسياسية، وتضاعف التحديات التي تواجهها هذه الفئة في التأثير والمساهمة في المجتمع الليبي”.
وتقول بلال: “التمييز موجود، سواء بسبب اللغة التباوية أو لون البشرة، وهو ما يجعل تجربة المرأة التباوية أكثر تعقيداً مقارنة بغيرها”.
وتشير إلى أن “هذه التحديات لا تقتصر على التفاعل الاجتماعي اليومي، بل تمتد إلى تشكيل صورة ذهنية نمطية عن النساء التباويات، تُسهم في تهميشهن وإضعاف فرص مشاركتهن”.
وترى أن “تجاوز هذا الواقع يبدأ من تعزيز الوعي المجتمعي بالتنوع الثقافي، مؤكدة أن الاختلاف لا يمثل تهديداً، بل يشكل عنصر قوة داخل المجتمع الليبي. وهذا التنوع هو فسيفساء غنية يجب أن نفخر بها، لا أن نستخدمها كأداة للإقصاء”.
وفي هذا السياق، توضح بلال أن “اتحاد نساء التبو”؛ “يعمل كمنصة جامعة للنساء التباويات، وليس ككيان جهوي أو قبلي، حيث يهدف إلى إبراز الثقافة التباوية وتعريف المجتمع الليبي بجوانب ظلت غير مرئية، خاصة ما يتعلق بدور المرأة التباوية”.
كما يسعى الاتحاد، بحسب بلال، إلى أن يكون حلقة وصل بين النساء التباويات وبقية الحركات النسوية في ليبيا، لنقل أصواتهن وتجاربهن، وتعزيز حضورهن في النقاشات العامة المتعلقة بالحقوق والمشاركة.
وتشير إلى أن “التمييز قد يطال نساء من مكونات أخرى أيضاً، لكن حدته تختلف، خاصة في ظل عوامل مثل لون البشرة، حيث تواجه بعض الفئات ضغوطاً إضافية لا تتعرض لها فئات أخرى بنفس الدرجة”.
وتختتم بالتأكيد على أن “تمكين المرأة التباوية وتعزيز حضورها، يتطلبان الاعتراف بالتنوع وضمان تمثيل عادل داخل المجتمع ومؤسساته”.
التمييز المزدوج بين النوع الاجتماعي والعرق
في ظل تراكم أشكال التمييز ضد النساء التباويات في ليبيا، والتي تمتد من المجتمع إلى المؤسسات الرسمية، تتكشف أبعاد المعاناة التي تواجههن، تقدم لمنصة “هنَّ” منسقة شؤون المرأة في التجمع الوطني التباوي ورئيسة مؤسسة “نساء التغيير”، عائشة الكوني، قراءة لهذه التحديات، مسلطة الضوء على التمييز المزدوج بين النوع الاجتماعي والانتماء العرقي، ومقترحة سبل تمكين المرأة التباوية لتعزيز حضورها في المجتمع والدولة.
وتؤكد الكوني على أن “معاناة المرأة التباوية في ليبيا تتجاوز الأنماط التقليدية للتمييز، لتصل إلى شكل مضاعف وقاسٍ يدمج بين تهميش النوع الاجتماعي والإقصاء العرقي”.
وفي تحليلها لخصوصية هذا الواقع، أوضحت الكوني أن التمييز الذي تتعرض له النساء في هذا المكون يتسم بتركيبة معقدة، قائلة: “يجتمع في المرأة التباوية تمييز الجنس مع تمييز العرق، مما يجعل شكل التمييز أكثر قسوة وشمولاً. هي لا تُحرم من حقوقها فقط لكونها امرأة، بل لأن هويتها العرقية تُستخدم كأداة إضافية للإقصاء، مما يضاعف وطأة المعاناة في تفاصيل حياتها اليومية”.
وتعرج الكوني على إشكالية الرفض المجتمعي للتعددية في ليبيا، مشيرة إلى صراع مستمر بين عقلية إقصائية تحاول فرض “هوية واحدة” قسرية، وبين مكونات تسعى لإثبات وجودها.
وتؤكد على أن هناك “رفض تام للاعتراف بالتنوع في الجوانب الحقوقية. والواقع أن هذا التعدد يجب أن يُنظر إليه كمكوّن أساسي وقوة للدولة الليبية، له الحق الكامل في المشاركة في عملية البناء بشكل متوازن، بدلاً من محاولات طمسه لصالح هوية موحدة لا تمثل الجميع”.
وترصد الكوني، في تصريحها لمنصة “هنَّ”، تحولاً إيجابياً في الوعي النسوي داخل مجتمع التبو خلال السنوات الأخيرة، مؤكدة أن النساء التباويات انتقلن من مربع “التهميش” إلى مربع “الفاعلية”.
وتابعت: “أدركت النساء التباويات أن أدوارهن في المجتمع هي حق أصيل وليست منحة. ونحن نرى اليوم حضوراً متزايداً لهن في مختلف المجالات، حيث أصبحن جزءاً فاعلاً في الحياة العامة وعنصراً مؤثراً في الحراك الاجتماعي والاقتصادي”.
وعن خارطة الطريق التي تقودها المؤسسات الداعمة للمكون، شددت الكوني على أن العمل يتركز حالياً على “التمكين النوعي”. وأوضحت أنهنّ من خلال مؤسسة ‘نساء التغيير’، يسعون إلى “رفع كفاءة المرأة التباوية عبر برامج تدريبية وتوعوية مكثفة. هدفنا ليس مجرد المشاركة، بل ضمان قدرتها على تمثيل نفسها ومجتمعها بكفاءة عالية في دوائر صنع القرار السياسي والاقتصادي، بما يضمن دورها كعنصر سيادي في عملية التنمية الشاملة”.
وفي ختام تصريحها، شددت الكوني على أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة لاتخاذ إجراءات تشريعية حاسمة، حيث “لا يمكن إنهاء هذه الممارسات التمييزية إلا بضمان حقوق متساوية لجميع المواطنين، وتعزيز القوانين التي تحمي التنوع الثقافي والعرقي، لضمان أن يصبح هذا التنوع جسراً للتواصل لا سبباً للإقصاء”.
نواقص مسودة الدستور
انتقال التمييز من ممارسات فردية أو إدارية إلى خطاب عام يستهدف الهوية، يضع المنظومة التشريعية في ليبيا أمام اختبار حقيقي حول قدرتها على حماية المكونات الثقافية.
ومن داخل كواليس العملية الدستورية، يؤكد عضو هيئة صياغة الدستور خالد وهلي أن “مسودة الدستور الحالية مازالت تعاني من قصور في التعامل مع حقوق المكوّن التباوي، سواء على مستوى الاعتراف أو التمثيل”.
ويشير إلى أن ما ورد في المسودة يُعد، في جانب منه، “تمثيلًا شكليًا، لا يعكس بصورة واضحة وصريحة ضمانات الحقوق، كما أن بعض الصياغات تظل قابلة للتأويل بما قد يفتح المجال لتقييد هذه الحقوق مستقبلًا”.
وفيما يتعلق بالتعدد اللغوي والثقافي، يوضح وهلي أن “المسودة تتضمن اعترافًا بوجود التبو ضمن النسيج السياسي والثقافي للدولة، إلا أن الإشكال، بحسب تعبيره، يكمن في غياب آليات واضحة تضمن مشاركة عادلة”.
ويضيف أن النصوص في هذا الجانب “غير مقننة بشكل كافٍ، ما يجعلها عرضة لتفسيرات قد تُفرغها من مضمونها”.
وعن قضايا التمييز وخطاب الكراهية، يشير وهلي إلى أن “المسودة تتضمن نصوصًا تمنع التمييز والتحريض، لكنها في المقابل لا تخلو من تناقضات، لافتاً إلى وجود أحكام تميّز بين الرجل والمرأة في بعض المسائل، من بينها ما يتعلق بأبناء المرأة الليبية مقارنة بأبناء الرجل الليبي”.
ويرى أن “هذه الضمانات لا ترقى إلى مستوى الالتزامات الدولية التي صادقت عليها ليبيا، خاصة الاتفاقيات المتعلقة بمكافحة التمييز العنصري، والتي تدعو إلى إنشاء هيئات وطنية متخصصة لمناهضة التمييز، وهو ما لم يُفعّل حتى الآن”.
وفي سياق الحديث عن الخطاب الذي يستهدف الهوية، كما في حالات الجدل التي طالت شخصيات عامة، يؤكد وهلي على “ضرورة تفعيل دور المؤسسات التنفيذية، خاصة في وزارتي العدل والداخلية، من خلال إنشاء لجان مستقلة لمتابعة جرائم التمييز والعنصرية، إلى جانب تفعيل القوانين ذات الصلة، مثل قوانين الجرائم الإلكترونية، وإدماج مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج التعليمية”.
أما فيما يتعلق بالفجوة بين النصوص والتطبيق، فيرى وهلي أن “معالجة هذه الإشكالية تتطلب إنشاء آليات تنفيذية فعالة، تتيح تقديم الشكاوى والتظلمات، وتضمن محاسبة من يمارسون التمييز، بما يكفل تمكين المواطنين من الوصول إلى حقوقهم بشكل فعلي وليس نظريًا”.
وعن مستقبل مشاركة النساء التباويات، يشدد على “ضرورة إدخال تعديلات دستورية تضمن تمثيلًا أوسع للنساء، بما في ذلك تخصيص مقاعد في المؤسسات التشريعية والتنفيذية وفق معايير عادلة”.
ويحذر من أن “غياب هذه الضمانات سيؤدي إلى استمرار ضعف حضور المرأة، خاصة المرأة التباوية، التي تواجه تمييزاً مركباً نتيجة تقاطع عوامل النوع الاجتماعي والانتماء العرقي”.
وفي ما يخص معالجة آثار السياسات السابقة، مثل مشكلات السجلات المدنية والبيانات الشخصية، يؤكد وهلي على “ضرورة إشراك المتضررين في إيجاد الحلول”، مشيراً إلى أن “أي معالجة لا تقوم على التوافق والاستماع لمختلف الأطراف ستظل قاصرة عن تحقيق العدالة”.
كما يلفت إلى أن “النصوص الدستورية التي تنص على عدم التمييز موجودة بالفعل، لكن الإشكالية تكمن في ضعف آليات التنفيذ وغياب رؤية وطنية شاملة لتكريس مبدأ المواطنة المتساوية“.
ويختتم وهلي بالتأكيد على أن “مسودة الدستور لا تتضمن نصوصًا، صريحة تعالج بشكل واضح مسألة تقاطع التمييز، خاصة فيما يتعلق بالنساء المنتميات إلى أقليات عرقية، وغياب هذه المعالجة، إلى جانب محدودية التدابير الخاصة بتمثيل المرأة، يكرّس استمرار الفجوة في تكافؤ الفرص، خصوصاً بالنسبة لنساء الأقليات مثل التبو”.
القانون الدولي.. التزامات واضحة وواقع موضع مساءلة
واقع نساء التبو في ليبيا، والحالات التي ترويها الشهادات التي جمعتها منصة “هنَّ”؛ لا ينظر إليها من منظور القانون الدولي، باعتبارها وقائع فردية معزولة، بل تندرج ضمن منظومة أوسع من الالتزامات القانونية التي تعهدت بها الدولة الليبية في مجال حقوق الإنسان والمساواة وعدم التمييز.
فبحسب “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية“، تلتزم الدولة “بضمان تمتع جميع الأفراد بحقوقهم دون أي تمييز قائم على العرق أو اللون أو الأصل أو اللغة أو الجنس”، وهو ما يشمل الحق في التعليم، والهوية القانونية، والمشاركة في الحياة العامة، والحماية من أي إجراءات إدارية تعسفية تمس هذه الحقوق. كما يؤكد العهد ذاته في مادته السابعة والعشرين على “حق الأقليات العرقية واللغوية في التمتع بثقافتها واستخدام لغتها دون قيود أو إقصاء”.
وفي السياق نفسه، تضع الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD) التزاماً صريحاً على الدول الأطراف بـ”منع أي ممارسات تمييزية، سواء صدرت عن مؤسسات الدولة أو عبر موظفين يمارسون سلطات إدارية”، مع إلزامها بإنشاء آليات فعالة للإنصاف والتظلم وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
أما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، فتضيف بعداً آخر يتعلق بالتمييز المركب، إذ تُلزم الدول بـ”حماية النساء من أشكال التمييز التي تتقاطع فيها عوامل النوع الاجتماعي مع العرق أو الانتماء الثقافي”، وهو ما يجعل حالة النساء التباويات ضمن نطاق حماية مزدوجة وفق القانون الدولي.
كما يكرّس كل من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومعايير “اليونسكو” الحق في التعليم دون تمييز، ويحظرانِ أي ممارسات تؤدي إلى تعطيل الالتحاق أو المساس بالمسار التعليمي بسبب الهوية أو الانتماء، بما في ذلك التلاعب بالبيانات أو التصنيفات الإدارية التي تفضي إلى الإقصاء.
في ضوء هذا الإطار، تطرح الشهادات الواردة في هذا التحقيق سؤالًا مركزيًا حول الفجوة بين الالتزامات الدولية التي صادقت عليها ليبيا، وبين الممارسات الإدارية والاجتماعية الموثقة على الأرض، خصوصًا عندما تتحول الهوية إلى معيار لإعادة تعريف الحقوق أو تعطيلها.
ورغم تعدد هذه الشهادات واختلافها، إلا أنها تتقاطع لتكشف عن نمط ممتد من الإقصاء يتجاوز الحالات الفردية، فما يقع لنساء التبو؛ يعكس خللًا أعمق في التعامل مع الهوية والمواطنة في ليبيا؛ فما بين المدرسة والإدارة والفضاء العام، تتكرر أشكال مختلفة من التمييز التي تؤثر مباشرة في مسارات التعليم والحياة والفرص.
ومع ذلك، فهذه الشهادات تبرز محاولات متواصلة لاستعادة الحقوق عبر التعليم والقانون والعمل المدني، في مواجهة واقع يحتاج إلى معالجة مؤسسية تضمن المساواة الفعلية، وتعيد الاعتبار لمبدأ المواطنة بعيدًا عن أي تصنيفات إقصائية.



















