نجلاء قدية: أتعرض للتشويه والتضييق وأشعر بالخوف، ولكنّ أفكاري تغلبُ خوفي

لطالما ارتبطت الأحزاب السياسية في المجتمعات المعاصرة بكونها ركيزة أساسية للنظام الديمقراطي، وتجسيدا للتعددية، ورقيبا على النظام الحاكم. ولعل الزخم الحزبي الذي تلى ثورة 2011 كان خير دليل على انفتاح الحياة السياسية في تونس بعد عقود من الانغلاق وسطوة الحزب الواحد، حيث كان حزب التجمع الدستوري الديمقراطي يتصدّر المشهد السياسي، مع حضور شكلي لعدد قليل من الأحزاب الأخرى، بما فيها تلك التي تُحسب على “المعارضة” لكن نشاطها بقي محدودًا ومراقبًا من قبل السلطات بل ومقموعًا  أحيانا أخرى.

ومع ثورة 2011، عرف المشهد التونسي لحظة انفتاح سياسي كبرى، برزت فيها أطياف وتوجهات متعددة رسمت فسيفساء سياسية غير معهودة بغضّ النظر عن بعض الإخفاقات والتحديات التي عرفها مسار الانتقال الديمقراطي آنذاك.

لكن ما تلى إجراءات 25 جويلية 2021،  جعل الأحزاب تبدو من وجهة نظر السلطة كأنها “أعشاب طفيلية” يجب إزاحتها، فجُرِّدت من دورها المحوري في المعارضة بعد إصدار نصوص قانونية منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة ومطلقة.

وجدت الأحزاب نفسها آنذاك على هامش “الاستثناء السياسي” مقصية من التأثير بما فيها تلك المساندة للمسار. وتجلّت هذه الفجوة بوضوح في انتخابات أكتوبر 2024، بعد تعديل القانون الانتخابي الذي جعل أغلب المرشحين والمرشّحات إما خلف القضبان  يواجهون أحكاما سجنية ثقيلة تصل اليوم إلى الإعدام أو عاجزين عن استيفاء شروط الترشح، مما دفع  بعض القوى الحزبية للمقاطعة احتجاجاً على ما وصفته بـ”التصفية الممنهجة”.

وفي ظل هذا “التصحّر السياسي”، نجد ضبابية للمستقبل السياسي مع استمرار عجلة اعتقال قادة ونشطاء وناشطات أغلب الأحزاب السياسية، والزج بهم في السجون  بتهم كـ”التآمر على أمن الدولة” أو  غيرها التي تعتبرها هيئات حقوقية “تهما كيدية وفضفاضة”.

وكانت آخر هذه الحملات، حملة الاعتقالات التي طالت كل من  شيماء عيسى، جوهر بن مبارك، أحمد نجيب الشابي، والعياشي الهمامي تنفيذا لأحكام قضية التآمر على أمن الدولة.

وضمن هذا السياق الراهن الذي يحكمه اللايقين والخوف واحتقان الشارع، نفتح ملف النشاط الحزبي ومستقبل المعارضة في تونس مع القيادية في حزب  “القطب اليساري”، نجلاء قدية، لنناقش معها كيف تقرأ القوى السياسية  ضمن  هذا الحصار، وما هي خيارات البقاء والمقاومة المتاحة من وجهة نظرها، وهل ينجح اليمين واليسار في التنسيق والإتحاد سويًا من أجل استعادة الفضاء السياسي وضمان الديمقراطية؟ ومن خلال تجربتها الذاتية، أي تحديات  تواجه الناشطة السياسية في السياق التونسي؟ 

في ظل المتغيرات السياسية الحالية وأمام تراجع دور الأجسام الوسيطة، كناشطة سياسية ضمن حزب القطب اليساري كيف تقييمين  جدوى العمل الحزبي اليوم؟ 

لفهم جدوى الأحزاب ضمن السياق الراهن، يجدر بنا الإشارة  إلى وجود محاولات مستمرة لكسر الأجسام الوسيطة في تونس، وهي ليست محض صدفة، بل هي سياسة ممنهجة تلازم كل مسار استبدادي، فوُجود الأحزاب والجمعيات، والإعلام المستقل، يحدُّ بالضرورة من سلطة من يسعى لاحتكار الدولة والمجتمع، حيث يقوم الحكم الفردي على فكرة “أنا أمثل الشعب وحدي”، مما ينفي الحاجة لأي منافسة سياسية، لأن المعارضة بطبيعتها  تمارس الرقابة والمحاسبة وتخلق توازنا في القوى، وهذا تحديدا ما تخشاه السلطة.

إنّ الفرد المعزول لا يشكّل خطرًا على النظام، لكنه حين ينخرط في حزب أو نقابة ويتحول إلى فعل منظّم، يصبح قوة اقتراح وتغيير والدكتاتورية تخاف التنظيم، وتخشى وجود بديل سياسي يحمل رؤية ومشروعًا وبرنامجًا يمثل فئات مجتمعية واسعة، بدلًا من رأي فردي معزول. ورغم التراجع الحالي لهذه الأجسام الوسيطة، يظل العمل الحزبي ضرورة ديمقراطية وليس ترفًا سياسيًا. 

فالإشكالُ لا يكمن في فكرة “التحزب” بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي تحاول إفراغ العمل الحزبي من محتواه، ونحن نؤمن أنّ إعادة بناء الثقة تمر عبر تجديد الخطاب والممارسة، لا عبر الانسحاب.

هل كان لاعتقال رياض بن فضل تأثيرا على الحزب داخليا وخارجيا؟

إيقاف المنسق العام رياض بن فضل لم يكن مفاجأة بالنسبة لنا، بل كان أمرًا متوقعًا لسببين؛ أولًا لتوفر معلومات مسبقة لدينا تشير إلى نية إيقافه، وثانيًا بسبب التضييقات الممنهجة التي بدأت منذ عام 2021، من استدعاءات متكررة للبحث ومراقبة جبائية مشدّدة. ورغم أنه قام قبل عام من إيقافه بتسوية كافة وضعياته مع وزارة المالية وجهات البحث، إلاّ أنه تم استدعاؤه مجددًا وإعلامه بأن”البحث لم يُختم” وسيُعاد فتحه من البداية. هنا أدركنا أن المسألة تجاوزت الإجراءات القانونية لتصبح تنكيلًا صريحًا بسبب مواقفه السياسية، وصولًا إلى لحظة إيقافه في نوفمبر 2023 في مطار تونس قرطاج الدولي حين كان عائدا من السفر وهو مسار كنّا نتوقعه في ظل المنظومة القائمة.

كان وقع إيقافه إنسانيًا بالدرجة الأولى أكثر منه سياسيًا، وعلى عكس ما قد يُعتقد، فإنّ إيقاف رياض بن فضل لم يربك الحزب، بل زاد من تماسكه الداخلي، حيث شهدنا إقبالًا لافتًا من الشباب على الانخراط، ما يعزز قناعتنا بضرورة المضي قدمًا في الدفاع عن الحريات. أما خارجيًا فقد كشف هذا الإيقاف هشاشة مناخ الحقوق والحريات في البلاد. ثم إن حزب “القطب” لا يختزل نشاطه في شخص، لكنه يظل متمسكًا بحرية منسقه العام ويطالب بإطلاق سراحه فورًا.

لاحظنا خلال التحركات الاحتجاجية الأخيرة رفض المنظمين/ات رفع شعارات تعبّر عن  أي انتماءات حزبية.. برأيك ماهو الدافع؟ هل أصبحت الأحزاب السياسية اليوم مرفوضة شعبيا وعاجزة عن تمثيل مطالب المواطنين/ات؟ 

لا أتّفق تمامًا مع هذا الطرح، فقد شهدنا تحركات ميدانية كانت الأحزاب فيها حاضرة بقوة، بل وساهمت في تنظيمها ورفعت خلالها راياتها وشعاراتها. ومع ذلك، برزت حساسية لدى بعض المجموعات، لم تكن تجاه الأشخاص بل تجاه “الانتماءات والرايات”، ولم يقتصر الأمر على الأحزاب بل شمل الجمعيات أيضًا. وأرى أنّ لهذا التوجس مبرراته؛ أولاً، لقطع الطريق أمام سردية “أعداء الأمس يتآمرون اليوم”، وتفاديًا لتكريس فكرة أنّ اليمين واليسار ينسقون معًا ضد المنظومة الحالية.

أمّا السبب الثاني، فيعود لموقف فئات من الشباب المناضل في الشارع ت تُجاه بعض قادة الأحزاب، والذين يُنظر إليهم أحيانًا بمنطق “الركوب على الأحداث”. لكن، وبكل أسف، فإنّ هذا الرفض للرايات والانتماءات، مهما كانت مبرراته، ينتهي به المطاف بخدمة سردية السلطة القائمة على علاقة الحاكم بالشعب فقط، وكسر الأجسام الوسيطة الساعية للرقابة والمتابعة.

يُقال أنّ فكرة الحزب السياسي في تونس تقوم على “القائد الواحد”، تُقصي وتهمّش المنخرطين/ات.. إلى أيّ مدى تتفقينَ مع هذه القراءة؟ 

فكرة أنّ الأحزاب تقوم على القائد الواحد هي فكرة مغلوطة وتشوّه فحوى الأحزاب السياسية، فالأحزابُ لم تقص أحدا ولم تهمّش منخرطيها يومًا، ومن قرّر الانسحاب فهو قرار ذاتي قد يكون ناتج عن الاختلاف في المواقف والأهداف.  إضافة إلى ذلك هناك أحزاب يتداول عليها العديد من الأمناء العامين، أمّا الأحزاب التي بقي فيها  نفس القائد فهو منتخب داخليا والحزب هو من اختاره ليمثّله، وتجدر الإشارة إلى أنّ الأمين العام ليس لديه السلطة المطلقة في إدارة الحزب فهو ناطق رسمي أكثر منه مقرر، كل حزب له هياكله ومجلسه الوطني وهو المسؤول عن  القرارات  السياسية.

منذ ثورة 2011، عاشت الأحزاب السياسية دينامية لافتة لكنّها ظلت أسيرة دوامة من الانقسامات والانهيارات والتفكك المستمر، برأيك ماهي الأسباب التي حالت دون استقرار الأحزاب؟ 

عاشت الأحزاب السياسية حالة من التشتت والارتباك الواضح بعد ثورة 2011، هذا الواقع ساهمت في فرضه عدة عوامل متداخلة، أولها الانتقال الديمقراطي الذي كان سريعا سياسيا وبطيئا مؤسساتيًا، هناك أيضا مشكلة التمويل والهيكلة التي ساهمت بشكل مباشر في هشاشة الأحزاب السياسية،  خاصّة حين نعلم أن تمويل الأحزاب محدود جدا ويخضع لرقابة عالية، أمّا من ناحية أخرى، كان هناك  تضارب بين الأحزاب والطموحات الشخصية لمنخرطيها، فالكثير من الشخصيات أرادت تصدّر المشهد السياسي لكنها  لم تنجح ديمقراطيا وهذا كان سبب من أسباب التفكك.

هذا الواقع المرتبك، كشف أننا لم نكن ندرك جوهر الديمقراطية حقًا، ولا سبل التعاطي معها. فمع بزوغ فجر ثورة 2011، دخلت البلاد حالة من “الإفراط في الديمقراطية” (Excès de démocratie)، رافقها انفلات واسع في سقف الحريات. وفي خضم هذا التحوّل المفاجئ، وجدت مئات الأحزاب نفسها أمام واقع لم تعتده، وأرضية سياسية لم تدرسها من قبل؛ فجاء أداؤها مرتجلاً (Improvisé) ومفتقرًا للتحضير المسبق، مما أدّى في نهاية المطاف إلى تشتّت القوى السياسية، ثم انشقاقات، وتفكّك، وغيرها من المظاهر التي عكست  تخبّط الأحزاب في تلك الفترة.  

ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في تشظي الأحزاب السياسية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، عدم توفّر بيئة قانونية مستقرة تدعم تواجد الأحزاب ونشاطها، إضافة إلى قانون الأحزاب الذي يسمح بتأسيسها بسهولة تامة، دون تحديد معايير واضحة وصارمة تفرض الديمقراطية الداخلية والاستمرارية في النشاط الحزبي، وهو ما ساهم في خلق أحزاب ظرفية وشخصيات سرعان ما تلاشت.

هل يمكن اعتبار أنّ هذا الارتباك والصراعات الحزبية ساهما بطريقة ما في مسار ما بعد 25 جويلية 2021؟ 

نعم، لقد ساهمت الأحزاب السياسية، بارتباكها وصراعاتها المعقّدة، إلى حدٍّ ما في تمهيد المسار لما بعد 25 جويلية. فهذه الأزمة الحزبية خلقت فراغًا سياسيًا، وساهمت في تشويه النشاط الحزبي من خلال ما نُسميه بـ”السياحة الحزبية”؛ حيث كنا نرى في كل مرة نائبًا ممثلًا عن حزب ما ينتقل إلى حزب آخر. هذا الأمر أضعف مصداقية وجدوى النشاط الحزبي، وعمّق الفراغ، وساهم في  قرار غلق البرلمان حينها. لكن في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة في الأحزاب وحدها، بل هي مسؤولية جماعية مشتركة.

هناك عزوف عن المشاركة في الحياة السياسية خاصة لدى فئة الشباب، والانتخابات الأخيرة أبرز دليل.. برأيك ما هي أسباب هذا العزوف؟ 

الشباب عازف عن المشاركة في الحياة السياسية الرسمية، لكنّه فاعل في الشارع وينخرط في الحملات المندّدة بالوضع الراهن، ويّمارس السياسة، لكن ليس بالمفهوم الكلاسيكي للممارسة عن طريق الأحزاب.

يمكن تفسير غياب انخراط الشباب في الأحزاب بانعدام الثقة وتنكر البعض منها لوعودها الإنتخابية، إضافة إلى غياب أي تغيير ملموس في واقع الشباب، هذا الواقع دفعهم للتوجه نحو التظاهر والمطالبة الميدانية بالحقوق، بدلًا من الانخراط في الأطر الحزبية التقليدية.

 برأيك، هل الأحزاب قادرة اليوم على اجتذاب فاعلين إليها، خاصة من فئة الشباب؟ 

اليوم بشكل عام، هناك نقص كبير في تمثيلية الشباب والنساء داخل الأحزاب السياسية؛ ويجب أن نفهم أننا إن لم نُشرك الشباب في القرار، ونؤمن بأنّ لهم رؤية وأفكارًا يجب أن تسمع و تستوعبها القيادات الحزبية، فلن يطرأ أي تغيير.

 إنّ الأحزاب اليوم مطالبة بالتجديد والتحرّر من أفكارها التقليدية، لتصبح أحزابًا تشبه هذا الجيل الجديد المناضل. فالتجديد ليس مجرد شعار يُرفع لاجتذاب الشباب ، بل هو واقع وممارسة تُطبق.

هل يملك حزب “القطب” برنامجًا قابلًا للتنفيذ على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي؟

لدينا برنامج واضح ويتناول عدة مجالات نذكر منها: الدولة يجب أن تكون في خدمة المواطن وليس العكس؛ فالدولة لا تقمع مواطنيها. نحن نطرح ثورة جبائية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق والحريات، وضمان المساواة. كما نمتلك برنامجًا إصلاحيًا شاملًا يشمل القطاع الصحي والبيئي، ويدعم إرساء إعلام حرّ ومستقل، مع تنقيح القوانين التي تهدد حريات المواطنين/ات. إنّ حزب “القطب” لديه برنامج بديل، وهو مستعد للحكم لخدمة الوطن.

برأيك في ظل السياق الراهن وأمام ملامح  ما يمكن وصفه بـ”التصحر السياسي” هل تنجح الأحزاب السياسية  المعارضة؛ عن طريق هذه التحالفات مثل تحالف “جبهة الخلاص” بغضّ النظر عن الاختلافات الكبرى في التوجهات؛ في توحيد المعارضة واستعادة مبادئ الديمقراطية والتعددية؟ 

من وجهة نظري، لا توجد تحالفات حقيقية، بل مجرّد تنسيقات بين بعض المكونات السياسية. فالمعارضة اليوم هي “معارضات” متعددة. وهناك معارضة ساهمت فيما نحن عليه اليوم.

 إنّ المشكلة اليوم أعمق بكثير؛ فاليسار لم ينجح بدوره في التوحّد، ولا اليمين كذلك. ولا يمكننا أن نأمل بتوحد اليمين واليسار لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يجمعنا. لا يمكننا نسيان الماضي أو تبييضه فهناك أخطاء ارتكبتها الأحزاب التي كانت في السلطة، ونحن نطالب بأن يُحاسبوا، لكنها محاسبة مؤجلة لأن السياق السياسي لا يسمح حالياً بالمساءلة، لكن لابد أن يأتي يوم وتتم فيه هذه المحاسبة، وهو ما نطالب به في حزب القطب.

إنّ حزب “القطب” لم ينخرط في “جبهة الخلاص” ولا يوجد بيننا أي تحالف، فنحن مازلنا نعتبر الإسلام السياسي خطرًا على المجتمع، لكن اليوم هناك خطر أكبر لا يميز بين يساري أو يميني. فاليوم، يتعرض النشطاء والناشطات إلى حملات تشويه وتحريض عبر منصات التواصل الاجتماعي، هذا إن لم يواجهوا ملاحقات قضائية.

لكن أمام هذا المشهد المشترك، نحن نطالب بإسقاط الدكتاتورية والمنظومة الحالية، ونؤمن  أنه لا بدّ من تنسيق مشترك بين القوى السياسية، على اختلافها، ويجب أن يكون تنسيقاً ميدانياً للمطالبة بالحرية وإطلاق سراح المساجين.

كناشطة سياسية ما هي أبرز التحديات التي تواجهينها في ظل السياق السياسي الراهن؟ 

أنا اليوم، كناشطة سياسية معارضة، أتعرّض للتشويه، الهرسلة، التضييق والمطالبة بالسجن، حيث يُنشر لكِ فيديو يُخرج من سياقه تمامًا، كما أتعرض لضغوط عائلية نابعة عن الخوف عليّ بسبب نشاطي في ظل السياق الراهن، لكن هذا لا يعني أنني سأنسحب؛ لأنني حين قررت دخول الحياة السياسية، دخلتها وأنا أحمل أفكارًا، كانت بداياتي مع “الجبهة الشعبية”، حيث تعلمت الدفاع عن مبادئي ووجدت التأطير والدعم، وأنا الآن ضمن حزب يؤمن بي. نعم، أنا اليوم أشعر بالخوف، لكن أفكاري تغلب خوفي.

أنا اليوم، كناشطة سياسية معارضة، أتعرّض للتشويه، الهرسلة، التضييق والمطالبة بالسجن، حيث يُنشر لكِ فيديو يُخرج من سياقه تمامًا، كما أتعرض لضغوط عائلية نابعة عن الخوف عليّ بسبب نشاطي في ظل السياق الراهن.. لكن أفكاري تغلب خوفي.

كيف تقيمين حضور النساء  داخل الأحزاب السياسية مقارنة بالرجال؟ وحسب تجربتك الخاصة، ما هي العوامل التي قد تحدّ  من مشاركة النساء في المشهد السياسي؟

مازال التفكير الذكوري يسيطر على المخيال الشعبي، حيث يُمنع على النساء أن ترفع أصواتهن وأبرز دليل على ذلك هو ما نلاحظه عند تداول فيديو أو منشور، إذ تُهاجم النساء لا لأفكارهنَّ أو توجهاتهنَّ أو نشاطهنَّ السياسي، بل لمجرد كونهنَّ نساء. وهذا يمثل تحديًا كبيرًا للناشطات السياسيات، وللنساء المنخرطات في الفضاء العام بصفة عامة.

ثمة مفارقة واضحة تعكس ضعف حضور النساء في المشهد السياسي، فرغم التسويق لتونس كبلد تقدمي يمتلك ترسانة قانونية تدعم مشاركة النساء، إلا أن هذا الإرث القانوني رغم أهميته يبقى غير مكتمل، وظلت أغلب المكاسب التي حصلت عليها النساء غير كافية لتحقيق حضور سياسي عادل ومنصف.

فبعد الثورة، برزت محاولات قانونية لفرض التناصف في القوائم الانتخابية لضمان التوازن بين النساء والرجال، لكن ذلك لم يكن إجباريًا فيما يتعلق بترأس القوائم، مما أبقى أغلب مراكز القرار تحت سيطرة الرجال. ومع أن الحضور العددي قد تحسن داخل قبة البرلمان، إلا أنه لم يرقَ إلى مستوى التأثير الفعلي والوصول إلى مراكز القرار.

كذلك الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر التي تقع على عاتق النساء، ممّا يحد من حريتهنّ ويقيد نشاطهنّ خاصة في ظل مجتمع مازال يفرض وصاية على حرية النساء وخيارتهنّ، في المقابل يجد الرجل حيزًا أوسع للتحرك والنشاط وتكوين شبكات علاقات أوسع من النساء في مجال السياسة. ومع كل هذه التحديات، شهدنا بعد 25 جويلية تراجعًا كبيرًا في دور الأحزاب والفضاءات السياسية، خاصة مع الإستغناء على مبدأ التناصف بعد التنقيحات الأخيرة التي شملت قانون الانتخابات. 

يتّسم أيضا المناخ السياسي بالعنف بمختلف أشكاله، ما دفع  العديد من النساء نحو العمل الجمعياتي والمدني كبديل عن الفضاء السياسي.

لماذا نرى النساء في الصفوف الأولى للاحتجاجات وفي مقدمة المسيرات، بينما يختفين عندما يحين وقت توزيع المناصب القيادية.. هل هو تغييب  مقصود أم اختياري منهن؟

إنّ المشاركة النسائية في الاحتجاجات تأتي ضمن التحركات الشعبية المفتوحة التي لا تفرض قيودًا على النساء، لكن في الحياة السياسية داخل الأحزاب، نمرُّ عبر أجهزة حزبية تمثل فضاءات يهيمن عليها الرجال.

هناك حلقات ضيقة داخل الحزب يصعب على النساء الوصول إليها، خاصّة فيما يتعلّق بالحصول على التزكيات. كذلك هناك تصورات ثقافية واجتماعية مازالت سائدة ترى أن الرجال أكثر كفاءة وجدارة من النساء، إضافة إلى تبنّي بعض الأحزاب السياسية لفكرة “القيادة للزعيم”.

هذه العوامل، تتشابك وتتداخل بشكل معقّد، لكنّها تشترك في نتيجة واحدة، وهي الدفع بالنساء نحو الانسحاب من الحياة السياسية وبالتالي الابتعاد عن مواقع صنع القرار.

اقرأ أيضا

  • هُـنَّ.. مغربيات حُرَّات ونفتخر

    قارئات وقراء الموقع الرائد «هنَّ» كيف حالكم، عساكم بخير وعلى خير. مبدئيا فلنتفق على نسق الكتابة، لأني سأتوجه بصيغة الجمع المذكر الذي يفيد العموم من النساء والرجال كل باسمه وصفته. أُطِلُ هذه المرة عبر هذه النافذة المُمَيزة؛ المساحة التي جمعت نساءً من اليمين واليسار؛ ليبراليات ومن أحزاب وتيارات ذات مرجعية اشتراكية أو إسلامية. شخصيا، ستكون…

    لبنى فلاح|

  • سمية الركراكي: في 20 فبراير كسرنا جدار الخوف فعاد جدار القمع أقوى

    هاجر الريسوني|

  • “الشوارع لهم والبيوت لنا”.. الطريق الصعب للجزائريات نحو السياسة 

    بعد مرور خمس سنوات على اندلاع الثورة الشعبية المعارضة للنظام العسكري الجزائري، المعروفة بـ"الحراك"، والذي كانت المرأة إحدى طلائعه الرئيسية، فقد خرجن وهن على قناعة بأنه لن يكون هناك تغيير حقيقي أو ديمقراطية كاملة دون المساواة بين الجنسين، ولكن منذ فبراير 2019 إلى اليوم، جرت مياه كثيرة تحت جسر "الحراك"، مياه لا تزال المرأة الجزائرية…

    ليلى محمد|

  • ديمقراطية البصر الأعور.. في الانتخابات الليبية المرأة تُنتخب بلا ملامح

    مع انطلاق الحملات الانتخابية التي تملأ الشوارع والمنصات الرقمية، تبرز ظاهرة طمس صور النساء المترشحات، كمرآة صادقة للصراع الثقافي والاجتماعي العميق الذي تواجهه المرأة في ليبيا.  فحين تُخفى صور المرشحات أو تُستبدل بأسمائهن فقط، لا يكون الأمر مجرد تجاهل بصري، بل استمرار لمنظومة اجتماعية تحصر المرأة في الظل وترفض الاعتراف الكامل بحقها في الظهور والمشاركة…

    منى توكا|