نجاحات تحت النار.. كيف يحوّل التشهير الإلكتروني إنجازات الليبيات إلى كابوس؟

لم يعد نجاح المرأة الليبية في الرياضة أو العلم أو الفنون مجرد لحظة فخر شخصية، بل أصبح مدخلاً لحملات من التشهير والتنمر عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتحول الإنجاز سريعاً من مناسبة للاحتفاء إلى ساحة محاكمة علنية، وكأن المجتمع يعاقبها على نجاحها وكسرها للقيود التقليدية. 

قصتا البطلة الرياضية سما الفريطيس، الحاصلة على ميداليتين ذهبيتين وفضية في البطولة العربية للكاراتيه بالأردن، والمصوّرة الشابة آية الهين، التي تم استضافتها في إحدى القنوات الليبية تقديراً لنجاحها وتميزها في مجال التصوير والإعلانات، تجسدان هذه الظاهرة بشكل جلي. 

فبينما كان من المنتظر أن يُحتفى بإنجازها، وجدتا نفسيهما في مواجهة سيول من التعليقات المسيئة التي استهدفت شكلهما وظهورهما العلني أكثر مما التفتت إلى ما حققتاه من نجاح.

التجاهل أقوى من الهجوم 

الرياضية سما الفريطيس، تقول إنها لم تعتد مطلقاً على متابعة ما يُكتب في حسابات مجهولة، مؤكدة أنها لا تعطي مجالاً للتعليقات السلبية أو محاولات القذف أن تصل إليها، ومشيرة إلى أن ما تعيشه في محيطها هو العكس تماماً، إذ تتلقى ردود فعل إيجابية ودعماً كبيراً من أسرتها والمقربين منها. 

وأضافت أن التعليقات الجارحة لا تصدر إلا من “عقول فارغة ومريضة”، وأنها لا ترى سبباً يدعوها إلى الاهتمام بها أو منحها وقتاً من يومها، مشددة على أن “الإنسان الجاهل وحده هو من يحكم على المرأة من شكلها ومظهرها متجاهلاً إنجازاتها”. 

وأكدت على أن آراء هذه الفئة لا تعنيها في شيء ولا تنتظر منها أي تقدير. وبيّنت أن عائلتها والمحيطين بها “هم أكبر الداعمين لها”، وأن مواقفهم متقاربة مع موقفها من هذه الظاهرة، الأمر الذي يعزز ثقتها ويجعلها أكثر قدرة على المضي في مسيرتها. 

وأشارت إلى أنها “لا ترد على أي تعليق مسيء”، لأنها ببساطة لا تعيره اهتماماً ولا تمنحه فرصة للتأثير عليها. 

واعتبرت أن “ما تتعرض له النساء في الرياضة من قذف وتنمّر يعود إلى جملة من الأسباب، على رأسها الجهل وضعف الوعي المجتمعي، إضافة إلى الغيرة والنظرة الذكورية، معتبرة أن كل هذه العوامل تلتقي لتشكل ضغطاً غير مبرر على نجاحات المرأة”.

وكشفت أنها في بداياتها كانت تتأثر بشدة بما يكتب عنها، لكن مع مرور الوقت تمكنت من تطوير مناعة نفسية عبر الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي والتركيز على نفسها وإنجازاتها. 

وأشارت إلى أن “التعليقات التافهة والمكررة لا تعكس إلا شخصية من يكتبها”، مضيفة أنها اتخذت قراراً نهائياً بحماية نفسها من هذه الحملات عبر التجاهل التام وعدم السماح لرأي الآخرين بأن يحدد صورتها أو يقيد مسيرتها. 

وختمت برسالة إلى الفتيات الليبيات اللواتي يخشين دخول الرياضة أو مجالات أخرى بسبب الخوف من التشهير، مؤكدة على أن “التجاهل وعدم منح المتنمرين قيمة هو السلاح الأقوى للاستمرار”، وأن الإصرار على تحقيق الذات “يجب أن يكون أقوى من أي محاولة للنيل من الكرامة أو الطموح”.

يبحثون فقط عن ذريعة للانتقاد 

أما آية الهين، فقد روت أن أولى رسائل القذف والتنمر وصلتها بعد ظهورها الإعلامي، موضحة أنها لم تدخل بنفسها إلى تلك المنشورات، لكنها كانت تصلها من خلال الآخرين الذين يشاركونها ما يُكتب ضدها. 

وأكدت على أن وقع “كان صادماً”، لأنها لم تتوقع هذا الكم من السلبية لمجرد ظهورها العلني. وأشارت إلى أنها لم تكن تتوقع حجم الهجوم، معتبرة أن بعض الردود السلبية أمر وارد، لكن ليس بالشكل القاسي الذي واجهته.

وأضافت أن التعليقات المسيئة لم تؤثر فيها كثيراً، إذ كانت تجد دائماً من يساندها أو يكتب تعليقاً مشجعاً يعيد إليها طاقتها ويعزز عزيمتها. وبيّنت أن عائلتها وأقاربها وقفوا معها ودافعوا عنها بقوة، وهو ما خفف من وطأة الهجوم. 

وعن سبب تحوّل إنجازات النساء في ليبيا إلى مادة للقذف والتشهير، أوضحت أن “بعض الناس يلجؤون إلى هذا السلوك لأنه الأسهل”، مؤكدة على أن “الهجوم يتركّز غالباً على المظهر والمكياج أكثر من الإنجازات الحقيقية”.

وقالت إنها فوجئت بأن البعض اتهمها بالتبرج بينما لم تكن تضع سوى واقٍ للشمس وقليل من محدد العيون، مشيرة إلى أن “اتهام النساء باستخدام المظهر كذريعة للهجوم أصبح عادة متكررة تُبرّر بالأخلاق والدين”. 

وأضافت أن هؤلاء لا يرون الجمال ولا يركزون على الجهد المبذول، بل يبحثون فقط عن ذريعة للانتقاد، معتبرة أن “استخدام الدين والأخلاق بهذه الطريقة ليس سوى وسيلة للتنمر وإسكات النساء”.

وأكدت أنها اختارت التجاهل ولم تلجأ إلى الرد أو التبليغ، لأنها مقتنعة بأن الحق في النهاية سيُؤخذ وأن الله سينصفها مهما طال الزمن. لكنها في الوقت نفسه انتقدت غياب أي دور فعلي للإعلام أو المجتمع المدني في مواجهة التشهير الإلكتروني، مبينة أن الكثير من الشخصيات العامة وقعن ضحية للتنمر من دون أن يجدن من يحميهن أو يدافع عنهن، ولكن تحدثوا معها ودعموها. 

وأكدت على أن “القوانين الحالية غير كافية لردع هذه الظاهرة”، مطالبة بإنشاء شرطة إلكترونية تتابع الحسابات المجهولة وتغلقها، باعتبار أن إخفاء الهوية على المنصات هو ما يشجع على استمرار هذه الحملات.

وإذا كانت تجارب سما وآية تعكس هذا الواقع، فإن الأمثلة كثيرة؛ حيث طالت حملات مشابهة الطالبة دانية الساحلي، الأولى على مستوى ليبيا في الثانوية العامة، بعد تكريمها من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، حيث وُجهت إليها ولذويها اتهامات بالمساس بالشرف والأخلاق. 

كما وجدت نساء أخريات أنفسهن عرضة لهجوم إلكتروني لمجرد حضور حفلات عامة أو نشر صور شخصية، في انعكاس لرقابة اجتماعية غير مرئية تحاول مصادرة حق المرأة في الوجود بالفضاء العام.  

ندوب نفسية عميقة 

المعالجة النفسية سالمة ياقة ترى أن هذه الحوادث ليست مجرد استثناءات فردية، بل تعكس ظاهرة اجتماعية خطيرة، فقد “تحوّلت منصات التواصل إلى أدوات لإعادة إنتاج الرقابة الذكورية على جسد المرأة وحضورها العام”. 

وتعتبر ياقة، أن “استهداف الكرامة الإنسانية والسمعة العائلية كسلاح لإحباط أي محاولة للنجاح أو الظهور، يترك آثاراً نفسية عميقة على الفرد والمجتمع”.

وتوضح سالمة أن “القذف الإلكتروني يولّد صدمة فورية تتمثل في القلق والخوف من الفضيحة، ومع الوقت قد تتحول إلى اكتئاب مزمن أو عزلة اجتماعية أو فقدان الثقة بالنفس، وأحياناً إلى اضطرابات في العلاقات الأسرية”. 

وتشير إلى أن الضغوط الاجتماعية “تجعل الفتاة تُحمّل مسؤولية هجوم الآخرين، فتنسحب تدريجياً من الفضاء العام، بينما يتحول نجاحها إلى سبب للاتهام والضغط”.

وتضيف: “النجاح النسائي في مجتمعنا غالباً ما يثير الغيرة والخوف من تهديد الأدوار التقليدية، فتحول الإنجازات إلى مادة للهجوم وكأن المرأة تُعاقب لأنها كسرت السقف الزجاجي. هذه الحملات تفرض رقابة غير مرئية وتجعل المجتمع يمارس وصاية إلكترونية على النساء، مستخدمة التشهير كسلاح ابتزاز لإجبارهن على الالتزام بما يُعتبر سلوكاً مقبولاً اجتماعياً”.

“والنتيجة المباشرة هي انسحاب العديد من النساء، وخسارة المجتمع لإبداعهن ومشاركتهن في المشهد الثقافي والرياضي والعلمي”، توضح المعالجة النفسية.

ثغرات القانون وحدود الحماية 

في مواجهة هذا الواقع النفسي والاجتماعي، يطرح القانون سؤالاً حيوياً: كيف يمكن للمرأة أن تحتمي من سيل التشهير الرقمي؟، وعن هذا السؤال، توضح الأكاديمية والقانونية خولة بن شعبان أن “ما تتعرض له النساء يندرج ضمن جرائم السب والتشهير”.

وتؤكد على أن “قانون العقوبات لسنة 1953 وتعديلاته لعام 1956، يحدد عقوبة من يخدش شرف شخص أو اعتباره بالحضور بالحبس حتى ستة أشهر أو غرامة لا تزيد على 25 دينار، ومن يتعرض لشخص بالتشهير في غيابه بالحبس ودفع غرامة”.

لكن خولة تشير إلى أن هذه النصوص “وُضعت قبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح التنمر والاعتداء على السمعة عبر حسابات وهمية أو تزييف صور وأصوات أمراً شائعاً، ما يجعل إثبات الجرائم أكثر صعوبة”. 

وترى خولة إن “قانون الجرائم الإلكترونية رقم 5 لسنة 2022 لم يُجرّم السب والتشهير الإلكتروني صراحة، بل أحاله إلى قانون العقوبات، ما يترك النساء عرضة لانتهاكات غير معاقب عليها بفعالية”. 

وتضيف “الأعراف الاجتماعية تجعل النساء في موقف أضعف، فالضحايا كثيراً ما يترددن في التبليغ خوفاً على سمعتهن أو اتهامهن بجرائم شرف، بينما قد يتحوّل الجاني إلى مبتز مستمر في التهديد”. 

 ودعت خولة إلى “ضرورة تجريم صريح للتشهير الإلكتروني، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني، وتوفير حماية قانونية واجتماعية للضحايا مع آليات تبليغ آمنة، إضافة إلى تطوير المحاكم الإلكترونية وبناء وعي قانوني واسع لدى النساء، لضمان أن يصبح النجاح النسائي حقاً محمياً لا مادة للابتزاز والتنمر”.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • هالة بن يوسف: قيس سعيد نجح في إرساء نظام يحتكر فيه كل السلط 

    الانتخابات الرئاسية التونسية ستكون يوم الـ6 أكتوبر المقبل، لتكون بذلك السباق الرئاسي الثالث ما بعد ثورة الياسمين التي شهدتها البلاد عام 2011، انتخابات سيختار من خلالها التونسيين والتونسيات رئيسا للجمهورية. وهو استحقاق انتخابيّ يأتي في سياق مختلف عن سابقيه، دستور جديد، وشروط ترشح معدلة، وقانون انتخابيّ قابل للتغيير، ومناخ عام يتسم بتراجع واضح في مستوى…

    ريم بلقاسم|

  • الابتزاز الإلكتروني يهز المجتمع الموريتاني وسط ارتفاع مقلق للضحايا

    في السنوات الأخيرة، أخذت قصص الابتزاز الإلكتروني في موريتانيا منحى متصاعدًا، لتتحول من حوادث فردية إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة، تطال النساء والفتيات بشكل خاص، وتترك آثارًا نفسية واجتماعية بالغة. لالة (اسم مستعار) شابة موريتانية وجدت نفسها عالقة في فخ للابتزاز نصبه  خطيبها السابق. بعد علاقة دامت عامين، تقول: "طلب مني صورًا خاصة، فاستجبت له بدافع…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • فاطمة التامني: مشروع إصلاح “مجلس الصحافة” بُني على أسس تُعيد إنتاج منطق التحكم بدل الإصلاح الحقيقي

    تعيش مهنة الصحافة في المغرب لحظة دقيقة تتسم بتقلبات على مستوى التنظيم المهني والتمثيلية المؤسساتية. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يشكل “المجلس الوطني للصحافة” آليةً للتنظيم الذاتي، وضمانةً لاستقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية، طُرِح مؤخرًا مشروع قانون لإعادة تنظيم المجلس، أثار موجة من الانتقادات في صفوف الصحافيين وممثلي الهيئات المهنية والحقوقية. المشروع الجديد، الذي…

    سناء كريم|

  • بين المواعيد البعيدة و الأدوية غير المتوفرة.. معاناة المصابات بسرطان الثدي في تونس 

    وسط معهد صالح عزيز، تعج قاعات الانتظار بالمرضى منذ الساعات الأولى للصباح، وتشهد ممراته حركة عالية بتقدم الوقت واقتراب مواعيد انطلاق العيادات؛ هنا أطباء وممرضين، مرضى وزوار، ومرافقين وأطفال وباعة متجولون، وهناك في نهاية الممر، يستقر قسم الجراحة أين تقدم كشوفات سرطان الثدي، وهو  الجزء الأكثر اكتظاظا داخل المشفى. في قسم الجراحة، تضطرّ النسوة للجلوس…

    ريم بلقاسم|