قبل أن يطلع الفجر بقليل، كانت امرأة تشد أطفالها الثلاثة إليها، فيما تتلاطم الأمواج حولهم في المياه الفاصلة بين مدينتي الفنيدق وسبتة، لم تكن وحدها هناك؛ ففي الظلام كان عشرات الشبان والفتيان والفتيات يسبحون في الاتجاه نفسه، يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى.
وبينما كانت البحرية الملكية المغربية تنتشل الأسرة الصغيرة من البحر، كانت مجموعات أخرى تواصل السباحة، غير آبهة بالمخاطر التي ابتلعت، خلال أيام قليلة، أرواح أربعة أشخاص، في مؤشر على اتساع الظاهرة لتشمل عائلات بأكملها.
فجر الثلاثاء.. العبور الجنوني
ما جرى فجر الثلاثاء هو فصل جديد من تصاعد غير مسبوق في محاولات العبور سباحة نحو سبتة؛ فمنذ ساعات الليل الأولى، تحولت مياه “تراخال” إلى مسرح لعمليات إنقاذ متواصلة، بعدما تمكن أكثر من سبعين شخصًا من دخول المدينة عبر الحاجز الحدودي الجنوبي مستفيدين من الضباب وضعف الرؤية، في وقت وصفت فيه عناصر الحرس المدني اليوم بأنه “جنوني”، بعدما ظلت لساعات تنتشل الأشخاص من البحر دون توقف، بمشاركة هيئة الإنقاذ البحري والبحرية الملكية المغربية.
لم تعد المغامرة تقتصر على الشابات والشباب أو القاصرين، بل امتدت إلى عائلات كاملة؛ فمشهد المرأة وأطفالها الثلاثة الذين كادوا يغرقون يعكس تحولًا في طبيعة هذه المحاولات، ويكشف حجم اليأس الذي يدفع أسرًا بأكملها إلى المخاطرة بحياتها في عرض البحر.
في تصريح لمنصة “هنَّ” تعتبر لاورا سيرانو، من المفوضية الإسبانية لمساعدة اللاجئين (CEAR)، أن “وصول المهاجرين والمهاجرات إلى سبتة ليست حالة استثنائية، بل تعكس واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متفاقمًا في الضفة الجنوبية للمتوسط”.
وأوضحت سيرانو أن “هذه الموجة الجديدة من تدفق المغاربة نحو سبتة أمر طبيعي في ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب”، معتبرة أن “استمرار هذه العوامل يجعل محاولات الهجرة تتجدد كلما توفرت الظروف المناسبة للعبور”.
هجرة مضاعفة ومراكز عاجزة
وبالجانب الإسباني، لم تتوقف الأزمة عند الشاطئ؛ فكل شخص يصل سباحة يضيف عبئًا جديدًا إلى مدينة صغيرة باتت مرافقها عاجزة عن الاستيعاب؛ بلغ مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI)، الذي لا تتجاوز طاقته 512 مكانًا، أقصى طاقته، فيما ينتظر أكثر من 400 شخص خارجه، على أمل العثور على مكان للمبيت.
أما مراكز رعاية القاصرين القاصرات، فتعيش ضغطًا أكبر؛ ففي غضون خمسة عشر يومًا فقط، ارتفع عدد الأطفال غير المصحوبين بذويهم الخاضعين لوصاية سلطات المدينة بنحو 220 طفلًا، ليصل العدد إلى 430 قاصرًا، وهو ما دفع السلطات إلى إعادة فتح مركز استثنائي في منطقة “تراخال” لاستيعاب الوافدين الجدد.
وتشير الأرقام إلى أن ما يحدث ليس موجة هجرة عابرة؛ فخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي وحدها، سُجلت أكثر من 200 محاولة عبور سباحة انطلاقًا من سواحل الفنيدق وبليونش.
وتمكن أكثر من 100 شخص من الوصول إلى سبتة، بينما اعترضت البحرية الملكية المغربية نحو ثلاثمئة آخرين، في حين واصل آخرون العبور بعيدًا عن أعين المراقبة.
أربع جثث خلال يومين
انتشل الحرس المدني أربع جثث خلال يومين فقط، لترتفع حصيلة الوفيات المسجلة على سواحل سبتة منذ بداية العام إلى سبعة وعشرين شخصًا، ومازال عشرون آخرون في عداد المفقودين، في واحدة من أكثر السنوات دموية على هذا المسار البحري القصير.
ويعزو الحرس المدني الإسباني هذا التصاعد إلى الحكم الأخير الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية، الذي اعتبر أن المهاجرين الذين يُعترض طريقهم في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية لا يمكن إعادتهم فورًا إلى المغرب.
ترى جمعيات تمثل عناصر الحرس المدني أن القرار غيّر ديناميات العبور، وجعل الطريق البحري أكثر جذبًا من السابق، بينما تؤكد حكومة سبتة أن “الوضع الحالي يفوق ما شهدته المدينة في السنوات الأخيرة”، حتى خلال موجات الاقتحامات الجماعية للسياج الحدودي.
شبكات التواصل الاجتماعي تدعو للهجرة
في المقابل، ترى السلطات الإسبانية أن “الإجراءات الأمنية القائمة لم تعد كافية”، في ظل تزايد الدعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي للسباحة نحو سبتة، وتوافد أشخاص من مناطق مختلفة من المغرب إلى الفنيدق لخوض المحاولة.
من جهته، يرى خوسيه ميغيل موراليس، مدير منظمة “سور أكوخي” (Sur Acoge) العاملة في مجال دعم المهاجرين في سبتة، إن ما تشهده المدينة “ليس ظاهرة جديدة”.
وأوضح قائلًا: “علينا أن نتقبل أن هذا الأمر يتكرر، فلا يمكن أن ننتقل من حالة طوارئ إلى أخرى، بل يجب تكييف خدمات الاستقبال والرعاية الاجتماعية بشكل نهائي مع احتياجات المدينة”.
واعتبر موراليس أن “الارتفاع الحالي في أعداد الوافدين والوافدات لا يمكن تفسيره فقط بحكم المحكمة العليا الإسبانية، لأن سبتة تشهد كل صيف زيادة مماثلة في محاولات العبور عبر البحر مع تحسن الأحوال الجوية”.
هذا، ومع استمرار تدفق المهاجرين والمهاجرات، تتزايد الدعوات داخل سبتة إلى تدخل سياسي ودبلوماسي عاجل؛ حيث طالبت حكومة المدينة والسلطات المحلية مدريد والاتحاد الأوروبي بالتحرك لاحتواء ما تصفه بـ”حالة طوارئ” على الحدود، بينما يبقى البحر، كل فجر، مفتوحًا على احتمالين لا ثالث لهما: نجاةٌ مؤقتة، أو اسم جديد يُضاف إلى قائمة الضحايا؛ لتبقى صورة الأم التي كانت تضم أطفالها الثلاثة وسط الأمواج ملخصًا أكثر من أي رقم أو بيان؛ للثمن الإنساني لهذه الرحلة.
فيما وضّح أشرف ميمون، رئيس فرع تطوان للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لمنصة “هنّ” أن المعطيات التي جمعتها الجمعية من منظمات المجتمع المدني في إسبانيا ومدينة سبتة، إضافة إلى ما نشرته وسائل إعلام مغربية وإسبانية، تشير إلى ارتفاع غير مسبوق في محاولات الهجرة نحو سبتة خلال سنة 2026. وخلال الفترة الممتدة من 1 يناير إلى 15 يوليوز 2026 وصل إلى المدينة 2826 مهاجرة ومهاجراً، مقابل 1133 خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة بلغت 149 في المائة، وبمعدل يقارب 21 شخصاً يومياً، فيما سجل النصف الأول من شهر يوليوز وحده وصول 244 مهاجرا ومهاجرة.
أضاف ميمون أن آخر حصيلة متوفرة لدى الجمعية إلى غاية 27 يوليوز تفيد بتسجيل 27 وفاة منذ بداية سنة 2026، بعد العثور على جثة جديدة ليلة 27 يوليوز. كما سُجلت 6 وفيات خلال شهر يوليوز فقط، بينما لا تزال خمس جثث بمستودعات الأموات في سبتة في انتظار التعرف على هويات أصحابها واستكمال إجراءات ترحيلها إلى ذويها، وهي الإجراءات التي تتابعها الجمعية مع العائلات.
أشار ميمون إلى أن الليلة الأخيرة شهدت موجة كبيرة من محاولات الهجرة غير النظامية، بعد ما بات يُعرف بـ”خميس الهروب الكبير”، مع إنقاذ عدد من الأشخاص من الغرق. وفي ما يتعلق بالقاصرين، أكد أن الجمعية لم تتمكن من إحصاء عددهم بدقة، غير أن من بين الضحايا قاصراً يتراوح عمره بين 15 و16 سنة انتُشلت جثته أثناء محاولته الوصول إلى سبتة. كما أكد استمرار وجود عشرات الشبان والشابات بمدينة الفنيدق، وينحدرون من مناطق مختلفة بالمغرب، إلى جانب مهاجرين من دول عربية ودول إفريقيا جنوب الصحراء.















