“مواطنون من الدرجة الثانية”.. معاناة ذوات الإعاقة من الوصم والإقصاء في سوق العمل

“عندما أرسل سيرتي الذاتية إلى الشركة، ينبهر المدير عند رؤيتها لأول وهلة، لكن ما إن يراني شخصيًا حتى يتغير كل شيء. يُطلق كلمات الإعجاب: ‘برافو، سنتصل بك قريبًا’، لكن ذلك ‘القريبًا’ لا يأتي أبدًا، تاركًا خلفه شعورًا مريرًا بالرفض، خاصة عندما ترى علامات ذلك الرفض في نظرات المدير وهو يقلبني منذ دخولي المكتب، ينظر إلى مشيتي العرجاء وأصابعي المرتبكة، وكأنه  يقول ليس  هذا ما نبحث عنه”، بهذه الكلمات تتحدث إلى منصة “هنَّ” آمنة فتاة ثلاثينية ذات إعاقة عضوية، عن مرارة رحلتها في البحث عن عمل، مسيرة كُلللت بالكثير من الرفض والعناء والنظرة الدونية.

آمنة  شابة تونسية  حاصلة على 3 ديبلومات؛ ديبلوم في الملتيميديا، ديبلوم في الإدارة  وآخر في الإعلاميات، لكنها  لم تحظ  بعد بفرصتها  المهنية، رغم  تفوقها الأكاديمي  ونتائجها المتميزة.

واقع مهني شاق يعتمد على سياسة الإقصاء والتمييز 

تطمح آمنة إلى تحقيق استقرارها المادي وبناء مسيرة مهنية محترمة كغيرها من الفتيات، رغم إعاقتها تحدت الشابة كل الظروف وقدمت التضحيات، لكنها صُدمت بواقع مهني شاق لا يتقبل ذوي الإعاقة ولا يثق بهم على حد تعبيرها.

إصرار آمنة على العمل قادها لخوض  تجربة مهنية ككاتبة  لدى محامية، لكن هذه التجربة لم تدم طويلاً، توقعات المحامية من آمنة التي تعاني من إعاقة عضوية “خيبتٌ” لأنها حسب المحامية لم تبذل الجهد  “المطلوب”. 

عمل آمنة لم  يقتصر على الكتابة فحسب، بل تعداه ليشمل حمل الوثائق إلى المحكمة وطباعتها والتنقل المرهق بين الإدارات، رغم صعوبة حركتها. وجدت آمنة نفسها  في سباق مع قدراتها الجسدية، ما تسبب لها في الكثير من التعب والإرهاق. القصة لم تنته هنا، بل امتدت لتشمل حرمانها من مستحقاتها المادية. فالمحامية لم تدفع  لأمنة أجرها، لتنهي بذلك التجربة وينتهي معها معها طموح فتاة أرادت أن تتحدى إعاقتها لكن واقع سوق العمل أثبت أنه أقوى من  طموحها.

 سارة  هي الاخرى، فتاة تعاني من إعاقة سمعية، عاملة سابقة بمصنع “الكابل” ببنزرت، تروي شقيقتها لـ”هنَّ”، عن  الإستغلال الذي تعرضت له شقيقتها داخل المصنع والنظرة الدونية تجاهها.

“لم يكن الخطأ في المصنع يمر مرور الكرام على أختي، فالمسؤولة، أو ما تُعرف بـ’الشافة’، كانت توجه لها الشتائم ‘كالصم والبكم إلي نعاني فيهم’، وأحيانًا بألفاظ نابية جارحة. والأكثر إيلامًا، كانت أختي ترى بنات المصنع الأخريات ينفجرن ضاحكا، متوهمات أنها لا تسمع. لكن أختي كانت تقرأ تلك الشتائم في نظراتهن الساخرة،  تشعر بها، فتنكس رأسها خجلًا، وتشعر بوطأة الإحراج تثقل كاهلها”، تسرد سارة.

المعاناة لم تتوقف هنا، فالتجربة المهنية لسارة سرعان ما انتهت ولم تدم طويلاً، 5 أشهر فقط، ليتم تسريحها دون أي تعويضات، والسبب  الإنتاجية منخفضة  أوكما يطلق عليها بـ”الروندموان طايح”، ولكن الواقع لا يرتبط بمعدل الإنتاجية، فسارة كانت منضبطة ولا تتأخر عن عملها، وتقوم بكل جهدها بل وأحياناً كانت تحقق نتائج أفضل من  العاملات الأخريات، حسب روايتها لهذه المنصة. 

وتستهدف العديد من المصانع توظيف حاملي الإعاقة من الصم والبكم بشكل أساسي للاستفادة من المزايا القانونية، حيث يمنح القانون التونسي تخفيضات في الأداءات والضرائب لكل مصنع يوظف شخصًا من ذوي الإعاقة كمحاولة لتشجيع على تشغيل هذه  الطبقة المنسية عن طريق مكتبة التشغيل، وبعد أن يقع إمضاء العقد لا تتم أي  متابعة  للعاملات من ذوات الإعاقة من من مكتب التشغيل، وهو ما يستغله  بعض المشغلين للقيام ببعض التجاوزات في حق العاملات. 

بيئة عمل قاسية تتجاهل احتياجات ذوات الإعاقة 

تروي فاطمة لـ”هنَّ” وهي موظفة بأحدى مكتبات معهد عمومي بتونس عن عدم إستجابة بيئة العمل في المعهد  لمستحقاتها كحاملة لإعاقة عضوية، فاطمة التي تعتمد على  كرسي متحرك في تنقلها، تواجه إشكالات في صعود الدرج المؤدي  للمعهد والمكتبة أين تعمل.

 وفي ظل غياب ممر خاص  بذوي وذوات  الإعاقة، يسهل حركة كرسيها المتحرك، ما أجبر والدتها وشقيقها على التفرغ لها  يوميا ليحملاها على كرسيها المتحرك  وتمكينها  من صعود الدرج حتى تتمكن من الجلوس على مكتبها، ويعودا  مساء لارجاعها للبيت.

“أشعر بثقل شديد، أشعر بإحراج عندما أرى والدتي تعاني وهي تحملني، لقد تحولت  تجربة عملي التي طالما حلمت به إلى عبء نفسي، وعائلي يؤرقني”  تقول فاطمة لـ”هنَّ” بحسرة وأسفٍ شديدان.

وتحكي فاطمة لـ”هنّ”، وهي تتذكر مسيرتها اليومية من البيت إلى العمل ومن العمل إلى البيت وحجم المعاناة  والتعب الذي تعيشه هي وعائلتها خاصة أنها تبعد حوالي 12 كلم عن  المعهد، “أحيانًا  أفكر في تقديم استقالتي، أنا أشعر وكأننا مواطنون من الدرجة الثانية منسيات وحقوقنا مهضومة”.

وتكشف الكاتبة العامة لـ”المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”، بوراوية العقربي، في حديث لمنصة “هنَّ”، عن  التحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء الحاملات للإعاقة داخل سوق العمل، حيث “تواجه المرأة الحاملة للإعاقة  حواجز ومشاكل مركبة مقارنة بغيرها من النساء وبالرجل الحامل للإعاقة، وتتضاعف هذه  المعاناة خاصة في ظل غياب آليات الحماية التي من شأنها أن  توفر لهنّ إطارا آمنا ومريحا يضمن لهن كرامتهن ويحميهن من المتحرشين”. 

وتؤكد العقربي أن غياب هذه الآليات يتمثل في “غياب كاميرات  المراقبة في المكاتب وافتقار محطات النقل ووسائلها إلى إرشادات  وإشارات توجيهية  لذوي وذوات الإعاقة… وتتشابك هذه العراقيل فيما بينها لتشكل بذلك حواجز تحول دون تمكين المرأة إقتصاديا، خاصة في ظل غياب المراقبة  من السلطات التونسية”.

“قوانين استعراضية لاعلاقة لها بالواقع”

رغم وجود ترسانة من القوانين والتشريعات التي تنص على حق ذوي الإعاقة في التشغيل بتونس، وأنه  لا يُمكن أن تكون الإعاقة سببا في حرمان أي شخص من الحصول على شغل سواء في القطاع العام أو الخاص إذا توفرت لديه المؤهلات الملائمة للقيام به، مثل أحكام الفصل 27 من القانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 المؤرخ 15 أوت 2005 المتعلّق بالنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة وحمايتهم، والمنقح بالقانون عدد 41 لسنة 2016 مؤرخ في 16 ماي 2016.

 إلا أنها تظل مجرد “حبر على ورق”، مما يعكس فجوة حقيقية بين التشريعات وواقع سوق العمل، فالمشغل التونسي في المؤسسات الخاصة لا يثق بذوات الإعاقة ويرى فيهن عبئًا وأحيانًا مسؤولية لا يرغب في تحملها، وذلك حسب عدة شهادات تواصلت معهنّ  منصة “هنّ”.

وينص الفصل 29 جديد بعد تنقيحه بالقانون عدد 41 لسنة 2016 مؤرخ في 16 ماي 2016 المتعلق بالنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة وحمايتهم على إلزامية تخصيص نسبة لا تقل عن 2 %من الانتدابات السنوية بالوظيفة العمومية تسند بالأولوية لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يستجيبون للشروط المنصوص عليها بهذا القانون ولهم المؤهلات للقيام بالعمل المطلوب. إلا أنه  خلال  15  سنة الأخيرة  لم يقع انتداب  إلاّ حوالي  1000 شخص  من حاملي الإعاقة:  خلال السنوات التالية: 2013/2014/2018/2024.

وهو ما يعني أن أن نسبة الانتداب ضئيلة للغاية، خاصة وأن هذه الفرص غالبًا ما تأتي بعد سنوات طويلة من الانتظار والصبر. عددا محدودا للغاية مقارنة  بعدد حاملي الإعاقة الجملي 438 ألف سنة 2023 (ناهيك عن غير المسجلين).

وتقول  المحامية والناشطة الحقوقية مريم كلوز لمنصة “هنَّ” عن أن  المشرع  التونسي في سنّه للقوانين والتشريعات في علاقة بذوي وذوات الإعاقة يقدم “قوانين استعراضية لاعلاقة لها بالواقع  التونسي، وهو ما يخلق فجوة وشرخا لاحقًا بين القانون والواقع المأساوي لذوي وذوات الإعاقة’’.

وتضيف كلوز مؤكدةً على أن “بيئة العمل  غير ملائمة  وعقلية سوق العمل لا ترحب بهم”.

وتشير المحامية إلى أن غياب عقوبات رادعة للمؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص من شأنه أن “يفتح  المجال  للتجاوزات القانونية  ويحرم  ذوي وذوات الإعاقة من حقهم  الشرعي في العمل كأي مواطن”. 

اقرأ أيضا

  • “هِمَمْ”: الصحافية لبنى الفلاح تواجه مضايقات ممنهجة 

    تواجه الصحافية المغربية لبنى الفلاح، مديرة جريدة "الحياة اليومية"، سلسلة من المضايقات والتضييقات المهنية والقضائية، في سياق تبنيها لقضايا المعتقلين السياسيين في المغرب.  ووفقًا لـ"الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين" (هِمَمْ)، فقد تعرضت الفلاح لعقوبات تأديبية، وتهديدات من جهات رسمية، وحملات تشهير، بالإضافة إلى محاكمتها بسبب مقال لم تنشره، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن حرية الصحافة…

    Hounna | هنّ|

  • تمديد عطلة الأمومة في الجزائر.. هل يكفي لدعم حقوق الأمهات العاملات؟

    بعد سنوات من الانتظار، حصلت المرأة الجزائرية العاملة  على تمديد إجازة الأمومة، حيث زادت مدتها إلى خمسة أشهر بدلًا من ثلاثة أشهر ونصف، وقد اعتبرت العديد من الجمعيات النسوية هذا القرار خطوة إيجابية نحو تعزيز حقوق المرأة العاملة. يأتي هذا القرار بعد نقاشات طويلة حول مسودة قانون تقدّمت بها "وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي"، بهدف…

    ماجدة زوين|

  • الفراولة المُرّة.. مأساة المغربيات في حقول هويلفا مستمرة!

    في شهر أبريل، صباح فجرٍ أندلسي بعيدٍ عن الوطن، نزلت العاملات الموسميات المغربيات من الحافلة واحدة تلو الأخرى؛ وجوه غارقة في التعب، وعيون تختبئ خلفها أحلام هشّة. لم تحمل كلٌ منهن سوى حقيبة صغيرة، وصورة لأطفالٍ ينتظرون رزق الموسم. كانت حقول الفراولة في هويلفا، جنوب إسبانيا، توحي بالخُضرة والعمل، لكن الواقع كان أقسى من الطين.…

    Hounna | هنّ|

  • مغربيات هويلفا.. من يضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟ 

    "من سيضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟ ومن للرجال.. إذا قيل ما نسبُ القومِ؟ فانسكبت في خدود الرمال دموع السؤال؟" أمل دنقل في بداية العام، كنت عائدًا من هويلفا، حيث تلتقي الأرض والسماء في أحضان حقول الفراولة الإسبانية، تلك التي لا تعرف فقط طعم الندى وحلاوة الثمار، بل تختزن في طياتها حكايات دم وعرق نساء…

    سعيد المرابط|