تبدأ سمية، مصففة الشعر أو “حجامة الحومة” كما اصطلح على تسميتها شعبيا، يومها بعاداتها التي دأبت عليها منذ خمس سنوات مضت على افتتاحها صالون الحلاقة النسائية في حيّها بمدينة باردو غرب العاصمة التونسية، تفتح النوافذ للتهوئة، تكنس ما تبقى من خصلات شعر حريفات يوم أمس، تنشر المناشف وترتّب المكان ثم تُعطر الفضاء بالبخور تبرّكا وبحثا عن فأل حسن تستقبل به يوم عمل طويل.
“أعمل كامل أيام الأسبوع، من العاشرة صباحاً حتى السادسة مساءً، أقضيها كلها واقفة في مكاني دون راحة، أحياناً أشعر بخدر شديد في ساقيّ نتيجة الوقوف طويلا، أمّا صوت مصفف الشعر (السشوار)، فقد بات ضجيجه يصم أذني وربما لاحقني حتى وأنا غارقة في النوم فأظل أتخيله يتردد طوال الليل” بهذه الكلمات تبدأ سمية حديثها لمنصّة “هنّ”.
في هذا المقال، نُسلّط الضوء على مهنة الحلاقة اجتماعيا ومهنيا، ونفكّك مكانة هذا المجال من داخل منظومة الموضة والترند وهيمنة صناعة التجميل على “الحلاقة التقليدية”.
الحجامة فضاء للبوح والتضامن النسائي
يُعتبر العمل في ميدان التجميل وتصفيف الشعر مرهق بالنسبة إلى سمية، خاصّة أيّام الأحد وفي المناسبات وحفلات الزواج، حيث تبذل من الجهد أضعاف ما تبذله في الأيام العادية، ولا يكاد هاتفها يتوقف عن الرنين لكثرة ما تتلقاه من مكالمات الزبونات اللاتي يبحثن عن حجز مواعيد بالكاد تجد لها وقتا.
ورغم ما تلقاه سمية من التعب والمشقّة، لا تخفي شغفها بعملها وسعيها للإلمام بكل جديد فيه والبحث عن إرضاء حريفاتها حيث تقول: “أنا أحب هذا العمل كثيرا، يسعدني جدا أن أرى سيدة تتجمل وتخرج في كامل أنوثتها سواء كانت تفعل ذلك لزوجها، أو تفعل فقط لنفسها، فهذه التفاصيل البسيطة هي التي تجعل المرأة تبدو واثقة أكثر، متألقة على الدوام تفرح وتمنحها طاقة إيجابية قوية، حين أرى زبوناتي هكذا أنسى كل التعب الذي ألقاه يوميا.”
تحرص سمية على توفير أسباب الراحة لحريفاتها حتى لا يمل بعضهن الانتظار، ففنجان من الشاي أو القهوة توفره لهن قد يساعدهن على قتل الوقت، ليغدو صالون الحلاقة النسائية فضاء تُنسج فيه علاقات اجتماعية جديدة وتتعارف فيه النسوة على بعضهن البعض وربما باحت إحداهن للأخرى بشيء من أسرارها طلبا للنصيحة.
في هذا المكان، تسمع عن أخبار الخطبة والزواج وفيه تسمع عن خبر فلانة التي طلقها زوجها وتلك التي باعت مصوغها لتؤمن ثمن “حرقة” ابنها الباحث عن تحقيق حلمه في الهجرة إلى فرنسا. وهكذا بات صالون سمية منتدى نسائيا خالصا تتبادل فيه الحريفات ما يشغلهن من مستجدات.
أما إن صادف استقبال سمية لعروس تجهزها لحفل زفافها، فسترى الفضاء يعجّ بالنسوة، وتسمع أصوات الزغاريد والأهازيج، وربّما تحلّق بعضهن حولها ليقدّمن لها نصحا يعينها على تأمين حياة زوجية سعيدة، أو نصائح لنجاح الليلة الأولى ويبالغن في كيل عبارات المديح والثناء على جمالها.
صناعة ضخمة تقودها الموضة والترندات العالمية
“لم أتخيَّل يوما أنّني سأدرس الحلاقة والتَّجميل، خاصَّة بعد أن اجتزت البكالوريا بنجاح وتخرَّجت من الجامعة حاملة شهادتي في اللغة الإنجليزية”، هكذا تستهل أميرة، المتخصِّصة في التّجميل (المكياج والشّعر)، حديثها لمنصّة “هنّ” مسترجعة قرارا غيّر مسار حياتها.
وتتابع: “لكن، وأمام انسداد الأفق وشبح البطالة الذي لازمني منذ تخرّجي، وجدت نفسي كأغلب شباب وشابات البلاد مجبرة على البحث عن بديل، تكوين جديد علّه يفتح لي آفاقا أرحب خارج التكوين الأكاديمي”. وتسترسل أميرة في حديثها للمنصّة: “نصحني كثيرون بقطاع التّجميل كونه من أكثر التّكوينات المهنيّة طلبا في سوق الشّغل، سواء داخل البلاد أو خارجها.
بدأت البحث في الموضوع، أسأل بعض الأقارب والأصدقاء علّني أجد الجواب الذي يقتل تردّدي ويقنعني بمجال لم أتوقّع يوما أن أتخصّص فيه.”
وتتابع الشابة: “تملَّكتني الحماسة بعد أن استمعت لقصص نجاح ملهمة لفتيات بدأن من الصفر، ووجدن في هذا المجال فرصتهنَّ الذهبيّة نحو الاستقلاليَّة الماديّة، بل وحتى الهجرة والسّفر للعمل في دول الخليج وتحقيق الثراء، ومن ثم توجّهت إلى مركز تكوين بشارع محمد الخامس بتونس العاصمة، واشتريت الأدوات اللازمة وبدأت الدراسة.”
حين سجّلت أميرة في مركز التّكوين وبدأت التعلّم اكتشفت أنَّ عالم التّجميل والحلاقة ليس مجرّد مهارة يدويّة بسيطة، بل هو علم قائم بذاته، له أسسه وقواعده الأكاديميّة ومدارسه العالميّة ونظريّاته. تشير أميرة إلى أنّه في مجال الشعر على سبيل المثال وهو تخصّصها الأول ، هناك علم وصناعة كاملة تبدأ من دراسة أنواع الصّبغات وتركيبتها وتفاعلها مع الشّعر، وغيرها من التَّفاصيل الدّقيقة والمعقدة التي تتطلب الكثير من الجهد والتركيز.
“في كلّ سنة تبرز موضة معيّنة وألوان جديدة، كذلك في قصّات الشّعر وتركيبه، حيث يُصنّف بائعو الشّعر الطّبيعي اليوم من بين الأثرياء، وتتعدّد تقنيات تركيب الشّعر وتتنوّع لتشمل: “الكليبس”، “الستيكر”، “الرّينغ”، “النانو رينغ” وغيرها من التّقنيات الحديثة التي تستوجب التَّكوين والتَّعلُّم المستمر”. تُضيف أميرة.
مجال الحلاقة والتَّجميل بالنسبة إلى أميرة هو مجال شاسع ومتجدّد باستمرار، لا يتوقّف عن التطور، يواكب المستجدّات، ويصنع الموضة والترينديغ. وحسب أميرة، كان يُنظر في السابق إلى دراسة الحلاقة والتّجميل على أنَّه خيار الفتيات اللواتي لم يحالفهنّ الحظ في المسار الأكاديمي، وكتعويض عن الفشل الدِّراسي.
لكن اليوم، تغيرت الصورة؛ إذ تحوّل هذا القطاع إلى وجهة جاذبة تستقطب خرّيجي وخرّيجات الجامعات الذين باتوا يرون فيه مجالا يضمن لأصحابه مستقبلا ماديا ومكانة اجتماعية تفوق أحيانا ما يمكن أن تمنحه الوظائف التّقليدية. وفي هذا الاتّجاه، تشير الأستاذة نجاة عرعاري، المتخصِّصة في علم الاجتماع، إلى أنَّ مهنة الحلاقة والتّجميل ازدهرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتحوّل المقاييس الجماليّة العالمية التي أصبحت عابرة للحدود وبلا قيود.
وترى الباحثة أنَّ “التّدفق المستمر للموضة والـ “ترندات” التي يسوّق لها المؤثّرون والمؤثّرات أسهم في تذويب الحدود الجغرافيَّة عبر فضاء “السوشيال ميديا”، ممّا جعل هذا التّحوّل، إلى جانب استفادة القطاع مع من قطاعات أخرى كالطب التّجميلي، حوّل المهنة من مجرّد مهنة تقليديّة إلى بنية اقتصاديَّة وصناعيّة مستقلّة ترتبط بقطاعات حيويّة كإنتاج المستحضرات والأزياء.”
وتُضيف العرعاري أنّ “ولوج النساء إلى الفضاءات العامّة وخروجهن للعمل دفعا نحو تطوّر المهنة أيضا، إذ باتت النِّساء تتزيّن وتهتم بمظهرهن بشكل شبه يومي، على عكس السابق، حيث كان اهتمام النّساء بأناقتهنّ يقتصر على التجمل لأزواجهنّ أو خلال المناسبات والأفراح.
حلاقة وتجميل النساء بين الإتهام والقبول المجتمعي
درست فاطمة (اسم مستعار)، وهي متخصّصة في تركيب الأظافر والرّموش الحلاقة والتّجميل، ونالت شهادتها بجدارة، لتستهل مسيرتها المهنيّة بالعمل في أحد صالونات التّجميل لمدّة سنة بالعاصمة التّونسيّة.
منذ العام الأول، تقول فاطمة: “سمعت كثيرا عن شركات وسيطة يمكن أن تمكنني من عقد عمل في المملكة العربية السعوديَّة مقابل مبلغ مالي بسيط، وفعلا اشتغلت لمدة سنة حتّى تمكّنت من جمع المبلغ المطلوب وتحصيل تجربة مهنيّة، وحينها وقّعت على العقد..كان الأجر الشهري مغريا بالنسبة لي كمبتدئة، خاصّة أنّ السّكن والنقل يتحمّل كلفتهما المشغّل. ومن شدّة السعادة لم أستطع أن أنام ليلة السفر، حتى إنّني حزمت أمتعتي قبل أسبوع، وذهبت إلى المطار قبل ساعات.” تسرد الشّابة لمنصّة “هنّ”.
وتتابع “في البداية، لم أحصل على المقابل المادي الذي اتفقنا عليه في نصّ العقد، بل كان أقلّ بكثير، مقابل ساعات عمل أطول؛ حتّى في الأعياد والمناسبات كنت أناوب في العمل مع العديد من البنات القادمات من بلدان مختلفة، وهنّ يحملن على أكتافهنّ أحلاماً ووعودا ومسؤوليّات ورهانات، قوبل بعضها بالكثير من الخيبات..كنّا نسرق بعض الوقت لتبادل الحديث، ولمواساة أنفسنا، ولنتعرّف على ثقافاتنا المختلفة، علّنا نخفّف ضغط العمل المستمر”.
مرَّت سبع سنوات من الكدح حتى ذبل شغفي بالمهنة، وتحوّلت مع مرور الوقت إلى مجرد وظيفة للعيش والكسب، وبعد تمكّني من جمع مبلغ مالي قرّرت العودة إلى تونس وفتح مشروعي الخاص، لكنّ العودة لم تحمل الحضن الدّافئ الذي توقّعته، بل حملت التوجّس، الشكوك والتهم” . تروي فاطمة مرارة هذه التّجربة.
منذ عودة فاطمة إلى تونس، بدأت تشعر بالكثير من الحذر في التّعامل معها حتى وإن بدا البعض يستقبلها بالأحضان والابتسامات الدافئة، كانت تقرأ الشكوك والريبة في عيون أقاربها وجيرانها وبعض صديقاتها.
تقول الشابة في حديثها لمنصّة “هنّ” بأنّ التهم غير معلنة، و لم يهمس بها أحد أمامها، لكنّها كانت تستشعرها في سلامهم، كلامهم، ونظراتهم ليثبتها رفضها من قبل عائلة الشّاب الذي كانت سترتبط به، بتعلّة أنها كانت “حلاقة” وعملت لسنوات في الخليج.
تكشف قصّة فاطمة عن أوجه متقاطعة للوصم، أوّلا لأنّها حلاقة، وثانيا لأنّها كانت مغتربة، وثالثا لأنَّها كانت في بلد من بلدان الخليج. هذه الثلاثيّة تعكس طبيعة المجتمعات الأبويّة التي لا تنتظر من النساء أن تخطئ حتى تدينها، بل تتعامل معها بالشكوك المستمرة والاتّهامات الجاهزة.
يُعدُّ استقلال النساء وحرّيتهن، بالتعريف التقليدي، خطر كامن يجب تطويقه قبل أن يتحقّق. فصالون التّجميل، والهجرة، والسكن المستقل، كلها مساحات تُصنّف مجتمعياً كفضاءات مشبوهة لأنّها تقع خارج رقابة العائلة والمجتمع. كما أنّ النّجاح النّسائي، حتّى وإن اختلف مجاله، ما يزال يتمُّ التّشكيك في مصدره خاصّة حينما يرتبط بهجرة النساء، إذ ما تزال بعض العقليّات في المجتمعات الأبويّة تعجز عن قبول فكرة أنّ مجهود النّساء قادر على إنتاج ثروة، فيُفسّر هذا النجاح على أنَّه جاء نتيجة للتّنازلات الأخلاقية.
وفي هذا الصدد، تقول الباحثة والمتخصّصة في علم الاجتماع، نجاة عرعاري، لمنصّة “هنَّ”: “أنَّ الوصم والأحكام المسبقة تجاه المتخصّصات في عالم التّجميل تستمدّ شرعيّتها من علاقة المجتمع بالنساء، وليس من المهنة في حدّ ذاتها. ففي السّابق، لم يكن يُسمح للنّساء بالتّجمّل إلاَّ للزّوج، ولما تمرّدت النّساء على الضّابط الاجتماعي والعادة، وأصبحت تتجمّل خارج حدود بيوتهن لأنفسهن وللعمل، أصبحن يُتّهمن بالتَّمرّد والخروج عن العرف، وبالتالي ارتبط الوصم بالمتخصّصات في عالم التَّجميل.”
وما يزيد في تعزيز الصور النمطية حول مهنة الحلاقة والتّجميل، هو التناول الدرامي لهاته المهنة وصاحباتها فكثيرا ما تُستحضر “الحجّامة” كشخصيّة سطحيّة تفتقر إلى العمق، فهي إمّا امرأة “ثرثارة” تنقل الإشاعات والأخبار بين النّساء وصنع الفتنة، أو شخصيّة ماديّة تبحث عن كسب المال بطرق ملتويّة، أو يُربط فضاء الصّالون بالفضاء الذي تُحاك فيه المكائد والمؤامرات النّسائيّة.
وهو ما تعتبره الباحثة نجاة عرعاري “تكريسا للوصم الاجتماعي وضمانا لاستمرار النّظرة الدّونيَّة تجاه العاملات في هذا القطاع، متجاهلا القصص الحقيقيّة لنساء عصاميّات كافحن لبناء بيوتهنّ وإعالة عائلاتهنّ من عرق جبينهنّ”. وتؤكِّد الباحثة أنّ “هذا التّصوير الدّرامي يستمدّ مغالطاته من نمطيّة العقل الجمعي وتمثّلات كتّاب السّيناريو والمخرجين، الذين هم بدورهم جزء من هذا المجتمع، وبالتالي يقع إعادة إنتاج نفس الأحكام، الكليشيهات، والصور.”
من جهته، حاول سيتكوم “الحجَّامة” من تأليف عمرالتوتي وإخراج زياد ليتيم، تقديم قراءة فنّية مغايرة نسبيّا حيث استُحضرت شخصيّة “الحجّامة” التي جسّدتها الممثّلة التُّونسيّة وجيهة الجندوبي بمشاركة ممثّلات أخريات كشخصيّة ماديّة، لكن بالمقابل قُدّم صالون التّجميل كمنصّة مفتوحة تُطرح من خلالها قضايا النّساء وإشكالاتهنّ اليوميّة بأسلوب هزلي ساخر، وفي جمع بين تكريس الصور النمطية وتقويضها في الآن ذاته.
ومع ذلك، ظلّ هذا الاستحضار الدّرامي ، رغم النجاح الذي حقّقه، حبيس المربّع الأوّل؛ إذ لم ينجح في القطع مع الصّور النَّمطيّة المترسّخة في العقل الجمعي حول صاحبات هذه المهنة. وبدلا من إنصافهنّ، أعاد العمل تدوير كليشيهات النّميمة، والهوس بالمظاهر.
قطاع يحتاج إلى مزيد من التنظيم
استفاد عالم التّجميل والحلاقة بشكل كبير من المجالات الأخرى، مستلهما حياة البذخ والمخملية التي يروّج لها المؤثّرون والمؤثّرات عبر السّوشيال ميديا. ومعه تغيرت مفاهيم عدّة، من بينها علاقة النّساء بالجمال، والموضة، والزفاف إذ لم يعد المكياج مجرّد تفصيل عابر، بل صناعة واقتصاد تقف خلفه كبرى الشركات والمخابر العالمية.
وبرز بالتوازي مع هذا التطور الكبير للمهنة نجوم في عالم التجميل وصالونات فخمة وعناوين أصبحت مرادفا للجمال والأناقة، وخدمات إضافيّة مثل الـ Spa، العناية بالبشرة، والاسترخاء وغيرها.
في المقابل، برزت أسعار خيالية من أجل هذه الخدمات التي بات حتى المواطن أو المواطنة البسيطة يرغب فيها باعتبارها أصبحت رمزا للتباهي والوجاهة والتفاخر وتتراوح أسعار ما يُسمى بـ “باك العروسة”، حسب تصريح إعلامي لرئيس المنظمة التونسيّة لإرشاد المستهلك لطفي الرّياحي، بين 700 يورو و800 يورو، وتصل في أحيان كثيرة إلى 3000 يورو، وتختلف هذه الأسعار حسب نوعية خدمات الصالون، موقعه، وشهرة صاحبه أو صاحبته.
هذا، ما تؤكّده محدّثتنا أحلام، وهي شابّة مقبلة على الزواج، قائلة: “قد تحوّلت رحلة البحث عن صالون تجميل لـ “ليلة العمر” إلى رحلة مرهقة نفسيَّاً.. كنت أبحث عن خدمات أساسيّة بسعر منطقي يناسب ميزانيتي، لكنّني اصطدمت بأسعار خياليّة لـ “حزمة العروس” (Pack Mariée) تتجاوز أحياناً راتب أشهر من عملي”.
ما يُمكن ملاحظته اليوم، هو أنّ المجتمع الاستهلاكي وصناعة الصّورة باتا المزوّد الأساسي لتطور هذه المهنة، فهذا التطوّر، بتشابكه مع مفاهيم الجمال الحديثة والـ “ترندات”، غيّر مفهوم وقواعد حفل الزفاف. ولم يعُد الفرح طقسا اجتماعيا للانتقال من العزوبيّة إلى الحياة الزوجية فحسب، بل تحوّل إلى منتج استهلاكي استعراضي يُسلّط على جسد العروس ليلة زفافها. وبناء على ذلك، أصبحت الفتيات يتسابقن ويدفعن أموالا طائلة للظهور بلمسة نجم أونجمة من نجوم الحلاقة والتّجميل.
لم يعد الصالون وصُنّاع وصانعات عالم التّجميل، يُقدّمون خدمة بل إسما، مكانة اجتماعية، وشعورا بالتميّز ويُقاس كل هذا بمدى قدرة العروس على دفع آلاف اليوروهات. إضافة إلى ذلك، ما يزال هذا القطاع عشوائيّا ويحتاج إلى مزيد من الرّقابة والتّنظيم. فرغم غياب الإحصائيَّات الرّسميّة الدقيقة حول عدد الصالونات الناشطة في تونس، وهو ما يطرح علامات استفهام عديدة، تكشف رئيسة الغرفة الوطنيَّة للحلاقة والتّجميل، فاتن العموري، أنّ 50 بالمئة من صالونات التّجميل تنشط في تونس بصفة غير قانونية وهو ما يطرح أسئلة تتعلّق بمدى الالتزام بقواعد المهنة وبسلامة الحريفات في حال ما كنّ يتلقين خدمات في الظل.
كلّ هذه التّحوّلات المتسارعة والتَّطورات الكبرى في عالم التجميل، وإن بدت في ظاهرها مجالا لإعادة صياغة علاقة النّساء بالجمال، ومساحة للتّغيير والبوح والبدايات الجديدة، إلاَّ أنّها قد تتحوّل إلى قالب جديد يفرضه منطق السوق، وهو ما يطرح أسئلة حول ما إذا كان صالون التجميل يُمثّل فعلا مساحة للتَّحرّر وتحقيق الاستقلال المادي، أم أنّه مجال صعب لا يدخله سوى صُنّاع الجمال المتفوّقون؟















