أصبحت قضية التعامل مع المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب موضوعا يطفو من حين لآخر على سطح النقاش العام، بين خطاب رسمي يؤكد على قيم الانفتاح والالتزام بالاتفاقيات الدولية، وواقع اجتماعي أكثر تعقيدا يطغى عليه أحيانا سوء الفهم والصور النمطية.
وتجد النساء الإفريقيات المهاجرات أنفسهن في قلب هذا الواقع، حيث تتقاطع تحديات الهجرة مع هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعلهن أكثر عرضة لصعوبات مضاعفة، سواء في الولوج إلى فرص الشغل أو في الاندماج داخل بعض الفضاءات الحضرية، أو حتى في التعاملات اليومية.
في هذا التقرير، تضع منصة “هنَّ” الإصبع على جرح اجتماعي حساس، من خلال فتح نافذة على تجارب إنسانية لمهاجرات قادمات من إفريقيا جنوب الصحراء، اخترن المغرب كمحطة للاستقرار، لكنهن وجدن أنفسهن في مواجهات معقدة.
“أشعر أنني مرئية أكثر من اللازم فقط لأنني سوداء”
تشد سيلين طرف وشاحها الأزرق كلما شعرت بنظرات امتعاض تتجه نحوها، تمشي بخطوات هادئة في أحد شوارع مدينة فاس المغربية، تراقب وجوه الناس التي تمر قربها، وتحاول أن تقنع نفسها كل صباح بأن هذا اليوم سيكون أخف من سابقه.
تحكي سيلين، في تصريحها لـ”هنَّ”، إنها جاءت من ساحل العاج “الكوت ديفوار” قبل سنوات، محملة بحلم الدراسة والاستقرار، لكنها اكتشفت سريعا أن “الغربة” ليست فقط بعدا عن الوطن، بل أحيانا شعورا ثقيلا بأنها مطالبة يوميا بإثبات إنسانيتها للآخرين.
في غرفتها الصغيرة، تحتفظ سيلين بصورة قديمة لوالدتها وهي تضحك وسط سوق شعبي في أبيدجان، تقول إن تلك الصورة وحدها تمنحها شعورا بالأمان حين تعود منهكة من عملها ليوم طويل.
تعمل سيلين في محل صغير، وتتابع دراستها بصعوبة، وتحاول أن تتجاهل الكلمات الجارحة التي تسمعها أحيانا في الشارع أو في وسائل النقل. أكثر ما يؤلمها، كما تقول، ليس الشتيمة المباشرة، بل تلك النظرة التي تجعلها تشعر وكأنها “دخيلة” مهما حاولت الاندماج.
وتضيف سيلين: “أشعر أنني مرئية أكثر من اللازم فقط لأنني سوداء”، تقول ذلك وتضحك كثيرا رغم كل شيء، ضحكة سريعة تشبه محاولة مقاومة الانكسار.
تحب سيلين الشاي المغربي، وتحفظ بعض الأغاني الشعبية، بل إن صارت تخلط الدارجة المغربية بلكنتها الإفريقية في حديثها اليومي، غير أنها تعترف أن الوحدة تكبر داخلها كلما سمعت أحدهم يربط لون بشرتها بصورة نمطية أو تعليق ساخر.
وترى سيلين، رغم ذلك، أن المغرب بلد جميل، وأن الناس الطيبين موجودون أيضا، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي أحد آخر بأن الأمل ما زال ممكنا.
حين تتحول المنافسة الكروية إلى عنصرية
كانت ماتي تمشي بخطوات مترددة داخل ممرات مدرسة بمضيفات الطيران، محاولة إخفاء ارتباكها خلف ابتسامة خجولة، في حديثها لـ”هنَّ”، تقول الشابة ذات الـ21 سنة، أنها جاءت من السنغال قبل أسابيع فقط، مضيفة أن المدينة بدت لها سريعة أكثر مما تخيلت، والوجوه كثيرة، واللغة مختلفة، والضجيج لا يمنح وقتا كافيا لالتقاط الأنفاس.
في ذلك اليوم، جلست داخل القسم وهي تراقب بصمت تفاصيل المكان. غير بعيد عنها، كانت الكاتبة وإحدى التلميذات تتحدثان بالدارجة المغربية، تلتفتان نحوها بين الحين والآخر بنظرات أربكتها، لم تفهم الكلمات، لكن نبرة الصوت وطريقة النظر كانتا كافيتين لتزرعا داخلها ألما صامتا. أحست للحظة بأنها دخيلة، وأن لون بشرتها ولهجتها يسبقانها إلى الأحكام قبل أن تنطق بأي كلمة.
كان التحاق ماتي بالمدرسة يتزامن أيضا مع فوز منتخب منتخب السنغال لكرة القدم بكأس إفريقيا، وهو حدث ملأ مواقع التواصل والمقاهي والأحاديث اليومية، كانت تلاحظ أحيانا نظرات مشحونة أو تعليقات مبطنة كلما عرفت بنفسها بأنها سنغالية، لم تكن تعرف إن كان الأمر مجرد إحساس عابر أم حقيقة، لكنها كانت تشعر بثقل خفي يرافقها في كل مكان.
أشكال متعددة من العنف الرمزي والاجتماعي
في تعليقها على هذه الظاهرة، ترى حنان السرغيني، أستاذة التعليم العالي بجامعة القاضي عياض، المتخصصة في قضايا الهجرة والنوع، أن “معاناة النساء المهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء تبدأ قبل وصولهنّ إلى المغرب بوقت طويل، إذ تدفعهن ظروف الفقر والحروب والعنف الأسري والأزمات الاقتصادية إلى مغادرة بلدانهنّ بحثا عن حياة أكثر استقرارا وكرامة”.
وتوضح في حديثها مع منصة “هنَّ”، أن العديد منهن يبعن ممتلكاتهن أو يتركن أبناءهن لدى أسرهن أملا في بناء مستقبل أفضل، فيما تصل أخريات إلى المغرب عبر مسارات قانونية أو بعد رحلات شاقة عبر الصحراء والحدود، حيث يتعرضن لمختلف أشكال الاستغلال والابتزاز والعنف، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية وفقدان الأموال والوثائق، بل وحتى فقدان رفيقات الرحلة أو الأطفال في بعض الحالات.
وأكدت السرغيني على أن “الوصول إلى المغرب لا يعني نهاية المعاناة، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات اليومية، حيث تجد العديد من النساء أنفسهن عالقات بين حلم الوصول إلى أوروبا واستحالة العودة إلى بلدانهنَ الأصلية”.
وأشارت إلى أن عددا منهن يشتغلن في التجارة البسيطة أو في صالونات التجميل وتصفيف الشعر الإفريقي في ظروف عمل صعبة تفتقر للحماية القانونية والاجتماعية، بينما تضطر أخريات إلى التسول من أجل تأمين احتياجاتهن الأساسية.
كما يواجهن، حسبها، صعوبات كبيرة في الولوج إلى السكن بسبب الأحكام المسبقة والتمييز المرتبط بلون البشرة أو الجنسية، ما يدفع الكثيرات إلى العيش في ظروف سكنية هشة وغير لائقة.
“النساء المهاجرات يتعرضن أيضا لأشكال متعددة من العنف الرمزي والاجتماعي، من خلال العنصرية والتنمر والصور النمطية التي تربط المرأة الإفريقية بالأمراض أو الدعارة أو ما يعتبر “خطرا صحيا”، وهو ما يساهم في تغذية الخوف والتمييز داخل المجتمع”، تضيف السرغيني.
كما أن الهشاشة الاقتصادية وانعدام البدائل تجعل بعض النساء أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والابتزاز والتحرش، خاصة في ظل الخوف من التبليغ أو فقدان فرص الاستقرار.
ورغم هذه التحديات، تؤكد السرغيني على أن “العديد من المهاجرات يواصلن مقاومة الظروف الصعبة من أجل إعالة أسرهن وبناء حياة مستقرة”، معتبرة أن “قضية النساء المهاجرات من جنوب الصحراء ينبغي أن تقارب باعتبارها قضية إنسانية وحقوقية تستدعي تعزيز الحماية ومحاربة العنصرية والاستغلال وترسيخ قيم الكرامة”.
“العنصرية تتغذى من تطبيع اجتماعي وصور نمطية”
ترى نورا الفواري، الصحافية المهتمة بالمجال الحقوقي، في حديثها إلى منصة “هنَّ”، أن موضوع العنصرية في المغرب يرتبط بـ”جوانب من الثقافة اليومية، حيث يتم استعمال بعض العبارات أو السلوكات ذات الحمولة التمييزية بشكل عادي في الحياة العامة دون وعي كامل بدلالاتها أو أثرها على الفئات المستهدفة”.
وتوضح أن “هذا لا يعني بالضرورة وجود نية مباشرة للإساءة، بقدر ما يعكس حالة من التطبيع الاجتماعي مع بعض أشكال الخطاب التمييزي التي أصبحت متداولة في المعيش اليومي”.
وتشير الفواري إلى أن “النقاش حول العنصرية تجاه الأفارقة من دول جنوب الصحراء برز بشكل أوضح في السنوات الأخيرة، خاصة بعد نهائي كأس إفريقيا، ليس باعتباره تحولا جذريا، بل لأنه عن ممارسات وسلوكيات كانت موجودة مسبقا داخل المجتمع، لكنها لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الانتباه”.
وتضيف أن بعض الفضاءات الحضرية، وعلى رأسها مدينة الدار البيضاء، تظهر هذه التوترات بشكل أكبر من خلال ملاحظات ميدانية وسلاسل من الروبورتاجات التي عاينتها خلال عملها الصحفي.
كما لفتت إلى أن بعض المظاهر اليومية، مثل التعامل داخل وسائل النقل أو في الفضاءات العمومية، قد تكشف عن درجات متفاوتة من التحفظ أو التمييز تجاه مهاجرين قادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، بغض النظر عن جنسياتهم.
وترى أن “هذه السلوكات، حتى وإن بدت بسيطة في ظاهرها، فإنها تساهم في تكريس صور نمطية وتعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع”.
وتضيف المتحدثة أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لعبت دورا ملحوظا في تأجيج هذا النقاش، من خلال السعي وراء التفاعل والانتشار، أحيانا على حساب المقاربة التوعوية أو التحليلية.
وتشير إلى أن “من يحاول تبني خطاب مختلف أو نقدي قد يواجه في بعض الأحيان ردود فعل قوية أو هجوما على مواقع التواصل، في سياق اجتماعي يتسم بحدة في التفاعل مع قضايا الهجرة والاختلاف”.
صداقة وانسجام.. استثناءات تُدمل الجراح
مع الأيام، بدأت المسافات لدى ماتي تضيق شيئا فشيئا، حيث صارت تفهم بعض الكلمات بالدارجة، وتضحك حين تخطئ في نطقها، بينما يساعدها زملاؤها على تصحيحها. اكتشفت أن خلف تلك النظرات الأولى كان يوجد أيضا فضول، وربما سوء فهم أكثر من الكراهية نفسها.
اليوم، حين تتجول ماتي في شوارع الدار البيضاء المزدحمة، لم تعد تشعر بالغربة نفسها. صار لها أصدقاء مغاربة ينتظرونها بعد الحصص، وصارت تحفظ أسماء الأحياء وخطوط الترامواي، وتعرف أين تشرب قهوتها المفضلة. لا تنكر أن لحظات الألم الأولى تركت أثرها، لكنها تعترف أيضا بأن المدينة منحتها شيئا آخر مع الوقت: فرصة حقيقية لأن ترى كإنسانة.
بعض الطالبات اللواتي بدين متحفظات في البداية، أصبحن اليوم يشاركن ماتي القهوة والحديث عن الدراسة والسفر والأحلام، ماتي اليوم مطمئنة، ومنسجمة، وتأمل أن يستمر الأمر على هذا الحال إلى نهاية السنة الدراسية.
من جانبها، تؤكد أنجيليك، الشابة القادمة من جمعورية الكونغو (الكونغو برازافيل)، في حديثها مع “هنَّ”، أنها على عكس الأخريات، لم تشعر يوما بأنها ضحية للعنصرية منذ استقرارها في الدار البيضاء.
تقول إن حياتها اليومية تسير بشكل عادي، وإنها لم تواجه مواقف جعلتها تشعر بالرفض أو الإقصاء بسبب لون بشرتها أو جنسيتها.
تعيش أنجيليك في سيدي معروف، أحد أحياء المدينة التي تضم عددا كبيرا من المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما جعلها تشعر منذ البداية بأجواء مألوفة.
وتعمل الشابة الكونغولية في صالون للتجميل، حيث تقضي معظم يومها بين الزبونات وزميلات العمل. وتقول إن علاقاتها المهنية والاجتماعية جيدة، وإنها وجدت في الدار البيضاء فضاء مريحا لبناء حياتها ومتابعة طموحاتها.
وتتنقل أنجيليك بسهولة بين الفرنسية والإنجليزية في حديثها مع الزبائن والجيران، وتستعمل لغتها الأم حين تلتقي بمواطنات كونغوليات، ما يمنحها شعورا بالانتماء والراحة.
هذا، وتشير معطيات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود أكثر من 102 ألف مهاجر بالمغرب سنة 2020، ويشكل المهاجرون القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء جزءا مهما منهم، كما تمثل النساء القادمات من إفريقيا جنوب الصحراء ما بين 15 و20 في المائة من مجموع المهاجرين.
ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الاندماج، ترى المنظمة، في دراسة لها، أن “التمييز المرتبط بلون البشرة والأصل يظل من بين أبرز التحديات التي تواجهها هذه الفئة في الحياة اليومية وفي الولوج إلى بعض الخدمات والفرص”.
كما تتعرض النساء الإفريقيات جنوب الصحراء “لأشكال متقاطعة من التمييز، تجمع بين العنصرية والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، ما يجعل معركة الاندماج والمساواة أكثر تعقيدا بالنسبة لهن”، تقول ذات الدراسة.















