في صباح يوم كان يُفترض أن يكون عاديًا، دخلت طفلة في الثالثة عشرة من عمرها إلى أحد مستشفيات العاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء لإجراء عملية بسيطة على مستوى الأذن. كانت تشكو من آلام حادة، ووالدها لم يتردد في البحث عن علاج لها. لم يكن الأب ولا أحد آخر يعلم أن هذه اللحظة ستتحول إلى بداية كابوس طويل.
بعد أيام من الجراحة، تلقى الأب اتصالًا من المستشفى يطلب منه إحضار ابنته لإجراء فحوصات إضافية.
لم يكن يدري أيضًا، أن هذه المكالمة ستغير حياة الأسرة إلى الأبد. نتائج التحاليل جاءت كالصاعقة: الطفلة مصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة (السيدا).
الصدمة والبحث عن الحقيقة
انهار الأب تحت وطأة الخبر، ولم يجد تفسيرًا لما حدث، كيف يمكن لابنته، التي نشأت في بيئة سليمة، أن تصاب بهذا الفيروس؟ بدأ الأطباء بإجراء تحاليل لجميع أفراد العائلة، فجاءت النتائج سلبية.
لم يكن هناك أي احتمال لنقل العدوى من داخل الأسرة، مما ترك احتمالًا واحدًا مرعبًا: الفيروس انتقل إليها خلال العملية الجراحية.
تحولت صدمة الأب إلى غضب، وقرر ألا يصمت، لجأ إلى “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، لطلب المؤازرة، فتبنّت المنظمة الحقوقية غير الحكومية قضيته ورفعت شكاية رسمية إلى الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، اليوم الثلاثاء 25 مارس 2025، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ونزيه في الحادثة التي وصفتها بـ”الانتهاك الخطير لحقوق الإنسان، خصوصًا الحق في الحياة والصحة والسلامة الجسدية”.
العدوى في المشفى
في تصريح لمنصة “هنَّ”، أكدت المحامية سعاد لبراهمة، عضو هيئة دفاع “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، أن والد الطفلة لجأ إلى الجمعية بحثًا عن الإنصاف بعد أن صُدم بنتائج التحاليل الطبية.
وأوضحت أن الطفلة “لم تكن تعاني من أي أمراض مزمنة أو مشاكل صحية قبل الجراحة، وأن الأطباء أجروا فحوصات شاملة للعائلة لاستبعاد انتقال العدوى منها، فجاءت جميع النتائج سلبية”.
وأضافت لبراهمة: “الطفلة لم يكن لها أي نوع من الاتصال المعدي، باستثناء العملية الجراحية التي أجريت لها”، وهذا ما يستدعي المطالبة بتحقيق جاد ومسؤول لمعرفة كيف انتقل إليها الفيروس داخل المستشفى.
المعاناة لا تنتهي
لم تتوقف مأساة الطفلة عند الإصابة بالفيروس، بل امتدت إلى محيطها العائلي والمدرسي. فمع انتشار الخبر، بدأت العائلة تواجه نظرات الشفقة والاتهام، ووجدت الطفلة نفسها معزولة بين عائلتها وزميلاتها، وهاهي تعاني من مرض لم يكن يومًا جزءًا من حياتها.
تقول المحامية: “منذ تلك اللحظة، أصبحت الطفلة تعيش في عزلة، خالتها التي كانت تقيم عندها للدراسة أصبحت تخاف منها”.
الطفلة صارت تخشى نظرات المجتمع، بينما يواجه والداها كابوسًا يوميًا بين القلق على صحتها والخوف من الوصم الاجتماعي.
القضية تهز الرأي العام
تسببت هذه الواقعة في حالة من الغضب في الأوساط الحقوقية والصحية بالمغرب. فكيف يمكن أن تنتقل عدوى قاتلة داخل منشأة طبية يُفترض أنها تضمن أعلى معايير السلامة؟ هل هو إهمال طبي؟ أم هناك خلل أكبر في نظام التعقيم والمراقبة داخل المستشفيات؟
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان شددت على “ضرورة تحميل المسؤولية لكل من ثبت تورطه في هذه الكارثة”، محذرة من أن “غياب المحاسبة قد يؤدي إلى تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل”.
أسئلة مفتوحة.. وإجابات غائبة
اليوم، تعيش الطفلة وأسرتها في دوامة من الحزن والأسئلة التي لا تزال دون إجابة. كيف يمكن لخطأ طبي – إن ثبت ذلك – أن يسلب طفلة بريئة حقها في العيش دون خوف؟ وهل سيتم تحقيق العدالة لهذه العائلة التي وجدت نفسها ضحية خطأ قد لا يُمحى أثره أبدًا؟
وبينما تنتظر الأسرة قرار السلطات القضائية، يبقى الأمل معلقًا بأن يكشف التحقيق الحقيقة، ليس فقط لإنصاف هذه الطفلة، ولكن لضمان ألا يمر غيرها بالتجربة ذاتها.



















