من “الديسكورد” إلى الميدان.. “جيل Z” يهز الشارع وينتفض ضد “مغرب بسرعتين” 

منذ يوم السبت الماضي، يخرج مئات الشبان والشابات إلى الشارع، في عدة مدن مغربية، رافعين شعارات بمطالب واضحة؛ المزيد من الاستثمار في الصحة، التعليم، والخدمات الأساسية، ووضع حد للفساد.

هذه الاحتجاجات، انتقلت إلى الشارع بعد نقاشٍ على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما دعت إليها مجموعة تطلق على نفسها إسم GENZ212 (وهو اختصار يجمع بين “الجيل Z”، والرمز الهاتفي للمغرب). 

كانت المجموعة تعتمد على تطبيق “Discord”؛ للدردشة والاجتماعات والنقاشات، وقد تجاوز عدد المشاركين في قناته 50 ألفاً. وهناك يقررون مواعيد النزول إلى الشارع، ويناقشون سبل إيصال مطالبهم.

وكان كل شيء مرتجلاً خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى درجة أنّ الشعارات كانت شبه غائبة، ولم يرفع الشباب لافتات إلا في مناسبات قليلة. ومن بين الهتافات الأكثر ترديداً: “لا نريد كأس العالم.. نريد الصحة”، في إشارة إلى الإنفاق الضخم على الملاعب والبنى التحتية الجديدة الذي تفرضه استضافة المغرب، إلى جانب إسبانيا وفرنسا، لكأس العالم لكرة القدم 2030.

قراءة المزيد: من “الديسكورد” إلى الميدان.. “جيل Z” يهز الشارع وينتفض ضد “مغرب بسرعتين” 

وبالإضافة إلى المطالبة بتحسين قطاعي الصحة والتعليم، ظهرت بعض اللافتات التي دعت إلى العدالة، الكرامة والديمقراطية. كما تخللت المسيرات أعلامٌ فلسطين.

وتمكّن الصحافيون من تغطية المظاهرات من دون مضايقات كثيرة، غير أنّ معظم وسائل الإعلام تجاهلتها تمامًا. 

فبالنسبة للإذاعات والقنوات التلفزيونية المغربية، لم يكن للاحتجاجات وجود، وتلك هوّةٌ واسعة تفصل بين ما يقدمه الإعلام الرسمي من أخبار، وما يستهلكه الشباب المغربي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ما تزال حرية التعبير ممكنة.

300 معتقل من عدة مدن

واجهت السلطات هذه التحركات بانتشار أمني كثيف في مدن مثل الرباط، الدار البيضاء، طنجة، مراكش وتطوان وغيرها. كما سُجّلت اعتقالات واسعة في كل مرة حاول المحتجون التجمّع. 

“الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، تحدثت عن أكثر من 300 موقوف في الرباط خلال ثلاثة أيام، إضافة إلى عشرات آخرين في مدن أخرى. يفرج عن غالبيتهم فجرًا بعد ساعات من التوقيف، فيما تنتظر عائلاتهم أمام مراكز الشرطة. 

وفي حالة إعتقال تمت متابعة شابين من مجموعة الرباط، و24 من مجموعة الدار البيضاء، بينهم 6 قاصرين، حسب تصريح النائب الأول للوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء. 

وتمت متابعة المعتقلين، الذين أطلق سراح بعضهم، وتوبع آخرون في حالة إعتقال، حيث تمت متابعة شابين من مجموعة الرباط في إعتقال، و24 من مجموعة الدار البيضاء، بينهم 6 قاصرين، حسب تصريح النائب الأول للوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

ووفقًا للمعطيات التي أكدتها مصادر “هنَّ”، فقد “تم توقيف 300 شاب وشابة في اليوم الثالث من الاحتجاجات في كل من مدن؛ الرباط، الدار البيضاء، مراكش وجدة، بركان طنجة، خنيفرة، أكادير وغيرها من المدن”.

وكانت الاحتجاجات في طنجة والدار البيضاء هي الأكبر، وتعرض فيها المتظاهرون لتدخلات عنيفة من الشرطة؛ أما في الرباط، فتحولت المحاولات إلى مطاردات في شوارع وسط المدينة؛ يتجمع الشباب، يهتفون بشعاراتهم، وبمجرد ظهور قوات مكافحة الشغب يبدؤون في الركض. 

وأمس الإثنين، وبعد تسجيل غياب أي رد من الحكومة، رفع المحتجون شعار “الشعب يريد استقالة أخنوش”، وكان هذا الشعار هو الأبرز، ليعتقل بعضهم أثناء الهروب، وآخرون خلال حديثهم أمام كاميرات الصحافة. 

هذا التعامل أثار سخط المحتجين أكثر، حيث صرح أحدهم “لا نفهم لماذا يمنعوننا من التعبير، نحن نتظاهر سلمياً ولا نفعل شيئاً خاطئاً”، بينما يضيف آخر “هذا حقنا، والدستور يكفله”. 

“جيل الشذوذ”.. عنف جسدي ولفظي في المخافر! 

وفي التصريح الرسمي للنيابة العامة بخصوص المعتقلين الذين جرى تقديمهم اليوم الثلاثاء في الدار البيضاء، “تم تقديم المشتبه فيهم أمام النيابة العامة مؤازرين بدفاعهم حيث قررت النيابة العامة تقديم ملتمس بإجراء تحقيق مع الرشداء البالغ عددهم 18 من أجل الاشتباه في ارتكابهم لجناية عرقلة سير الناقلات بغرض تعطيل المرور ومضايقته واستهلاك المخدرات بالنسبة للبعض منهم، مع إلتماس إيداعهم السجن فيما تمت إحالة القاصرين البالغ عددهم 6 على المستشار المكلف بالأحداث”.

وعلى خلفية اعتقالات حراك “جيل زد”، قدُم اليوم أكثر من 35 معتقلًا بينهم أربع شابات، للمحكمة الإبتدائية في الرباط؛ كانوا قد اعتقوا يوم الأحد الماضي أثناء خروجهم في المظاهرات المطالبة بإصلاح التعليم والصحة في المغرب، وقد تمت متابعة المجموعة الأولى في حالة سراح مع غرامة مالية.

وتعرضت إثنتان من الشابات المعتقلات للتحرش، ووفقًا لمصادر “هنَّ”، فقد أكدتا على أنهنّ “تعرضن للعنف أثناء توقيفهنّ وللتحرش هنّ والشابات اللواتي تم اعتقالهنَ يوم أمس الإثنين”.

وحسب ما أكدته مصادر حقوقية لـ”هنَّ”، فقد “عاين وكيل الملك (النيابة العامة) آثار العنف على بعض الشباب”.

وخلال اعتقال الشباب في مدة الحراسة النظرية، تعرض الشباب الذين تم اعتقالهم والذين “كان لباسهم مختلفًا للسب والشتم وتم وصفهم بالـ’شواذ’ ونعتوهم بـ’جيل الشدود’ كما طرحت عليهم أسئلة من قبيل ‘هل كنت تعرف أن الوقفة غير مرخص لها؟ هل دعيت للوقفة؟”.

وحسب المصادر الحقوقية التي تتابع الملف فإن “من بين المعتقلين من لم يكونوا أصلا في الوقفات الاحتجاجية، ومن بين التهم الموجهة إليهم: التجمهر غير المرخص، عرقلة عمل القوات العمومية، الدعوة لتجمهر بدون ترخيص”.

من الافتراضي إلى الشارع 

يُعقد كل مساء عبر تطبيق منصة “Discord” ما يشبه “البرلمان الافتراضي”، وهو نقاشٌ يشارك فيها الآلاف بالأفكار وتبادل المقترحات، وليلة الأحد وحدها جمع اللقاء أكثر من 3000 مشارك، وهناك تقررت الدعوة لموجة جديدة من الاحتجاجات. 

“إنه وقتنا الذي انتظرناه طويلاً”، تقول شابة بصوت متأثر، بينما يضيف آخر من الرباط، “نريد الحرية… سنخرج غدًا، الأسبوع المقبل والشهر المقبل، ولن نتوقف حتى تُسمع مطالبنا”.

بعد الصمت.. الحكومة: “إصلاح المنظومة الصحية يتطلب وقتًا” 

بعد أربعة أيام من الصمت على احتجاجات الشباب، عقدت رئاسة الأغلبية الحكومية اجتماعًا يوم الثلاثاء 30 شتنبر 2025 بالرباط، خصص لمناقشة مستجدات الدخول السياسي والظرفية الاقتصادية والاجتماعية.

وأكدت الأغلبية، برئاسة عزيز أخنوش وبحضور قادة أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، “التزامها بتفعيل التوجيهات الملكية المتعلقة بتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ضمن مشروع قانون المالية 2026”.

وشددت على “تفهمها للتعبيرات الشبابية الأخيرة في الشارع ومواقع التواصل”، مؤكدة “استعدادها للتجاوب عبر الحوار والنقاش داخل المؤسسات”، ومعتبرة أن “الحوار هو السبيل لمعالجة الإشكالات”.

كما أقرت بوجود “تراكمات مزمنة في قطاع الصحة، مبرزة أن إصلاح المنظومة الصحية ورش ضخم يتطلب وقتًا”، مع إشادتها بالمبادرات البرلمانية لفتح نقاش موسع حول الملف.

وجددت الأغلبية تأكيدها على “مواصلة تنفيذ البرنامج الحكومي، خاصة في مجالات الحماية الاجتماعية، الصحة، التعليم، التشغيل، السكن، الماء، والعدالة، بما يعزز العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن”.

بلد المتناقضات

في العاصمة، طوقت الشرطة محيط البرلمان حيث تجري أشغال الترميم استعدادًا لافتتاح الدورة البرلمانية المقبلة، وعلى الرصيف شاشة إلكترونية تُحصي الأيام المتبقية لانطلاق كأس إفريقيا للأمم، الذي بقيت له أقل من ثلاثة أشهر. بينما في المقابل، ماتزال ملاعب عدة في طور التهيئة قبل موعد البطولة.

هذا التباين والتناقض بين الاستثمارات في الرياضة وإهمال الصحة والتعليم، كان حاضراً بقوة في الشعارات التي رددها المحتجون، والتي كانت “التيرانات هاهوما، السبيطارات فينانوما”، كما هتف المتظاهرون يوم الإثنين في الرباط. 

وقال شاب أمام الصحافة، “المستشفيات تفتقر للتجهيزات، بينما ملاعب كرة القدم مجهزة بأحدث التقنيات، لا نريد الكرة نريد مستقبلنا”. 

وتجدر الإشارة إلى أن خلفية السخط الشعبي أوسع من أحداث هذا الأسبوع، فخلال الأسابيع الماضية شهد المغرب مظاهرات أمام مستشفيات للتنديد بسوء الخدمات، وأخرى للمتضررين من زلزال الأطلس الذي ضرب البلاد قبل عامين، وكذلك مسيرات داعمة لفلسطين تطالب بوقف التطبيع مع إسرائيل، كما يضاف إلى ذلك التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة الذي يرهق جيوب المواطنين.

بلد بسرعتين

شعار “بلد بسرعتين”، الذي يتكرر على ألسنة المحتجين، وفي مواقع التواصل، في إشارة إلى الفوارق بين المدن الكبرى وباقي المناطق، أو بين الأجيال، كان الملك محمد السادس قد تناوله في خطابه الأخير شهر يوليوز الماضي). 

وقال العاهل المغربي في خطابه في عيد العرش “ماتزال هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية، وهو ما لا يتماشى مع تصورنا لمغرب اليوم، ولا مع جهودنا في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.

وفي أعقاب احتجاجات منتصف شتنبر أمام بعض المستشفيات، قام وزير الصحة بزيارات ميدانية بينها مستشفى أكادير، حيث توفيت ثماني نساء في قسم الولادة خلال أسبوع واحد بسبب جرعات ضعيفة من المسكنات، وفق ما تناوله نشطاء وتقارير إعلامية محلية. لتعلن الوزارة عن إجراءات استثنائية، لكن ذلك لم يهدئ الغضب الشعبي.

مقابل صوت الشارع، التزمت السلطات الصمت دون أي تصريح رسمي، بينما خرجت منظمات حقوقية وجمعيات مدنية تدعو للاستماع لمطالب الشباب وتدين الاعتقالات.

وفي بلد يبلغ عدد سكانه 38 مليون نسمة، هناك 8,2 ملايين شاب وشابة بين 15 و29 سنة، هم “الجيل Z”، أكثر الفئات اتصالاً بالأنترنت، والأكثر عدداً بين الجامعيين، لكن أيضاً الأكثر معاناة من البطالة والهشاشة، فحسب مندوبية الإحصاء، يبلغ معدل البطالة بين الشباب في عمر 15 و24 عاما؛ 36 بالمائة.

وما بين ملاعب عالمية تُشيَّد وصروح صحية متهالكة، وما بين صمت الدولة وصخب الشارع، يقف المغرب على عتبة مفترق طرقٍ حاسم، يرسم فيه شبابه ملامح الغد، ويرى المتابعون أن هذز الشباب قد أبلغ رسالته، وبقي أن نرى ما إذا كان القمع سينجح في كبح حراكهم غير المسبوق، الذي انطلق يوم السبت وأعلن عزمه على الاستمرار، أم ستتجاوب الدولة معهم، لكن ما لا شك فيه، والذي يجمع الجميع عليه، هو أن السخط الشعبي الذي يسود المجتمع المغربي قد بلغ منتهاه.

اقرأ أيضا

  • المرأة الموريتانية والسياسة.. بين الطموح والعوائق الخفية! 

    تظل مشاركة المرأة الموريتانية في الحياة السياسية تحديًا معقدًا، إذ لم يكن تطورها في هذا المجال سلسًا، ومازالت العقبات تحول دون وصولها إلى مناصب قيادية، ترسّخت بفعل الأعراف والقوانين غير المكتوبة. ورغم الجهود المبذولة من الجهات الرسمية، والمدفوعة بضغط المنظمات الدولية والإقليمية، تبقى هذه التحديات قائمة، حيث تعاني النساء من ضعف التمكين الحقيقي، وانعدام الثقة…

    سلطانة خليفة|

  • بين المشاركة والمقاطعة.. موقع المرأة الجزائرية في معركة الانتخابات 

    تتجه اليوم، الفئة الناخبة الجزائرية إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثل الشعب الجزائري، ورئيسًا جديدًا يحكم البلاد لمدة خمس سنوات قادمة، في انتخابات مسبقة، ويخوض هذا الاستحقاق  ثلاثة مرشحين، أبرزهم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي صعد إلى سدة الحكم في عام 2019 بعد رحيل بوتفليقة، ويرافقه في هذا السباق  كل من يوسف أوشيش عن حزب…

    ماجدة زوين|

  • أمواج “قافلة الصمود” المغاربية هل تتكسر على صخور مصر؟

    في مبادرة غير مسبوقة على مستوى شمال إفريقيا، انطلقت يوم الاثنين 9 يونيو 2025 قافلة برية ضخمة حوالي 7 آلاف ناشط مؤيد للقضية الفلسطينية من دول المغرب الكبير، في طريقها إلى معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة، بهدف إيصال مساعدات إنسانية والضغط على السلطات المصرية لفتح ممر إنساني عاجل إلى القطاع المحاصر.  هذا التحرك يأتي…

    Hounna | هنّ|

  • زبيدة عسول: جربت المقاطعة لكنها لم تأتي بنتيجة والاستقالة من العمل السياسي لا تحدث التغيير

    دخلت المحامية والسياسية  زبيدة عسول السباق نحو كرسي الرئاسة في مارس الماضي٫ حيث كانت أول من أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية في الجزائر٫ ترشح رافقه الكثير من الجدل، انتهى برفض ترشحها لرئاسة الجمهورية الجزائرية. تعتبر عسول واحدةً من أبرز وجوه المعارضة في الجزائر، حيث انضمت إلى حركة "مواطنة" في يونيو 2018، وهي حركة التي ناضلت ضد…

    ماجدة زوين|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.