من “الخيرية” إلى الشارع ثم قفص الاتهام.. تراجيديا حياة قُصّر من مجتمع الميم-عين-كيو+

 “قرب منتصف ليلة 19 غشت، كانت قمر، عابرة جندرياً تبلغ 17 عاماً (اسم مستعار)، ورفاقها داخل المنزل الذي يقطنونه بحي ليراك في فاس، يعدّون عشاءهم كالمعتاد، قبل أن تقطع أصوات الحجارة حديثهم داخل البيت. في البداية لم يفهموا ما الذي يحدث، ثم بدأت الحجارة تدخل عبر النوافذ، فيما كانت الزجاجات تتكسر في محيط المنزل.

تقول قمر في حديثها لمنصة “هنّ”: “كنا في منزلنا نُحضّر عشاءنا، جالسين بهدوء، إلى أن بدأنا نسمع الحجارة وهي تتساقط داخل المنزل”، خرج بعضهم لمعرفة مصدر الهجوم، فوجدوا عدداً من شبان الحي متجمعين أمام المنزل، بينما كان المطلب الذي تكرر، بحسب روايتها: “بغيناكم تخرجوا هاد النهار من الدار”.

لم تكن تلك الليلة أول احتكاك لهم داخل الحي. منذ استقرارهم في المنزل قبل أشهر، تقول قمر إنهم تعرضوا لمضايقات وتهديدات مرتبطة بطريقة لباسهم وتعبيرهم الجندري ووجودهم في الحي، لكن ما وقع تلك الليلة كان أكثر حدة؛ تحولت الشتائم إلى رشق بالحجارة والزجاجات، قبل أن يرد بعض أفراد المجموعة بالطريقة نفسها.

مع اتساع المواجهة، اتصلوا بالشرطة، كانوا ينتظرون تدخلاً ينهي الاشتباك ويتيح لهم العودة إلى منزلهم، خصوصاً أن هذا البيت بالنسبة إلى عدد منهم لم يكن مجرد مكان للكراء؛ كان السقف الذي وجدوه بعد سنوات داخل مؤسسات الرعاية، وفترات في الشارع، ومحاولات للعثور على مكان يقبل بإيوائهم.

لكن وصول الشرطة لم ينه القصة عند باب المنزل؛ فالأشخاص الذين اتصلوا بها طلباً للحماية سيجدون أنفسهم بعد ساعات داخل مقر الأمن، ثم أمام القضاء.

من طلب الحماية إلى الاعتقال

تقول قمر إن عناصر الشرطة، بعد وصولها إلى الحي، طلبت منهم مرافقتها إلى مقر الأمن، وأخبرتهم أن بقاءهم في المنزل لم يعد آمناً وأن انتقالهم إلى المقر سيكون من أجل حمايتهم. بالنسبة إليها ورفاقها، لم يكن الأمر في تلك اللحظة اعتقالاً؛ كانوا يعتقدون أنهم سيقضون ما تبقى من الليل بعيداً عن المواجهة ثم يغادرون.

تستعيد تلك الساعات قائلة إنهم ظلوا ينتظرون انتهاء ما اعتبروه إجراءات للحماية، لكنهم، بحسب شهادتها، بدأوا يسمعون داخل المقر عبارات مهينة مرتبطة بميولهم الجنسية وتعبيراتهم الجندرية. وتقول إن أحد عناصر الشرطة خاطبهم بعبارة: “لقد كثُرتم أيها المثليون”، ، فيما ظلوا في المقر خلال الليل واليوم التالي.

سمر، عابرة جندرياً تبلغ 17 عاماً (اسم مستعار)، كانت ضمن المجموعة أيضاً. تقول إن عناصر الشرطة قدمت إليهم لاحقاً محاضر للتوقيع من دون أن يتم الاستماع إليهم، بحسب روايتها: “عطاونا المحضر واجد وقالوا لينا سنيوا”. وتضيف أنها لم تقرأ ما وقعت عليه، ولم تعرف ما يتضمنه المحضر إلا عند تقديمها أمام وكيل الملك، حيث تقول إنها فوجئت باتهامات مرتبطة بالسكر وإحداث الضوضاء والتحريض على الفساد والمثلية والدعارة، وهي أفعال تنفي أن تكون الشرطة قد ضبطتهم متلبسين بها.

تتقاطع هذه الروايات مع ما جمعته صفاء أقراب، الناشطة في مجموعة “Line Justice”، من شهادات أفراد المجموعة. تقول في حديثها لمنصة “هنّ” إن المجموعة كانت داخل المنزل عندما بدأ شبان من الحي برشق المكان بالحجارة، وإن أفرادها اتصلوا بالشرطة بأنفسهم بعدما تصاعدت المواجهة.

“الشرطة أخذتهم إلى المخفر على أساس أن المبيت في المنزل غير آمن”، توضح أقراب، مشيرةً إلى أنهم ظلوا يعتقدون أن وجودهم هناك مرتبط بحمايتهم مما كان يحدث خارج المنزل.

بحسب أقراب، استمر هذا الاعتقاد حتى قُدمت لأفراد المجموعة محاضر للتوقيع. وتقول إن الشهادات التي جمعتها تفيد بأنهم أُخبروا بأن بقاءهم لمدة 48 ساعة يأتي في إطار حمايتهم، قبل أن يفاجؤوا عند تقديمهم أمام النيابة العامة بطبيعة المتابعة الموجهة إليهم.

وتوضح أقراب أن “تفاصيل تلك الليلة يصعب التحقق منها بشكل كامل في ظل عدم الاطلاع على محاضر الشرطة وإضراب المحامين خلال تلك الفترة، ما يجعل جزءاً مما جرى داخل مقر الأمن مستنداً إلى روايات أفراد المجموعة”.

لكن قصة هؤلاء لا تبدأ من ليلة 19 غشت؛ قبل أن يصبح منزل ليراك عنواناً لقضية قضائية، كان عدد ممن عاشوا فيه أطفالاً داخل مؤسسات للرعاية.

كبرنَ داخل مؤسسة للرعاية.. من كان يحميهنَّ؟ 

كانت قمر في الرابعة من عمرها عندما وصلت إلى دار الوفاء للأطفال بفاس، المؤسسة التي ستقضي داخلها معظم طفولتها ومراهقتها. تقول لمنصة “هنّ”: “فاش وصلت للخيرية كان عندي 4 سنين… ماكانعرف لا أم لا أب ديالي”. (عندما وصلت لدار الأطفال كنت ذات أربع سنوات، لا أعرف أبوي)، لم تكن تعرف أسرة تعود إليها، وتختصر ما كانت تبحث عنه خلال تلك السنوات بقولها: “كنت كانبغي نحس بالحنان ومالقيتوش”، (كنت أبحث عن الحنان ولم أجده). 

واصلت دراستها داخل المؤسسة إلى حدود سن الخامسة عشرة، لكن تفاصيل الحياة اليومية لم تكن، بحسب شهادتها وشهادات أخرى من المجموعة، “مستقرة دائماً”.

تقول سمر إن الطعام كان يوضع في أوقات محددة، ومن يتأخر قد لا يجد ما يأكله بعدما يسبقه الآخرون إليه. وتضيف: “إلى ماكنتيش كادبر على راسك، والله ما تأكل مقادة”، (إذا لم تكن تستطيع أن تعيل نفسك، لن تأكل لقمة صالحة)، موضحة أن عدداً منهم بدأ منذ سن مبكرة في الخروج ومحاولة تدبير احتياجاته بنفسه.

تقول سمر إنها بدأت الخروج إلى الشارع وهي في حدود الرابعة عشرة، وإنها قضت خلال السنوات التالية فترات خارجه. وبحسب وصفها، لم تكن المؤسسة تتابع بشكل فعلي تحركات المقيمين فيها: “الخيرية كاع ما يديوهاش فيك خرجت ولا دخلت”، (في دار الأطفال يكن أحد يهتم بخروجنا أو دخولنا). 

بالنسبة إلى قمر، بدأ تحول آخر عندما بلغت نحو الخامسة عشرة. تروي إن العاملين لم يكونوا يتوصلون بأجورهم بانتظام، وغادر عدد من المربيات الدار، قبل أن يجري توزيع المقيمين على فضاءات مختلفة في فبراير 2024. بقيت هي داخل المؤسسة، لكنها نُقلت، وهي تقترب من السادسة عشرة، إلى جناح يضم شباباً تتراوح أعمار بعضهم بين العشرين والخامسة والعشرين عاماً.

هناك، تتذكر إنها بدأت تقضي وقتها مع مجموعة من الشباب المثليين، وتستعيد تلك المرحلة بقولها إنها اختارت الجلوس معهم لأنها كانت تراهم بعيدين عن المشاكل مقارنة بمجموعات أخرى داخل الجناح. وتصف تجربتها الشخصية بالقول إن حياتها “بدات كاتحول إلى المثلية” (بدأت أصبح مثلية)، موضحة إنها بدأت تقلد بعض تصرفاتهم وتقضي معهم معظم وقتها. وتقدم قمر هذا الوصف باعتباره قراءتها الشخصية لتجربتها في تلك المرحلة من حياتها.

في الجناح نفسه، تسرد إن غياب المؤطرين والحراسة ليلاً جعل القاصرين يعيشون إلى جانب شباب أكبر منهم سناً من دون حماية كافية. وتتذكر أنها تعرضت لتهديدات ذات طابع جنسي، من بينها واقعة تقول إن شاباً أكبر منها جاء إليها ليلاً وطلب منها خلع ملابسها الداخلية مهدداً إياها إن رفضت. لم يقع الاعتداء في النهاية، لكنها تقول إنها اشتكت للإدارة “ما مرة ما جوج” (مرات عدة)، وكان الرد الذي تتذكره: “ماشي شغلنا” (لا يعنينا). 

من دار الرعاية إلى الشارع 

استمر بقاء قمر في جناح الكبار إلى أن وقعت مشاكل جديدة داخل المؤسسة، فجرى نقل عدد منهم إلى مركز ببنسودة مخصص، بحسب وصفها، لأشخاص في وضعية تشرد. كانت ما تزال قاصراً واعترضت على بقائها هناك، قبل أن تُعرض حالتها على النيابة المكلفة بالأحداث. تقول إن الحل الذي قُدم لها ولقاصرةٍ أخرى من المجموعة كان هو نقلهما إلى مؤسسة إصلاحية.

داخل الإصلاحية، لم تستمرا سوى ليلة واحدة، بحسب شهادتها. في الساعات الأولى من الصباح، تتذكر إن عدداً من المقيمين حاولوا الدخول إلى المكان الذي كانتا تنامان فيه، قبل أن يأتي أحد المؤطرين ويطلب منهما جمع أغراضهما والمغادرة: “جمعوا حوايجكم خرجوا فحالكم… نتوما ما شفارة، ما قاتلين، ما ضاربين… مايمكنش تجلسوا هنايا”، (اجمعوا أغراضكم واخرجوا من هنا، أنتما لستما لصتين ولا قاتلتين، يستحيل بقاءكما هنا).

عادتا بسيارة أجرة إلى دار الوفاء، لكنهما تقولان إنهما لم تجدا هناك من يتولى مسؤوليتهما أو يوفر لهما مكاناً للاستقرار. وبحسب سمر، كان بعض أفراد المجموعة قد خرجوا من الخيرية مباشرة بعدما طُلب منهم المغادرة، وقضى بعضهم ليلته الأولى في الشارع قبل العثور على مكان للكراء، فيما تقول قمر إنها قضت مع آخرين نحو أسبوع يبحثون عن منزل.

ترى صفاء أقراب أن “هذه المسارات لا يمكن اختزالها في قرار فردي بالتشرد أو مغادرة المؤسسة”، وتؤكد على إن “بعض أفراد المجموعة عاشوا منذ طفولتهم داخل دار الوفاء، قبل أن يجدوا أنفسهم خارج منظومة الرعاية من دون انتقال يضمن لهم سكناً أو تعليماً أو تكويناً أو مورداً يسمح لهم بالاستقلال”.

“التشرد لم يكن اختياراً، بل نتيجة إقصاء من منظومة كان من المفروض أن تحميهم”، تقول أقراب، مضيفة أن القصة بدأت قبل الشارع بسنوات؛ من ضعف المواكبة والحماية داخل المؤسسة، وصولاً إلى الخروج منها من دون بديل واضح.

بعد الخروج، بدأ عدد منهم يبحث عن مكان يعيشون فيه معاً. تختلف الشهادات بشأن المدة التي قضوها في الشارع؛ سمر تتحدث عن ليلة، فيما تتحدث قمر عن نحو أسبوع. لكنهما تلتقيان عند النتيجة نفسها: لم يكن هناك بيت يعودون إليه، وكان عليهم أن يبحثوا بأنفسهم عن سقف يجمعهم.

بيت ليراك.. السكن الجماعي كوسيلة للبقاء

استقر أفراد المجموعة في المنزل بحي ليراك قبل نحو سبعة أو ثمانية أشهر من ليلة الاعتداء. بالنسبة إلى قمر، منحها الانتقال إليه مساحة مختلفة عن تلك التي عرفتها داخل مؤسسات الرعاية أو خلال الأيام التي قضتها في الشارع. تقول إنها في البداية كانت تخرج بملابس ذكورية، قبل أن تبدأ تدريجياً في ارتداء الملابس التي ترغب فيها والتعبير عن نفسها بالطريقة التي تريدها.

داخل المنزل، تقاسموا الكراء والمصاريف اليومية، وحاول كل واحد منهم تأمين ما يستطيع. لم يكن اجتماعهم تحت سقف واحد، بحسب شهاداتهم، مرتبطاً فقط بعلاقات الصداقة، بل أيضاً بصعوبة أن يجد كل واحد منهم بمفرده مكاناً للسكن أو مورداً يسمح له بالاستقلال.

تعتبر صفاء أقراب إن النظر إلى هذا السكن باعتباره مجرد اختيار لنمط حياة يتجاهل المسار الذي أوصل عدداً من أفراده إليه. “ما يحصل اليوم هو تجريم آلية بقاء”، تقول أقراب، موضحة أن السكن الجماعي يشكل بالنسبة إلى عدد من الأشخاص الكويريين وسيلة للرعاية المتبادلة والحماية وتنظيم الحياة عندما تغيب البدائل الأخرى.

تربط يوغا رطان، المديرة التنفيذية الشريكة لمجموعة “سقف”، بدورها بين السكن الجماعي ومسارات الإقصاء التي يواجهها أفراد من مجتمع الميم-عين. وتقول لمنصة “هنّ” إن “إغلاق أبواب الأسرة والسكن والعمل ومؤسسات الرعاية أمامهم يجعل السكن الجماعي والشارع من بين خيارات البقاء القليلة المتاحة لبعضهم”.

لم تمر الأشهر التي عاشتها قمر ورفاقها في ليراك من دون احتكاكات، تحكي إن بعض سكان الحي بدأوا يعلقون على لباسهم وطريقة ظهورهم في الشارع، قبل أن تتحول المضايقات، بحسب شهادتها، إلى تهديدات مباشرة. وتتذكر من بينها: “خرج شي واحد منكم من باب الدار وتشوف شنو ندير فيه”، (ليخرج أحدكم خارج المنزل وسيرى ما سأفعل به)، وتهديداً آخر بالضرب وتشويه الوجه لإجبارها على الظهور بطريقة أكثر ذكورية.

وينقل أحد سكان الحي وجود تذمر لدى بعض الجيران من المجموعة، ويربطه بما يقول إنها شكاوى من الضوضاء واستقبال أشخاص داخل المنزل. غير أن الساكن يوضح أن جانباً من المعلومات التي يوردها حول ما كان يحدث داخل البيت لم يعاينه بنفسه، بل سمعه من شاب آخر في الحي.

أما بشأن الفترة الأولى من إقامة المجموعة في ليراك، فيقول إنها مرت من دون مشاكل كبيرة، وإن الاحتكاكات ظهرت لاحقاً. وهي إفادة تشير إلى أن العلاقة مع جزء من المحيط بدأت تتوتر مع مرور الوقت، من دون أن تقدم شهادة مباشرة عما كان يجري داخل المنزل أو عما حدث في الليلة التي انتهت بتدخل الشرطة.

حين يصبح تدبير لقمة العيش تهمة

العثور على منزل لم يحل سؤالاً آخر كان يلاحق عدداً من أفراد المجموعة: من أين سيأتون بالمال لتغطية الكراء والطعام والمصاريف اليومية؟

بعضهم خرج من مؤسسة الرعاية من دون عمل أو تكوين يتيح له دخلاً مستقراً، فيما تقول سمر إن الحاجة إلى تدبير الطعام بدأت بالنسبة إليها قبل ذلك بسنوات، وهي ما تزال داخل “الخيرية”.

لاحقاً، لجأ بعض أفراد المجموعة، بحسب شهاداتهم، إلى العمل الجنسي لتأمين احتياجاتهم. وفي وصفها لطريقة حصول بعضهم على المال بعد استئجار المنزل، تقول قمر: “المدخول ديالهم لي غادي يجيبوا بيه الفلوس، خاصهم يهبطوا يفسدوا باش يجيبوا الفلوس”، (كان عليهم ممارسة البغاء ليحصلوا على مصروفهم).

لا يعني ذلك أن جميع من عاشوا في المنزل كانوا يمارسون العمل الجنسي، ولا أن العمل الجنسي مرتبط بميولهم الجنسية. فالشهادات نفسها تشير إلى وجود أشخاص لم يكونوا من مجتمع الميم-عين، وإلى آخرين لم يكونوا مقيمين بصورة دائمة في المنزل.

بالنسبة إلى صفاء أقراب، لا يمكن فصل هذه الوقائع عن المسار الذي سبقها: فـ“القاصر الذي يكبر من دون رعاية أسرية، ولا يحصل على تعليم أو تكوين منتظم، ثم يغادر مؤسسة الرعاية من دون سكن أو مورد، يجد نفسه أمام خيارات محدودة لتأمين بقائه”.

وتتوقف أقراب خصوصاً عند القاصرين، معتبرة أن “القاصر الذي قد يلجأ إلى العمل الجنسي في غياب شروط آمنة للعيش ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره شخصاً يحتاج إلى الحماية، لا أن يتحول وضعه إلى أساس لإدانته”.

لكن الظروف التي دفعت بعض أفراد المجموعة إلى البحث عن مصادر للدخل ستظهر لاحقاً في صورة مختلفة؛ فبدلاً من السؤال عن الكيفية التي وصل بها قاصرون وشباب في وضعية هشاشة إلى العمل الجنسي، اقترنت صورة المجموعة في جانب من النقاش الذي رافق القضية بـ”الدعارة”، وهي أيضاً من الاتهامات التي يقول أفرادها إنهم فوجئوا بها بعد ليلة 19 غشت.

من قاصرات في وضع هش إلى “متهمات بالدعارة”

تقول صفاء أقراب إن بعض التغطيات الإعلامية التي تناولت القضية استخدمت أوصافاً من قبيل “الشذوذ”، وربطت بين أفراد المجموعة وبين “الدعارة”، بما في ذلك عند الحديث عن قاصرين.

بالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بالمصطلحات وحدها، بل بالطريقة التي تُقلب بها القصة: بدلاً من السؤال عن الظروف التي قد تدفع قاصراً بلا سكن آمن أو مورد للعيش إلى العمل الجنسي، يصبح القاصر نفسه موضع اتهام، وتتحول هويته وطريقة عيشه إلى جزء من عملية الوصم.

وتحذر أقراب من الخلط بين الميول الجنسية والعمل الجنسي، ومن إعادة إنتاج صورة تربط مجتمع الميم-عين تلقائياً بالدعارة أو الاعتداء الجنسي على الأطفال. وترى أن هذا الخطاب قد يمتد إلى المساكن الجماعية نفسها، فتُقدَّم البيوت التي يعيش فيها أشخاص كويريون معاً باعتبارها “أوكار دعارة”، بدلاً من النظر إلى الأسباب التي دفعتهم إلى تقاسم السكن.

في ليراك، تكشف الشهادات نفسها أن المجموعة لم تكن كتلة واحدة؛ من عاشوا أو ترددوا على المنزل لم يكونوا جميعاً مثليين أو عابرين جندرياً، كما لم يكن جميعهم يمارسون العمل الجنسي، ولم يكن كل من وجد في البيت مقيماً دائماً فيه.

حين تتحول الهوية إلى مادة للتشهير

لم تتوقف آثار القضية عند المتابعة القضائية. فمع انتشار أخبار الواقعة، انتقلت حياة أفراد المجموعة إلى صفحات ومنابر تناولت هوياتهم وطريقة لباسهم وما يُنسب إليهم من ممارسات، فيما استُخدمت أوصاف تعتبرها أقراب مهينة وموصِمة.

وترى أقراب أن وصف الأشخاص بـ”الشواذ”، أو تقديم المنزل من خلال ربطه بالدعارة، لا يصف الواقعة فقط، بل يصنع صورة مسبقة عن الأشخاص المعنيين بها؛ صورة قد تجعل تعرضهم للعنف أقل حضوراً أمام التركيز على هوياتهم وحياتهم الخاصة.

وتحذر من أن هذا الخطاب لا يبقى محصوراً في الأشخاص الموجودين في القضية، بل قد يجعل أي منزل يتقاسمه أفراد من مجتمع الميم-عين عرضة للاشتباه أو الوصم، خصوصاً عندما يصبح السكن الجماعي نفسه مرتبطاً في الخطاب العام بالدعارة أو “الفساد”.

التضييق وجد أرضاً خصبة في القانون

لكن الوصم الذي لاحق المجموعة في الحي وفي جزء من التغطية الإعلامية لا يحدث في فراغ قانوني. ففي المغرب، ما تزال العلاقات الجنسية المثلية بين البالغين مجرّمة بموجب الفصل 489 من القانون الجنائي، بينما تثير منظمات حقوقية أيضاً طريقة استخدام الفصل 483 المتعلق بالإخلال العلني بالحياء ضد أشخاص بسبب مظهرهم أو تعبيرهم الجندري.

بالنسبة إلى يوغا رطان، لا يمكن فصل ما يتعرض له أفراد مجتمع الميم-عين في الشارع أو السكن أو العمل عن وجود ترسانة قانونية تجرّم جوانب من حياتهم الخاصة. فحين يجرّم القانون العلاقات الرضائية بين أشخاص من الجنس نفسه، يصبح الشخص الذي يتعرض للعنف أمام معادلة مختلفة: اللجوء إلى الشرطة طلباً للحماية قد يفتح في الوقت نفسه الباب أمام مساءلته عن حياته الخاصة.

وتقول رطان إن هذا الوضع يجعل الناجين من العنف معرضين لأن ينتقلوا من موقع الضحية إلى موقع المشتبه فيه أو المتابع، ويضعف قدرتهم على الوصول إلى الأمن والعدالة.

في شهادة سمر، ظهر الفصل بين الهوية والفعل أكثر ضبابية عندما وصلت إلى النيابة. فهي تقول إن من بين ما نُسب إليهم “الإخلال العلني بالحياء”، بينما تربط هي ذلك بطريقة لباسهم ومظهرهم الأنثوي، مؤكدة أن الشرطة لم تضبطها، بحسب روايتها، في علاقة جنسية أو رفقة رجل داخل المنزل.

هنا يجد التضييق الاجتماعي أرضاً خصبة تتجاوز رفض الجيران أو خطاب التشهير. فوجود نصوص تجرّم العلاقات المثلية، وإمكانية ملاحقة الأشخاص بمقتضيات أخرى مرتبطة بالحياء العام، يجعلان الهوية والتعبير الجندري جزءاً من مساحة يمكن أن تتحول فيها الوصمة الاجتماعية إلى خوف من المتابعة القانونية.

لهذا تدعو رطان إلى إلغاء الفصول 489 و490 و491 من القانون الجنائي، ومراجعة الفصل 483، ووقف استخدامه ضد الأشخاص بسبب مظهرهم أو هويتهم أو تعبيرهم الجندري، إلى جانب سن ضمانات ضد التمييز وخطابات الكراهية.

حين يطلب الضحية الحماية فيجد نفسه متهماً

تكشف قضية فاس، بالنسبة إلى رطان، مشكلة تتجاوز تفاصيل منزل ليراك. تقول إن أفراد مجتمع الميم-عين يعيشون في أوضاع شديدة الهشاشة نتيجة التمييز والعنف والإقصاء في السكن والعمل والرعاية الصحية والوصول إلى الأمن والعدالة، فيما يزيد التجريم القانوني من صعوبة لجوئهم إلى المؤسسات طلباً للحماية.

بالنسبة إلى قمر وسمر، تختصر ليلة 19 غشت هذه المفارقة. تقولان إنهما ورفاقهما اتصلوا بالشرطة بعدما تصاعد رشق منزلهم بالحجارة، وغادروه وهم يعتقدون أنهم يُنقلون إلى مكان آمن، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام محاضر ثم أمام النيابة العامة.

وتطالب رطان بضمان سلامة الأشخاص المعنيين بالقضية وتوفير سكن آمن لهم، إلى جانب الدفاع القانوني والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، والتحقيق في الاعتداءات والتهديدات والتشهير الذي يقولون إنهم تعرضوا له، والتعامل معهم “كأصحاب حقوق وناجين/ات من عنف، وماشي كمجرمين/ات”.

بعد ليلة 19 غشت، لم يعد منزل ليراك بالنسبة إلى قمر وسمر ورفاقهما المكان الذي وصلوا إليه بعد الخيرية والشارع فقط. صار عنواناً لقضية قضائية وإعلامية أكبر من البيت نفسه.

لكن قبل الحجارة والمحاضر والاتهامات، كانت قمر طفلة في الرابعة تدخل مؤسسة للرعاية من دون أن تعرف أماً أو أباً تعود إليهما، وكانت على سمر؛ التي تقول إنها تعلمت، قبل بلوغ الخامسة عشرة؛ أن “تدبر على راسها” حتى تأكل. وبعد سنوات، عندما جمعهما سقف واحد مع آخرين عاشوا مسارات مشابهة، عاد سؤال السكن والحماية ليواجههم من جديد. 

اقرأ أيضا

  • اللجان العمالية تتحرك بعد صمت.. انتهاكات بحق عاملات مغربيات تُفجر حملة نقابية في هويلفا 

    لم تكن “فاطمة” (اسم مستعار) تعلم أن الرحلة التي بدأت في السابع من أبريل الماضي من قريتها في شمال المغرب، ستنتهي بها في زاوية منسية من حقول الفراولة في هويلفا الإسبانية، محاطة بالخوف، وقلة الحيلة، وبطنٍ يكبر حاملاً جنينًا في شهره الخامس. بين الحلم والكابوس فاطمة ليست وحدها، هي واحدة من مجموعة عاملات موسميات مغربيات…

    Hounna | هنّ|

  • حوار| فاطمة الزهراء البلغيتي: أجساد النساء ساحة لأشد أشكال العنف وحشية

    في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يشهدها المغرب، تتجدد الأسئلة حول أوضاع النساء وحدود المساواة وأشكال العنف والاستغلال التي تطبع حياتهن اليومية، خصوصًا داخل الأوساط الشعبية.  وبينما يتسع النقاش حول الحقوق النسائية، تبرز "النسوية الشعبية"، كمقاربة تربط بين النضال ضد التمييز الجندري ومقاومة السياسات النيوليبرالية والتفاوتاتِ الطبقية، انطلاقًا من التجارب الملموسة لنساء الهامش والعمل…

    شادي بخاري|

  • مغربيات هويلفا.. “عبودية الفراولة”

     مازالت آثار الحريق الذي أتى على أكواخهن شاهدةً على هول ما حدث، فالبلاستيك الذي كان غطاءًا لهذه "البراريك" المهترئة التي كانت لهن مأوى في هذا المخيم؛ شكل أرضيةً سوداء تغطي التربة، كأنها شاهدٌ صامتٌ على هول المأساة التي تشكل فصلًا يتكرر في حياتهنّ كل عام. في صبيحة اليوم الـ28 من دجنبر الماضي، نشب  حريق جديد…

    سعيد المرابط|

  • حرية الصحافة في المغرب الكبير: تونس تتراجع والبقية ما زالت تتعثر

    تونس هي الدولة المغاربية الوحيدة التي تراجعت هذا العام في تصنيفات منظمة “مراسلون بلا حدود” العالمية لحرية الصحافة، حيث تراجعت إحدى عشرة مرتبة، في حين حققت الجزائر وليبيا والمغرب تحسنًا طفيفًا، لكنها لا تزال تعاني من قيود مفروضة على حرية الصحافيين. وبحسب تقرير المنظمة، سجّلت تونس، التي تحتل المرتبة 129 من بين 180 دولة، أكبر…

    Hounna | هنّ|