في عمق الصحراء الليبية، وعلى بُعد 260 كيلومتراً جنوب مدينة الكُفرة، جنوب شرق البلاد، وقعت معجزة صامتة؛ نجا عدد من المهاجرين السودانيين، بينهم نساء وأطفال، من موتٍ كان قاب قوسين أو أدنى. لم تكن النجاة لأن الظروف رحيمة، بل لأن الموت، ببساطة، تأخر قليلاً.
كان ذلك في يوم الخميس 22 ماي الجاري، حين عثر أحد الشباب المارين صدفة في تلك المنطقة القاحلة على مجموعة من الأشخاص يكاد العطش والموت أن يمزقا أجسادهم. ومن بين الناجين، كانت هناك نساء منهارات وأطفال بالكاد يتنفسون. بعد أحد عشر يومًا في الصحراء، بلا طعام، بلا ماء، وبلا شبكة اتصال، كانت الحياة نفسها قد أصبحت حملاً ثقيلاً.
“بكاء الرضيع أنقذ الجميع”
في رواية مدير جهاز الإسعاف والطوارئ بمدينة الكفرة، إبراهيم الحسن، تبدأ التفاصيل الصادمة: “حين وصولنا إلى مكان الحادث، وجدنا نساء برفقتهنّ أطفال في سن صغيرة جداً. كانت وضعيتهم صعبة للغاية، في حالة نفسية منهارة نتيجة مشاهد الوفيات أمام أعينهم”.
“لقد كانوا مدركين تماماً أن الموت قد يصل إليهم في أي لحظة، وكانوا فاقدين الأمل في النجاة”، يؤكد المتحدث لمنصة “هنَّ”.
من بين هؤلاء، رضيع لا يتجاوز الخمسة أشهر، بقي على قيد الحياة بفضل حليب أمه، رغم إصابتها المتقدمة بالجفاف. مشهد يُجسّد صورة مأساوية للنجاة، حيث تصبح الرغبة في الحفاظ على حياة رضيع هي الدافع الوحيد لبقاء الأم على قيد الحياة.
لكن ليس الجميع من نجا. فحسب المعطيات التي حصلت عليها منصة “هنَّ”، تم تسجيل سبع وفيات، من بينهم طفلان لا يتجاوزان العاشرة. في المقابل، نُقل إلى المستشفى أربع نساء، شابة في السادسة عشرة، وأربعة أطفال آخرين، جميعهم في حالة صحية ونفسية حرجة.






“كنا ننتظر الموت.. لا أكثر”
قصة هؤلاء ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. يقول إبراهيم الحسن أنه “قبل أسبوع فقط، تم إنقاذ عائلة في اللحظات الأخيرة، وهم يقاومون العطش بعد تعطل سيارتهم. وفي عام 2024، عثرنا على سيارة مليئة بالجثث، توفي كل من كان على متنها، بينهم نساء وأطفال”.
ما يحدث، كما يقول الحسن لمنصة “هنَّ” أصبح شبه مألوف في تلك المنطقة الحدودية التي تعبرها أفواج المهاجرين السودانيين من دارفور وكردفان في اتجاه ليبيا. هي طرق “غير معروفة وغير آمنة وكثيراً ما تتحول إلى مدافن جماعية وسط الرمال”.
“الصحراء ليست العدو الوحيد”
الصحفي الليبي قصي الزوي، الذي واكب عمليات الإنقاذ، يسرد لـ”هنَّ” إنهم “وجدوا معجزة حقيقية”، ويضيف أنه “لولا توفر تقنية ’ستارلينك‘ لدى أحد الشباب لما كان ممكناً إنقاذهم”.
“الصحراء هناك لا تتوفر فيها تغطية، والوصول إلى المكان يستغرق من 4 إلى 5 ساعات، بل أكثر بعد العواصف الرملية التي ضربت المنطقة مؤخراً”، يؤكد الزوي.
لكن المأساة لا تنتهي هنا، فبينما كانت فرق الإسعاف تعود إلى موقع الحادث، عثرت على شاحنة عاطلة جنوب الكفرة، تقل 25 راكبًا، جميعهم من السودان، من بينهم نساء وأطفال ظلوا خمسة أيام ينتظرون الموت. تم تزويدهم بالماء، ونُقلت النساء والأطفال أولاً، رغم محدودية الوسائل.
“نساء يهربن من حرب.. ليقعن في قبضة الصحراء”
الناشطة السودانية إسلام كرار، من منظمة “بيت السودان” بإسبانيا، علقت على الحادث بالقول: “ليبيا ليست خياراً آمناً، لكنها الأقرب. بالنسبة لنساء دارفور وكردفان، الهروب من السودان هو الهروب من جحيم حقيقي، أما ليبيا فهي جحيم من نوع آخر”.
هذا الخطر وفق ما تقوله كرار لمنصة “هنَّ”، يتمثل في “الموت عطشاً، أو الاختطاف من قبل عصابات الاتجار بالبشر الذي يظل شبحاً مستمراً”.
وتضيف: “ما تتعرض له النساء السودانيات من اعتداءات جنسية وجرائم اغتصاب هو جزء من وسائل الحرب الآن. يتم اقتحام المنازل، قتل الرجال، واغتصاب النساء. كثيرات أقدمن على الانتحار خوفاً من الاغتصاب، وأخريات فررن من البلاد بما تبقى من كرامتهن وحياتهن”.
رسالة على هامش الموت
من بين الأشياء التي وجدت بين متعلقات المهاجرين، عبارة كتبها أحد المتوفين وهي سيدة، حسب نوع حقيبة اليد، وهي عبارة تلخص تراجيديا النزوح في إفريقيا الممزقة بالحروب: “لكل شيء نهاية، هذا ما يجب أن تدركه منذ البداية… لا تثق في أحد حتى التراب الذي خلقت منه، سيدفنك يوما ما”.
تلك الكلمات، التي يرجّح أن كاتبتها امرأة أنهكها العطش والخذلان، تحولت إلى شهادة مكتوبة على هامش الموت، لا تتطلب تحليلاً بقدر ما تطالب بإنصات عميق. ليست مجرد جملة، بل صرخة إنسانية مُرّة، تركتها صاحبتها كأنها تقول: لم يعد هناك مأوى، ولا حتى في التراب. هو تمزقٌ نهائي، لا بين الجغرافيا والسياسة فحسب، بل بين الإنسان والعالم.

“لقد اغتصبونا جميعًا”
في تقرير صدر يوم 10 أبريل 2025، حمل عنوانًا صادمًا: “لقد اغتصبونا جميعًا”، وثقت منظمة العفو الدولية حجم العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء والفتيات في السودان. من بين الانتهاكات المروعة المذكورة:
-اغتصاب فردي وجماعي
-تعذيب جسدي بسوائل مغلية وأدوات حادة
-معاملة مهينة وقاسية تستهدف الإذلال
وتؤكد المنظمة الدولية على أن كل ذلك “يجري على خلفية من الإفلات التام من العقاب”، في ظل صمت دولي قاتل.
“لا يحتجن معجزة… بل حماية”
النساء والأطفال الناجون من صحراء الكفرة ليسوا مجرد “أرقام نجت”، بل شهادات حية على فشل جماعي. فشل في حماية المدنيين، في فتح ممرات آمنة، وفشل في تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
هؤلاء النسوة لم يكنّ يبحثن عن معجزة، بل عن مكان آمن ليصبحن فيه أمهات فقط، لا لاجئات، لا ضحايا، لا جثث تنتظر عدّاد الموت. وحتى ذلك الحين، ستبقى أمهات الجنوب السوداني يسقين أبناءهن الحياة من أجسادهن المتعبة، على أمل أن تصل المساعدة قبل أن تصل النهاية.














