لم تكن حكاياتهن تُروى في الصحف ولا تُذاع على الشاشات. كانت تُهمس بها في الحقول، على هامش الأيام الطويلة تحت الشمس، وفي زوايا البيوت المتواضعة حيث تتقاطع قصص التعب والخوف.
خديجة، من إقليم سيدي سليمان، تقول بصوت هادئ لكنه يحمل وجعًا قديمًا:
“نركب في سيارات صغيرة جداً… أحياناً يكون العدد كبيراً جداً بالنسبة لسعة السيارة… نضغط بعضنا بعضاً، وأحياناً تكون السيارات متهالكة، بالكاد تسير… لكن لا نملك خياراً آخر. إذا لم نذهب، لا نأكل.”
ليلى، في شهادتها لحملة “يودا” استرجعت لحظة كادت تغيّر حياتها:
“في أحد الأيام، انفجر إطار السيارة التي نركبها. شعرت أن قلوبنا توقفت للحظة… السائق لم يكن قادراً على السيطرة، والسيارة تتمايل بنا. كانت ثواني من الرعب الخالص… للأسف، هذه ليست المرة الأولى التي نسمع فيها عن حوادث كهذه. نحن نتحرك يومياً تحت ظروف خطيرة، وكأننا نسير على حافة الموت.”
بنفس وجع الأخريات تقول زهرة، عاملة من أيت عميرة – أكادير، بنبرة لا تخلو من السخرية: “لا توجد أي شروط للسلامة في وسائل النقل التي توفرها الضيعة… لا أحزمة، لا مقاعد، لا شيء. نحن نتحمل المخاطر اليومية، ونعرف أنه لا يوجد أي تأمين أو حماية. إذا وقع حادث، نُرمى جانباً كأننا لا شيء.”
كل واحدة من هؤلاء النساء تعرف جيدًا أن جسدها معرّض للخطر كل صباح. ومع ذلك، تواصل الصعود إلى تلك السيارات المتهالكة، لأن خلفها أطفالًا ينتظرون، وأسرة تحتاجها، وفقرًا لا يرحم.
حادث يحصد أرواح النساء
شهدت جماعة سبت الكردان صباح اليوم حادثة سير مروعة، خلفت أربع وفيات في صفوف عاملات فلاحيات، إضافة إلى إصابات بليغة وخفيفة في صفوف أخريات، وذلك إثر اصطدام قوي بين سيارتين، إحداهما من نوع “بيكوب” كانت تقل 14 امرأة تشتغلن في القطاع الفلاحي.
وأفاد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير في بلاغ رسمي، أن الحادث نجم عن انفجار إحدى عجلات المركبة التي كانت تقل العاملات، مما أدى إلى فقدان السائق السيطرة عليها، قبل أن تنحرف وتصطدم بسيارة أخرى قادمة من الاتجاه المعاكس.
وأسفر هذا الحادث المأساوي عن وفاة أربع نساء في عين المكان، بينما أصيبت خمس أخريات بجروح بليغة، نُقلن على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الضرورية. كما سجلت إصابات خفيفة في صفوف ستة أشخاص آخرين، من بينهم سائقا السيارتين.
وقد سارعت السلطات المحلية والدرك الملكي والوقاية المدنية إلى مكان الحادث، حيث جرى تأمين المنطقة ونقل المصابين، في حين باشرت النيابة العامة تحقيقًا عاجلًا لتحديد كافة ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة عنها.
وتسلط هذه الفاجعة الضوء مجددًا على أوضاع النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات في مناطق عدة من المملكة، حيث يتم نقلهن في ظروف تفتقر إلى أدنى معايير السلامة، ما يعرض حياتهن للخطر بشكل متكرر.
وتعيش ساكنة المنطقة حالة من الحزن والذهول، وسط مطالبات بتشديد الرقابة على وسائل النقل المستعملة في نقل اليد العاملة، وتحسين ظروف العمل والسلامة الطرقية، بما يحفظ كرامة وأرواح العاملات والعمال.
ظروف هشّة وتنقل محفوف بالمخاطر
تكررت في السنوات الأخيرة حوادث السير المميتة التي تذهب ضحيتها عاملات فلاحيات، في مشاهد مفجعة تكشف هشاشة أوضاع هذه الفئة من النساء، وافتقادهن لأبسط شروط السلامة أثناء تنقلهن اليومي للعمل.
في العديد من المناطق الفلاحية بالمغرب، يتم نقل العاملات الزراعيات عبر سيارات نقل غير مخصصة للركاب، مثل سيارات “بيكوب” أو شاحنات صغيرة، تُحشَر فيها النساء بأعداد تفوق الطاقة الاستيعابية للمركبة، دون مقاعد، أو وسائل حماية، أو تأمين قانوني.
هذا النوع من النقل يُعَد مخالفًا للقانون، ويشكل خطرًا دائمًا على السلامة الجسدية والنفسية للعاملات، خاصة في غياب المراقبة الصارمة، وتهاون بعض المشغلين في ضمان وسيلة نقل آمنة.
عوامل اجتماعية واقتصادية:
الفقر والهشاشة: أغلب العاملات الفلاحيات ينحدرن من أسر فقيرة، ولا يجدن بديلاً عن قبول هذه الظروف القاسية لتوفير لقمة العيش.
غياب الحماية الاجتماعية: معظمهن لا يتوفرن على تغطية صحية أو تأمين على حوادث الشغل، مما يضاعف معاناتهن بعد كل حادث.
التمييز المجالي والنوعي: تتقاطع معاناة هؤلاء النساء مع واقع التهميش القروي وعدم المساواة بين الجنسين، ما يجعل صوتهن ضعيفًا في مطالبتهن بالحقوق.
حوادث متكررة.. دون حلول جذرية
تكررت حوادث مماثلة خلال السنوات الماضية في مناطق مثل اشتوكة آيت باها، بركان، القنيطرة، وسوس، حيث قُتلت وأُصيبت عشرات النساء بنفس السيناريو: نقل غير مؤمَّن، مركبات متهالكة، وإهمال في تطبيق القانون.
ورغم تعاطف الرأي العام، ومناشدات المجتمع المدني، فإن الإجراءات التي تُتخذ غالبًا ما تكون ظرفية، دون إقرار استراتيجية وطنية واضحة لضمان نقل آمن وإنساني للعاملات الفلاحيات.
صرخات حقوقية لوقف النزيف
تُجمع عدد من التقارير الحقوقية، من بينها تقارير فدرالية رابطة حقوق النساء، على التحذير من استمرار مظاهر النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات، باعتباره أحد أبرز أوجه التمييز والإهمال الذي تتعرض له هذه الفئة. وتصف هذه التقارير ظروف النقل التي يتم فيها حشر عشرات النساء في سيارات مخصصة للبضائع، كـ”وسائل موت جماعي”، يتم غض الطرف عنها رغم تكرار المآسي التي تخلفها، داعية إلى وضع حد لهذه الممارسات ومحاسبة المسؤولين عنها.
في تقرير لها حول أوضاع العاملات الزراعيات، أكدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن هؤلاء النساء يشتغلن في ظروف هشة تُطبعها ساعات عمل طويلة، وأجور زهيدة، وغياب تام لأي تأمين صحي أو اجتماعي، مما يجعل أي حادث سير لا يمثل فقط مأساة إنسانية، بل يكشف هشاشة البنية القانونية والاجتماعية التي تُحيط بعمل النساء في القطاع الفلاحي.
من جانبها، أشارت منظمة أوكسفام المغرب في مذكرة ترافعية إلى أن العاملات الفلاحيات يشكلن قوة إنتاجية حيوية في الاقتصاد الوطني، ومع ذلك فإن حقوقهن مهضومة، خصوصًا على مستوى شروط النقل والعمل. وطالبت المنظمة بسياسات شاملة تدمج هؤلاء النساء في برامج الحماية والتمكين الاقتصادي، مع التأكيد على ضمان وسائل نقل آمنة تحترم كرامتهن.
أما المركز المغربي لحقوق الإنسان، فقد خصّص تقريرًا للوضع الميداني للعاملات في ضيعات إقليم شيشاوة، مسجّلًا حالات استغلال صارخة، من بينها التحرش، والتمييز في الأجور، والنقل غير الآمن، الذي وصفه بـ”المُهين وغير الإنساني”. وطالب التقرير بتدخل عاجل من الجهات المعنية لمراقبة مشغلي الضيعات الزراعية ومحاسبتهم على المخالفات المرتكبة.
وقد نبهت هذه المنظمات، بشكل مشترك، إلى ضرورة تفعيل قوانين الشغل، وتوسيع نطاق المراقبة على وسائل نقل العمال والعاملات، خاصة في المناطق القروية، مع وضع آليات قانونية تُجبر المشغلين على توفير نقل آمن ومحترم، يحفظ كرامة النساء وسلامتهن الجسدية والنفسية.
“صمت الدولة تزكية لنزيف الأرواح”
في السياق، وعلى ضوء الحادث الذي وقع، أعربت مجموعة “شابات من أجل الديمقراطية” عن قلقها العميق واستنكارها الشديد لتواصل الحوادث المأساوية التي تودي بحياة العاملات الزراعيات في المغرب، نتيجة لظروف النقل التي وصفتها بـ”اللإنسانية واللاقانونية”، في ظل غياب الحماية القانونية والرعاية الاجتماعية من قبل الدولة وأرباب العمل.
وجاء في بلاغ صادر عن المجموعة توصلت “هنَّ” بنسخةٍ منه؛ أن الحادثة الأخيرة التي شهدتها جماعة سبت الكردان بإقليم تارودانت، والتي أسفرت عن مصرع ست عاملات زراعيات وإصابة أخريات، إثر انفجار إحدى عجلات سيارة من نوع “بيكوب” كانت تقل 14 امرأة في ظروف تنعدم فيها شروط السلامة، “تعكس حجم المخاطر اليومية التي تتعرض لها هذه الفئة”.
وأكدت المجموعة أن “ما تعيشه العاملات الزراعيات من انتهاكات، خاصة على مستوى النقل، يشكّل جريمة متواصلة في حق كرامتهن وحقهن في الحياة”، معتبرة أن وسائل النقل التي تُستخدم لنقلهن “مهينة، مكتظة، وغير مهيأة، ولا تحترم الحد الأدنى من شروط السلامة والأمن”.
ودعت المجموعة الدولة المغربية إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة، مطالبة بما يلي:
1. تفعيل رقابة صارمة على وسائل نقل العاملات الزراعيات وتطبيق القانون على المخالفين.
2. ضمان شروط عمل ونقل لائقة وآمنة تحترم كرامة النساء العاملات وحقوقهن الأساسية.
3. فتح تحقيقات جدية في الحوادث المتكررة، مع تحديد المسؤوليات وإنصاف الضحايا وذويهم.
4. سن سياسات عمومية عادلة تراعي البعد الجندري في القطاع الفلاحي وتحمي النساء من الاستغلال والعنف الاقتصادي.
كما ذكّرت المجموعة بأنها سبق أن اشتغلت على هذا الملف من خلال مذكرة مطلبية حول أوضاع العاملات الزراعيات في جهة سوس ماسة، ونظّمت حملة رقمية تحت شعار “باركا – يودا”، أبرزت عبر شهادات حية واقع المعاناة اليومية الذي تعيشه هؤلاء النساء.
وختمت شابات من أجل الديمقراطية بلاغها بالتأكيد على أن “صمت الدولة وتواطؤ بعض الجهات المعنية، هو تزكية لاستمرار نزيف الأرواح في الحقول، وتكريس للهشاشة والعنف ضد النساء في أبشع صوره”، مؤكدة على التزامها بمواصلة الترافع من أجل العدالة الاجتماعية وكرامة العاملات الزراعيات في المغرب.















