منذ السابع من أكتوبر 2023، تاريخ بداية العدوان المدمّر الذي شنّه الجيش الصهيوني على قطاع غزة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق؛ حيث تحوّل القطاع المُحاصر إلى ساحة إبادة مفتوحة خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا ودمارًا واسعًا في المنطقة، بينما امتدّت تداعيات الحرب الصهيو-أمريكية إلى جبهات إقليمية أخرى.
ومع مرور الأشهر، اتّسعت الانتهاكات والمجازر الصهيونية لتشمل توتّرات عسكرية وسياسية في أكثر من ساحة، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، وصولًا إلى استهداف أكثر من 165 تلميذة في إيران إثر قصف لمدرسة ابتدائية. وفي ظلّ هذا التصعيد المتعدّد الجبهات، باتت القضية الفلسطينية محرّكا للتحوّلات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي ظلّ هذا الخراب الذي خلّفته السياسة الصهيونية، أعاد أسطول الصمود العالمي -الذي ساهم في تنظيمه نشطاء وناشطات تونسيون وتونسيات؛ الأمل في كسر الحصار على غزّة خاصّة وأنّ تونس لطالما قدّمت نفسها كدولة استثنائية داعمة للقضية الفلسطينية سياسيًا وشعبيًا. وشهدت الشهور التي أعقبت اندلاع أحداث 7 أكتوبر موجة واسعة من التحرّكات التضامنية، شملت مظاهرات وفعاليات مدنية وحملات جمع تبرّعات.
هذا المشهد لم يخلُ من مفارقة لافتة؛ إذ تزامن الخطاب الرسمي المؤكّد على “الدعم المطلق للشعب الفلسطيني”ومع عدم تمرير قانون تجريم التطبيع، وكذلك مع تنامي مؤشّرات التضييق على الفضاء المدني والسياسي في البلاد. فمنذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في جويلية 2021، دخلت تونس مرحلة سياسية اتّسمت بتراجع دور الأحزاب والبرلمان، وباعتقالاتٍ وملاحقات قضائية طالت معارضين ومعارضات، ونشطاء وناشطات وصحفيين وصحفيات.
وفي هذا السياق، لم تكُن التحرّكات المرتبطة بالتضامن مع القضية الفلسطينية بمنأى عن هذا المناخ، إذ واجه بعض النشطاء والناشطات والمنظّمين والمنظِمات ملاحقات أمنية أثارت تساؤلات حول حدود التضامن مع الشعب الفلسطيني. ليأتي ملف اعتقال أعضاء الهيئة التسييرية لأسطول الصمود العالمي، ومن بينهم الناشطتان جواهر شنّة وسناء مساهلي، ليُعيد طرح هذه الأسئلة حول العلاقة المعقّدة بين الخطاب الرسمي الداعم لفلسطين والواقع السياسي الذي يُواجهه النشطاء والناشطات في الداخل.
لحظات الاعتقال: من التحضير للأسطول الثاني إلى التحقيقات القضائية
في صباح الجمعة 6 مارس 2026، أوقفت الوحدات الأمنية عدداً من أعضاء وعضوات الهيئة التسييرية لـ”أسطول الصمود العالمي”، من بينهم الناشطتان جواهر شنّة وسناء مساهلي، إلى جانب وائل نوار ونبيل الشنوفي ومحمد أمين بالنور. وجاءت الاعتقالات في سياق الاستعدادات لإطلاق مهمّة بحرية جديدة تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.
جاءت هذه الإيقافات بعد أيّام من توتّر متصاعد بين السلطات والمنظّمين والمنظِمات، حيث مُنع النشطاء والناشطات في وقت سابق من الوصول إلى منطقة الميناء في سيدي بوسعيد حيث كانوا يجرون ترتيبات لوجستية مرتبطة بالمهمة البحرية المرتقبة. كما ألغت السلطات لقاءً عامّاً كان مقرّراً تنظيمه في تونس لعرض تفاصيل المبادرة قبل انطلاقها.
لاحقًا، أعلنت الجهات القضائية فتح تحقيقات تتعلّق بما وصفته بشبهات مالية مرتبطة بإدارة التبرّعات التي جُمعت لدعم نشاط الأسطول، بما في ذلك شبهات تبييض أموال أو سوء التصرّف في الأموال. وقد قرّرت النيابة العمومية بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي الاحتفاظ بالموقوفين والموقوفات خمسة أيام على ذمّة التحقيق، مع إمكانية التمديد في مدّة الاحتفاظ.
ورغم أنّ السلطات لم تصدر في البداية بياناً مفصّلاً حول أسباب الإيقاف، إلاّ أنّ أطراف من المجتمع المدني اعتبروا أنّ هذه الاعتقالات جاءت في سياق التضييق على العمل التضامني مع فلسطين، خصوصاً مع اقتراب موعد إطلاق مهمّة جديدة للأسطول من عدّة دول متوسطية، بينها تونس وإسبانيا وإيطاليا.
وفي هذا الصدد، تؤكّد عضوة تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين رندة فحولة لمنصّة “هنَّ”، على أنه “لا يُمكننا الحديث عن الاعتقالات السياسية أو الإيقافات الاخيرة لنشطاء وناشطات أسطول الصمود دون العودة إلى قراءة ولو مقتضبة للمشهد السياسي العالمي والإقليمي وتداعياته المحلية، حيث أنّ تونس كانت في البداية داعمة للقضية الفلسطينية والمبادرات التي سهر عليها شابات وشباب تونس ومن أهمّها القافلة البرية وبعدها أسطول الصمود من أجل كسر الحصار على غزّة”.
وتوضح فحولة أنه في البداية وأثناء التحضيرات لأسطول الصمود “لاحظنا تعاونا ودعما من السلطة لإنجاح وخروج الأسطول من تونس وهو في حقيقة الأمر وضع تونس عربيا ودوليا في موقع متقدّم لدعم القضية الفلسطينية، وتجسيد للإرادة الشعبية التي لطالما كانت منتصرة للقضية الفلسطينية وضدّ حرب الإبادة الأخيرة على غزة، وقد كان هذا إلى حدود خروج الأسطول وإيقاف الناشطين والناشطات في سجون الاحتلال وعودتهم إلى تونس”.
وتعتبر رندة أنّ التحوّلات الجيوسياسية في المنطقة كان لها تأثيرا سياسيا على تونس، فـ”بتقدّم الأحداث والعدوان الامريكي الصهيوني الغاشم على إيران ومن ثم لبنان، لاحظنا خاصّة من خلال البيانات الأخيرة لوزارة الخارجية، والتي تعبّر بالضرورة على الموقف الرسمي لتونس اصطفافًا وراء موقف الأنظمة العربية والخليجية. وهو ما يدلّ على خضوع تونس إلى الضغوطات الدولية وتغيير موقفها”.
“وعلى ما يبدو أنّ التصعيد الحاصل، وتجسيده في ايقافات بطرق غير قانونية وغير مقبولة بالمرّة لعضوات وأعضاء الهيئة التسييرية لأسطول الصمود، والتي جاءت إثر حملات تشويه ممنهجة وشيطنة وتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي ضدّ قيادات الأسطول بصفة عامة، وضدّ المناضلات جواهر شنة و سناء مساهلي بصفة خاصّة، هو نتيجة لتقديم السلطة المناضلات والمناضلين كقرابينَ للأنظمة الرجعية العربية ومن ورائها الامبريالية الامريكية”، حسب قولها.
وتُشير رندة إلى أنّ اعتقال كلّ من جواهر شنّة وسناء مساهلي حصل يوم 8 مارس وهو ما يُوافق اليوم العالمي للدفاع عن حقوق النساء، مضيفةً: “إنّنا نحيي هذا اليوم بكلّ أسف، إذ تقبع في السجون أبرز الوجوه الداعمة للقضية الفلسطينية وقيادات الأسطول، بتهم وتشويهات من أجل غلق قوس مساندة الشعب الفلسطيني وكل القضايا العادلة. ومن المفارقات أنّنا نجد اليوم جندي شارك في حرب الإبادة ضدّ اطفال ونساء وشيوخ غزة، حاملا للجنسية التونسية ويتمتّع بكامل حصانته في دخول الأراضي التونسية ولم يتم لا ايقافه ولا تجريمه ولا حتّى منعه من الدخول”.
أسطول الصمود: مبادرة مدنية لكسر الحصار عن غزة
يُعدّ “أسطول الصمود العالمي” إحدى المبادرات المدنية الدولية التي تسعى إلى إرسال سفن مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، بهدف كسر الحصار البحري المفروض على القطاع منذ سنوات. ويضمّ الأسطول ناشطين وناشطات من عشرات الدول، بينهم أطباء وطبيبات ومحامون ومحاميات وصحفيون وصحفيات وحقوقيون وحقوقيات.
وكانت تجربة سابقة للأسطول قد انطلقت من موانئ في البحر المتوسّط خلال سنة 2025 منها ميناء سيدي بوسعيد بتونس، وبمشاركة مئات الناشطين/ات من أكثر من أربعين دولة، قبل أن تعترضها القوّات الصهيونية وتمنعها من الوصول إلى غزّة، حيث احتُجز المشاركون والمشاركات لفترة قصيرة قبل ترحيلهم إلى بلدانهم.
وفي تونس، شارك عدد من النشطاء والناشطات في تنظيم الدعم اللوجستي والإعلامي للمبادرة، بينهم أعضاء الهيئة التسييرية المحلية للأسطول، التي تولّت التنسيق مع الشبكات الدولية للحملة. وقد برزت الناشطتان جواهر شنّة وسناء مساهلي ضمن هذا الإطار، عبر مشاركتهما في الحملات التضامنية والتحضيرات المرتبطة بالمهمّة البحرية الجديدة المقرّر إطلاقها في ربيع 2026، كما أنّهن عضوات في تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين بتونس.
التشهير الرقمي: حملات تمهّد للإعتقال في تونس
ككلّ الاعتقالات في تونس بعد 25 جويلية 2021، لم تأتِ اعتقالات عضوات الهيئة من فراغ. فمُنذ عودة الأسطول الأوّل، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي في تونس موجة من حملات التشهير والتحريض الرقمي استهدفت عدداً من أعضاء وعضوات أسطول الصمود، حيث اتُّهموا بالخيانة أو بالارتباط بأجندات سياسية ومالية مشبوهة.
وأشارت بيانات صادرة عن أحزاب ومنظّمات مدنية تونسية، إلى أنّ هذه الحملات قد سبقت الإيقافات ورافقتها دعوات إلى ملاحقة النشطاء والناشطات قضائياً، وهو ما اعتبروه محاولة لتهيئة الرأي العام لتجريم النشاط التضامني مع فلسطين.
وأصبحت هذه الظاهرة نمطاً متكرّراً في المشهد السياسي التونسي خلال السنوات الأخيرة، إذ غالباً ما تسبق الملاحقات القضائية حملات تشهير واسعة على المنصّات الرقمية، تتّهم المعارضين والمعارضات أو النشطاء والناشطات وكلّ المخالفين والمخالفات للرواية الرسمية للنظام؛ بالفساد أو العمالة أو تهديد الأمن القومي. وفي حالات عدّة، تتحوّل هذه الاتّهامات المتداولة رقميّاً إلى ملفات تحقيق قضائي لاحقا، في مسار يُثير جدلاً متزايداً حول دور الفضاء الرقمي في تشكيل مسارات الملاحقة السياسية وفي توجيه القضاء.
وفي هذا السياق، يُشير الصحفي والباحث ياسين النابلي، إلى ما أسماه بـ”ثلاثية النظام”، التي تتمثّل في التحريض والاعتقال وتُهمة غسيل الأموال، ويؤكّد لمنصّة “هنَّ” على أنّ “ايقافات مناضلي ومناضلات أسطول الصمود في تونس، هو محاكمة سياسية تقوم بها السلطة لفعل نضالي سلمي مقاوم واستثنائي. فقد شكّل نقطة تحوّل على المستوى الدولي والمحلّي في حركة مناهضة الإبادة وإسناد صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته”.
ويعتبر النابلي أن هذه المحاكمة “لا تشكّل تحوّلا في طبيعة الموقف الهيكلي للسلطة من القضية الفلسطينية. وإنّما تحوّل في استراتيجيات استخدام القضية؛ هناك مرور واضح من استراتيجيا توظيف الزخم الشعبي الذي خلّفته دستوبيا الإبادة، إلى استراتيجيا التصفية. مع تسجيل ملاحظة، أنّ الممارسة الدبلوماسية التونسية كانت طيلة فترة الإبادة قريبة في سلوكها من سلوك النظام السياسي العربي الرسمي، ومن سلوك قوى الهيمنة العالمية. من بينها التحفّظ على قرار وقف إطلاق النار رغم أنّ المقاومة دعمته، ممّا جعل الموقف الرسمي متماهي موضوعيا مع الموقفين الأمريكي والإسرائيلي”.
كما يُشير إلى أنّ “الإيقاف يندرج ضمن سياق محلّي مطبوع بالاستبداد وقتل السياسة، ومحاصرة العمل المدني والسياسي. وتنصيب المحاكمات السياسية لكل الرافضين والخصوم. وقد راكم النظام طيلة هذه الفترة خبرة عقابية، هو بصدد استخدامها ضدّ الحراك المناضل من أجل فلسطين، وهي خبرة محكومة بثلاثية مستقرّة: شيطنة، اعتقال، شبهة مالية أو تبييض أموال“.
ويوضح أن جريمة الحراك من أجل فلسطين هي أنّه “تحوّل إلى فضاء تعبير حرّ عن النضال والمقاومة، وخرج في فترة ما، خاصّة عبر تجربة الاسطول، عن سيطرة السلطة واستراتيجياتها، التي تقف عند حدود المزايدة الكلامية وليس الفعل. لذلك اختارت مواجهته بالتصفية، احتراما لطبيعتها الاستبدادية”.
وبالنسبة للمعتقلات النساء، يُضيف ياسين بأنّ “نظام الحُكم الفردي الاستبدادي، هو بالضرورة نظاما من طبيعة بطرياركية. وبالتالي لن يتوانى لحظة في استهداف النساء والحركات النسائية المناضلة، عبر أشكال مختلفة. وهو أيضا على رأس دولة تُنتج العنف المركّب الرمزي والمادي ضدّ النساء. هو استمرار للبنية البطرياركية لمنظومة دولة ما بعد الاستعمار، بجرعة إضافية في العقاب وسجن النساء. ويلجأ في بعض الأحيان إلى خطاب اجتماعوي مناصر للعاملات الفلاحيات من أجل التغطية على جوهر هذه البنية المهيمنة، ومن أجل تقسيم النساء. وعلى مستوى الوقائع لم يُقدّم أيّة ملامح رؤية من أجل تحسين أوضاعهن المأساوية، هذا دون الحديث عن انتفاء أيّ برنامج سياسي يخدم قضايا النساء التونسيات”.
ويُذكر بأنّ الناشطتين المعتقلتين جواهر شنّة وسناء مساهلي، كلّ منهما أمّ لأطفال ينتظرون عودتهن. دافعت كلّ منهما على أمومة آمنة للنساء في غزّة، على حقّ الأطفال في الحياة، وعلى شعب قُبر قبل الولادة: تدفع الناشطتين اليوم كُلفة النضال ويدفع أطفالهن أيضا ثمن مساندتهما للشعب الفلسطيني وثمن خضوع تونس للتوافقات السياسية الأمريكية.
وتأتي قضية اعتقال جواهر شنّة وسناء مساهلي ضمن مسار يقوم على توظيف الخطاب الشعبوي حول السيادة والقضايا العادلة، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، مقابل تضييق فعلي على الفضاء المدني والسياسي في الداخل. ففي الوقت الذي تُستثمر فيه المأساة الفلسطينية في الخطاب الرسمي لتغذية الشرعية الرمزية للنظام، تُواجه المبادرات المدنية المستقلة الداعمة لغزّة بحملات تشهير وتحريض رقمي تُمهّد لملاحقات قضائية تتكرّر فيها التهم نفسها: شبهة مالية، تبييض أموال، أو ارتباطات مشبوهة.
ضمن هذا السياق، يتحوّل التضامن الشعبي مع فلسطين من فعل سياسي وإنساني إلى ملف أمني وقضائي، وتُصبح الحملات الرقمية أداة لشيطنة النشطاء والناشطات وتهيئة الرأي العام لاستهدافهم. ويكشف هذا المسار عن تزاوج واضح بين الشعبوية السياسية في الداخل ومتطلّبات التوازنات الجيوسياسية في الخارج، حيث تُحاول السلطة الحفاظ على خطاب داعم للقضية الفلسطينية، في الوقت الذي تنخرط فيه عمليًا في منظومة التوافقات الإقليمية والدولية التي تفرض حدودًا صارمة على أشكال التضامن الفعلي.
وفي هذا الإطار، تبدو محاكمة نشطاء وناشطات أسطول الصمود استمرارًا لسياسة تقوم على احتكار الفعل السياسي وتجريم المبادرات المستقلّة، وعلى استخدام منظومة متكرّرة من التحريض الإعلامي والاتّهامات النمطية لتصفية الحركات الاحتجاجية والمدنية التي تتجاوز حدود الخطاب الرسمي. وتدفع جواهر شنّة وسناء مساهلي اليوم ثمن هذا المسار، بوصفهما جزءًا من حراك مدني اختار ترجمة التضامن مع فلسطين إلى فعل عملي خارج الحسابات السياسية الضيّقة.



















