يتجاوز التصوير الصحفي حدود الفن البصري، ليكون أحد الأشكال الصحفية الأكثر بلاغة في نقل الواقع وتوثيق اللحظة بشتى حيثياتها وأدق تفاصيلها، فالصورة في الصحافة ليست مجرد إطار أو خبر عابر، بل قصة تُروى، تحمل شخوصا، وأزمنة وأمكنة وأحداثا، وتحمل قضية وتحفظ الذاكرة والسياق.
وفي هذا المجال الذي يقلّ سالكوه من النّساء، تبرز الصحفية المصورة الشابة ملاك بن دخيل كإحدى المصورات البارزات في الساحة التونسية، من خلال تغطية التحركات الاحتجاجية الميدانية، وتسليط الضوء على الهامش، والانحياز لقضايا النساء.
ومن دراسة السينما والوثائقيات، إلى الولوج إلى عالم التصوير الصحفي والانخراط في القضايا النسوية والاجتماعية والحقوقية، تتخذ ملاك من كاميرتها مرآة لنقل الواقع، وتوثيق اللحظة، لتغدو واحدة من أبرز الوجوه الشابة التي اختارت هذا المسار في بيئة شائكة بالتحديات، وسياق يشتد فيه التضييق على العمل الصحفي والصحفيات والصحفيين التونسيين.
في هذا الحوار، تحدثنا ملاك عن بدايات الشغف بالمهنة أو “الفنّ” كما تسميه، وعن التحديات الميدانية التي تواجه المصورة الصحفية بشكل خاص، عن أعمالها، وعن رؤيتها للمهنة، عن التضامن النسوي وماذا يعني أن تقف سيدة خلف عدسات الكاميرات بالصورة.

أميمة: كيف بدأت علاقة ملاك بعالم التصوير الفوتوغرافي وكيف وصلت إلى عالم التصوير الصحفي ؟
ملاك: بدأ شغفي بالتصوير منذ الثانوية بكاميرا رقمية صغيرة، في ذلك الوقت، كنت أصور الطبيعة من أشجار، ونبات وغيرهما، اقتداء بوالدي الذي كان يملك كاميرا بدوره.
عند وصولي إلى البكالوريا، انتقلت إلى تصوير وجوه الأشخاص والغروب، واليوم ما أزال أحتفظ بأول صورة التقطها لشخص، كان صديق مغربي.
بعد البكالوريا، انتقلت إلى دراسة السينما، أنتجت ثلاث وثائقيات قصيرة، ثم دخلت عالم التصوير الصحفي تحديدا عام 2022، بدأت الولوج إلى هذا التخصص، عبر التردد المستمر على شوارع العاصمة ومواكبة التحركات الميدانية وتوثيق المظاهرات والاحتجاجات هناك.
أنا الآن أعمل مع منصة “نواة” الصحفية منذ سنتين تقريبا، وبفضل هذه التجربة المهنية التي أخوضها، تعلمت الكثير وما أزال أعمل على تطوير نفسي.
أميمة: ما هي أقرب صورة لملاك؟ حدثينا عنها
هذه أقرب صورة لي، أحبها كثيرا، فهي معبرة جدا ومريحة، ما تزال لحظات التقاطها طازجة في ذاكرتي، كان ذلك حينما كنت في مدينة قليبية في زيارة عائلية، خرجت للتنزه بالسيارة وكالعادة كاميرتي تُصاحبني أينما حللت، التقطت بعض الصور، إلى أن لمحت رجلا مسنا جالسا على كرسي متأملا البحر، وبعد أن ابتعدت قليلا، شعرت أن شيئا ما يعيدني، يُناديني.. عدت، فوجدت الرجل مستلقٍ رأسه ويديه متدليتان إلى الخلف، في استرخاء تام، وكأنه يقتطع من زحام الحياة لحظة زهد كاملة بالوجود وما فيه، كان مشهد مريح وفيه الكثير من الطمأنينة.

أميمة: هل واجهت تحديات خلال بداية مسيرتك المهنية كالنظرة الذكورية إلى مهنة التصوير الصحفي وكيف تعاملت معها؟
ملاك: في الواقع لم أواجه تحديات من هذا النوع، رغم سيطرة الذكور شكليا على مجال التصوير الفوتوغرافي، إذ أحاطني زملائي المصورين بالدعم والإرشاد، وكانوا يزودوني بستراتِ الحماية الصحفية ويحرصون على تأميني وتوجيهي خطوة بخطوة وتقديم لي النصائح بأستمرار، إنهم يسهلون لي العمل كثيرا، وهو ما أتاح لي مساحة آمنة أعتز بها.
أميمة: نلاحظ أنك تشاركين بعض سلسلة من الصور تحمل عناوين مختلفة مثل “عشوائيات” “سنتر فيليات” عبر حساباتك الرقمية حديثنا عنها؟
ملاك: بدأت فكرة “سنتر فيليات” من شغفي بوسط العاصمة التونسية وشوارعها، حيث كنتُ أتجوّل في أزقتها، أتردد على الساحات العامة، وأصعد إلى أسطح البنايات والعمارات ومدرجاتها لألتقط مشاهد ولحظات عابرة، أعدلها ثم أشاركها على منصات التواصل الإجتماعي.
كثيرا ما يقول لي المتابعون: “كنّا نرى هذه التفاصيل يوميا دون أن نوليها اهتماما، لكن حين التقاطها بعدستك، رأيناها بمنظور مختلف وأصبح لها معنى”.
في البداية، كنت أنشر الصور بشكل عشوائي عبر “ستوريز”، قبل أن أقرر تسميتها “سنتر فيليات” على هذا السلسلة من الصور. هذه التجربة تلهمني وتدفعني للاستمرار، وتؤكد لي دائما أن لديّ زاوية خاصة ورؤية تستحق المشاركة.

أميمة: نراك اليوم تشاركين تقريبا بانتظام في توثيق التحركات والتظاهرات في الشارع التونسي.. ما طبيعة التحديات التي تواجهونها كمصورة صحفية أثناء عملك في الميدان؟
ملاك: في الواقع، نتعرض لتضييقات كأي صحفي أو صحفية، وهي تحديات مشتركة، لكن تظلّ التضييقات الميدانية من أكبر التحديات التي أواجهها كمصورة صحفية، وهي صعوبات يتقاسمها معي معظم الزملاء، مثل فرض التراخيص، ومنع التصوير، الملاحثقات الأمنية، التعرض للعنف أو الخطر أثناء التدافع في التحركات الميدانية.
وإلى جانب هذه العوائق، أواجه تحديا آخر يتعلق بقامتي القصيرة، فعندما أرغب في التقاط صورة كاملة وزاوية واسعة لمشهد احتجاجي مثلا، أجد نفسي مضطرة للبحث باستمرار عن مكان مرتفع أو تغيير الزاوية أو الصعود على شيء ما حتى أصور. رغم كل هذه العراقيل، أجتهد وأبحث عن حلول ولا أعود إلاّ عندما أحصل على غنيمتي من الصورة المناسبة.
أميمة: عندما ترفعين الكاميرا أمام قوات الأمن أو وسط مظاهرة، هل تشعرين أنك تؤدين عمل صحفيا فقط، أم أنك تحملين أيضا مسؤولية حفظ ذاكرة سياسية قد يحاول طمسها؟
ملاك: بالنسبة لي، التصوير الصحفي هو مسؤولية كبرى وليس مجرد مهنة عادية أمارسها لتنتهي بعودتي للبيت، عندما أخرج للتصوير أشعر كأني أحمل مسؤولية ثقيلة وأمانة على عاتقي، ولا أرتاح إلاّ عند تأمين المادة المطلوبة ومرورها بمختلف مراحلها، من تخزينها ومعالجتها ثم نشرها. ولا يرتاح بالي إلاّ بانتهاء العملية كاملة.
من الأكيد أن التصوير يتجاوز حدود إلتقاط اللقطة إلى حفظ الذاكرة عبر توثيق التاريخ، والمكان، السياق والأحداث وهو مهم بالنسبة للأجيال القادمة وشاهد على مرورنا بمرحلة ما.
أميمة: هل سبق أن شعرت بالخوف أثناء تصوير احتجاج؟ وكيف تتخذين القرار بين الاستمرار في التصوير الانسحاب حفاظا على سلامتك؟
ملاك: لم أشعر يوما بالخوف، ولم أنسحب يوما من الميدان حتى في اللحظات العصيبة أو الخطرة نوعا ما، كالعنف أو التدافع، بل أحرص دائما على توثيق تلك اللحظات بالذات… حتى أنه ذات مرة عندما حصل تتدافع وعنف، تلقيت ضربة، ورغم ذلك ابتعدت قليلا لاستئناف التصوير لا حقا. لا أتردد أبدا في نشر أي صورة، وهاتفي أو كاميرتي يرافقاني بإستمرار. لا أتردد ولا أخاف من أحد أثناء النشر، الاستثناء الوحيد بالنسبة لي هو ألا تضر الصورة بشخص ما أو تنتهك خصوصيته.
أميمة: هل سبق أن طلب منك حذف صور أو التوقف عن التصوير؟
ملاك: نعم، حدث ذلك في أكثر من مناسبة، استحضر حادثة تعود لسنة 2022 عندما كنتُ في مقهى بشارع الحبيب بورقيبة أنتظر بعض الأصدقاء، رأيتُ حمامة، فسحبتُ هاتفي وشرعت ألتقط لها صورا. وفجأة، جاءني عون أمن حاول تفتيش هاتفي وطالبني بحذف الصورة التي التقطتها، قائلا إن هذه هي الأوامر وإن التصوير هنا ممنوع.
وتكرر الأمر في صفاقس أثناء وجودي في أحد الأسواق، حيث كنتُ أحاول تصوير مقطع فيديو لمشاهد عامة للسوق، ليتقدم شخص بإتجاهي، لا يُعرف بصفته حتى وأخبرني أنه يمنع التصوير هنا. كذلك في إحدى التحركات الاحتجاجية، منعني بوليسي من التصوير وظل يلاحقني أينما حللت ويرفض أن أصور التحرك، ورغم ذلك كنتُ أراوغهُ إلى أن التقطتُ بعض الصور خلسة.
ورغم كل هذا، يواجه زملائي المصورون تحديات مستمرة من تضييقات كبيرة، تصل أحيانا إلى حدّ الإيقافات، واحتجاز كاميراتهم.
أميمة: برأيك، هل يمكن أن تختلف الصورة الصحفية حين تلتقطها عين صحفية مصورة؟ وهل يمكن أن يؤثر في فحوى الرسالة الصحفية؟
ملاك: أن تكون سيدة خلف الكاميرا، هذا شيئ مختلف، ويعني الكثير، إذ يصل المتلقي إحساس مختلف في الصورة. نحن ننقل الواقع بشكل مباشر، والعين التي ترصد المشهد تكون مختلفة، أكثر أمانة وصدقا، لأنها عين سيدة، فالصحفية المصورة خاصة حين توثق القضايا النسوية على سبيل المثال هي معنية بطريقة أو بأخرى، حتى إن لم تمسها شخصيا، وذلك لمجرد أنها تتقاسم معهنَّ ذات الجنس والانتماء.
أرى في ذلك شكلا عميقا من أشكال التضامن النسوي، وقدرة خاصة على الشعور بالآخر. فالصحفية حين تقف خلف الكاميرا لتصوير نساء أخريات، لا تكتفي بإلتقاط الصورة بهدف التصوير فقط، بل تعيش التجربة بوجدانها قبل عدستها.
هذا التضامن البصري هو انحياز واعٍ لإعادة الاعتبار للنساء في الفضاء العام، كل سيدة تمثل جزءا من ذاتي ومن نضالنا المشترك.
الكاميرا هنا تتحول إلى أداة غير محايدة جندريا، تنتصر للنساء، تصبح وسيلة اتصال وتضامن تمتد بيني وبينهنّ، حيث أمنحهنَّ المساحة التي يستحقونها في الكادر، وأمكّنهنَّ من رواية قصصهنَّ كما هي وأرى أن هذا مهم فالتصوير هو توثيق وحفظ الذاكرة في مرحلة ما ودليل على تواجدنا ومرجعا تاريخيا للأجيال القادمة.
في الميدان وأثناء التحركات الاحتجاجية، أجد عدستي تنجذب تلقائيا للنساء، تجدني، أبحث عنهنَّ في الصفوف الأمامية لأوثق حضورهنَّ كفاعلات، قائدات، وصانعات أثر، لا لمجرد تأثيث أو تأنيث الكادر. أرفض ركن النساء في خانة الضحية المستسلمة، ولعل من أبرز اللحظات التي وثقتها صورة أسميتها “فلقطنا باستا” لسيدة محتجة، كانت تقود المسيرة بشجاعة استثنائية وتقف بكل شموخ في وجه الشرطي، تحاول أن تتقدم في ساحة القصبة، كان ذلك خلال أحد تحركات المعطلات والمعطلين عن العمل.

كذلك في الجهات والهامش التونسي المنسي، قمت بتصوير نساء يحملن أوعية المياه على أكتافهنَّ، يشقون طريقا وعرة بخطوات ثابتة وخطرة في المرتفعات النائية، يمشين في الوحل وتحت الأمطار لجلب الماء. ورغم أن المشهد يبدو مأساويا في ظاهره، إلا أنني أحرص عبر الصورة على إبراز وتثمين صمود النساء وقدراتهنَّ على التحمل، والتضحية فالنساء لا يستسلمن، بل هنّ مقاومات ومناضلات أينما كنّ. كيف يتمسكنَ بوعاء الماء رغم ثقله ويمشين بصعوبة… هذا هو الكفاح وهذه هي الحقيقة.

أميمة: كمصورة صحفية، ما مدى وعي واهتمام التونسيين بثقافة الصورة؟
ملاك: أرى أنّ ثقافة الصورة في تونس ترتبط بقراءة الصور بحدّ ذاتها والتي قد تختلف من شخص لآخر، فهناك من يفهم عمق الصورة ويحلل أبعادها البصرية ويفكك شفراتها ويدرك رسالتها، وهناك من يكتفي بالنظر السطحي إليها.
أحيانا، في الغالب عندما أكون في قمة سعادتي وفخري بصورة كنت قد التقطها، أتفاجأ بتعليقات تبسط الأمر وتقول: “إنها سهلة وليس فيها أي تعقيد، ويمكن لأي شخص التقاطها حتى باستخدام هاتف جوال! وطبعا هذا ليس صحيحا، فالتقاط الصور ليس بهذه السهولة، خاصة فيما يتعلق بالصورة الصحفية، لأن القيمة الحقيقية لتلك الصورة لا تكمن في أداة أو الاستعراض التقني، بل في التوقيت، وزاوية الرؤية، والحس الميداني الذي يجعلك حاضرا في الكادر المناسب وفي اللحظة الحرجة لتوثيق اللحظة.
أميمة: هل ترين أن مجال التصوير منظم؟ أم أن هناك بعض التحديات التي يواجهها المصورين والمصورات الفوتوغرافيين؟
ملاك: قطاع التصوير الصحفي في تونس يعاني من غياب التنظيم والتهميش، ولعل أبرز التحديات، هي السرقات المتكررة للصور وأعمال البصرية بشكل عام، يتعرض معظم المصورين والمصورات اليوم إلى سرقة مجهودهم الميداني دون أدنى احترام لحقوق الملكية الفكرية أو الأخلاقيات المهنّية؛ إذ يتصرف البعض مع المادة المصورة وكأنها حق وملك مشاعٌ للجميع خاصة بعد تداوله على مواقع التواصل الإجتماعي.
أذكر على سبيل المثال، في الشتاء الماضي، أنني تكبدت مشقة كبيرة وعناء ميدانيا لتصوير مقطع فيديو يوثق غرق شوارع العاصمة بفعل الفيضانات، لأتفاجأ بعدها بنشر المقطع وتداوله على نطاق واسع من قبل أحد الأشخاص دون حتى ذكر اسمي أو نسب الحقوق لصاحبتها.
لا يقتصر الأمر عليّ فقط، فالجميع من الزملاء تعرضوا هم بدورهم لسرقات، أستشهد هنا بحادثة لصديق لي شارك بصورة في مسابقة وفاز بالجائزة، وبمجرد نشرها، تفاجأنا بشخص آخر يعيد نشر الصورة ويتفاعل مع المتابعين على أنها من تصويره الشخصي! وحين واجهناه وطالبناهُ بالتعديل، تعامل في البداية بمنطق الرفض وبرر فعلته بأن الصورة وقع نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي وبالتالي خرجت من ملكية صاحبها، وكأن الاستيلاء على جهد الآخرين بات حقًّا مكتسبًا.
هذه الحوادث تؤكد حاجتنا اليوم إلى إطار قانوني وهيكلي ووعي يحمي الصحفيين والصحفيات المصورين، ويصون كرامتهم المهنية وجهدهم الميداني من السرقات.
أميمة: ما هي رسالتك إلى كل شابة ترغب بأن تصبح مصورة صحفية؟
ملاك: أشجع كل شاب أو شابة يجد في نفسه الشغف لدخول هذا المجال، وأنا هنا دائما لمدّ يد العون والتوجيه لأي شخص يسعى لذلك، خاصة عندما تكون لديه عينا بصيرة ورؤية متفردة. رسالتي هي ألا تتردد؛ الميدان يحتاج إلى عينك، وإلى رؤيتك الخاصة، وإلى الإصرار على نقل الحقيقة فقط انتبهوا لأنفسكم-ن.


















