في بيتٍ بسيط بمدينة ازويرات الموريتانية حيث ولدت، ولد وعي مكفولة إبراهيم، في عمق أسرة بسيطة لا في قاعة محاضرات ولا في إطار تنظيمي. وهناك، وسط تفاصيل يومية بدت عادية للجميع، بدأت مكفولة الطفلة تلاحظ اختلالًا صامتًا في توزيع المهام والسلطة والواجبات بين الذكور والإناث. ذلك الإحساس المبكر باللامساواة تحوّل مع السنوات إلى موقف، ثم إلى خيار، ثم إلى مسار حياةٍ كاملٍ عنوانه المواجهة.
من الدراسة الجامعية في الجزائر، حيث اتسعت الصورة وتكشّفت الأسئلة الكبرى، إلى ساحات الجدل العمومي في موريتانيا، خاضت مكفولة معاركًا متعددة؛ ضد قراءات فقهية جامدة، وضد سلطة سياسية مترددة، وضد حملات تشهير حاولت إخراجها من المجال العام. تعرّضت للاعتقال، ونجت من تهديدات مباشرة، لكنها رغم كل هذا، ترى أنّ الأخطر من كل ذلك هو الصمت المفروض على النساء باسم الدين والعرف والأسرة.
في هذا الحوار الخاص مع منصة “هنَّ”، تتحدث مكفولة إبراهيم عن كلفة النضال، عن هشاشة القوانين أمام سطوة العقليات، عن نساء انسحبن تحت ضغط الوصم، وعن أخريات يشكّلن اليوم جيلًا جديدًا يرفض العودة إلى الخلف. وبين الأمل والخطر، ترسم صورةً لواقع للنساء في موريتانيا كما تعيشه هي وهنّ لا كما يُسوَّق رسميًا.
كيف كانت انطلاقتكِ في العمل النسوي؟
بدأت العمل النسوي مبكرًا، لكن ليس بالوضوح الذي يعرفه العالم اليوم. كان خجولًا جدًا، وربما كان مجرد ردة فعل على واقع عشته. فرغم صغري، أدركت اختلالًا كبيرًا بيني وبين أبناء خالي، كنا نقيم جميعًا مع الجدّة. كان أبناء خالي يحظون باهتمام أكثر مني، ففي حين كانت تُنسب إليَّ معظم الأعمال المنزلية، بينما يُطلب منهم القليل جدًا. لم أكن أعي تمامًا ما يحدث، لكن تلك التجربة شكلت نواة الوعي لديّ.
ما اللحظة التي أدركتِ فيها أنّ النضال النسوي لم يعد خيارًا شخصيًا، بل ضرورة وجودية؟
هذه اللحظة… شغلتني عنها الأسرة والعمل فترة من الزمن. لكن سنوات الدراسة الجامعية في الجزائر جعلتني أرى الصورة أكثر وضوحًا. هناك بدأت الأشياء تتكشّف.
كيف تشكّل وعيكِ النسوي في سياق اجتماعي محافظ مثل المجتمع الموريتاني؟
التجربة العملية الخاصة بي، والواقع اليومي للنساء، وبعد تبلور الميديا وانتشارها، اتضحت الصورة أكثر. لم يعد بإمكاني التزام الصمت.
ما الفرق بين ما كنتِ تتصورينه عن النضال في بداياتك، وما اختبرته فعليًا على الأرض؟
ربما هذا هو السؤال الأكثر صعوبة. فنحن نتصور أن ما نناضل من أجله يمكن تحقيقه في فترة زمنية وجيزة. بينما الواقع يقول إن التغيير قد يحصد أعمارنا وأعمار الجيل الذي يلينا. لماذا؟ لأنّ العادات والتقاليد ليست مجرد سلوكيات عابرة؛ إنها ثقافة يتشبّع بها المجتمع، وتغييرها يحتاج عقودًا. ويحتاج أيضًا إلى سلطة سياسية واعية، لا إلى سلطة تنافس رجال الدين على بناء قصور الآخرة، ولا تهتم بواقع الأفراد الحالي المتردي.
هل تشعرين أحيانًا أن كلفة النضال تفوق طاقة الفرد؟ وكيف تواصلين رغم ذلك؟
بالفعل، قد يكلّف النضال الشخص حياته. أنا محظوظة لأنني بقيت على قيد الحياة بعد استهدافي سنة 2017. هذا فضلًا عن حملات التشويه والتشهير والوصم التي تديرها خلايا وتيارات ترفض أي تحديث في المجتمع، وتعتبر أنّ أمثالي خطر على وجودها.
أما عن كيفية مواصلتي؛ فأعتقد أن القناعات المدعومة بالمعلومات المنتشرة عبر الإنترنت، والتجربة التي صقلتني، ساعدتا كثيرًا. وضِف إلى ذلك ظهور طلائع جديدة من النساء والشابات. رؤيتهنّ كانت تدعمني وتقوّي صمودي.
تتعرضين دائمًا للتشهير والسب والقذف. كيف يؤثر التشهير على الناشطات كنساء، قبل أن يكنّ فاعلات حقوقيات؟
تأثيره سلبي للغاية. بعض النساء لم يتحمّلن، وتخلّين عن قناعاتهنّ، ورضين بالواقع. كان التشهير والوصم أداة لضرب كل شابة أرادت أن تطلّ برأسها ناقدة عادات المجتمع وتقاليده وذكوريته.
لماذا يُستهدف صوت الناشطات بالتشهير أكثر من غيره؟
لأنهن أكثر وعيًا، ولأنهنَّ يملكن القدرة على المحاججة، لأنهن يحاولن الحصول على حقٍّ لهنّ يمتلكه شخص آخر في عُرف المجتمع. ولأن الناشطات يقلن ما يُراد له أن يظل في الظل.
سُبِق وتم اعتقالكِ بسبب نضالك. ماذا كشف لكِ الاعتقال عن علاقة السلطة بأصوات النساء؟
أعتقد أن اعتقالي كان نتيجة تحريض من داخل قبة البرلمان، ومن بعض المدونين، وبعض أئمة المساجد الذين تلقوا تعليمًا محظريًا في مناطق معزولة أصلًا، وجاءوا توًا إلى المدينة. ربما أصيبوا بصدمة الأضواء والهواتف والصور، فاعتبروا أن هذا عملٌ أراد به الغرب تدمير الإسلام، وأنني أحد معاول الغرب! ومن جهة أخرى، كان البعض يسعى إلى التقرب من السلطة عبر دفعها لاعتقالي، وكل هذا كان محاولةً لإسكاتِي فقط.
هل غيّرت تجربة الاعتقال من أدواتكِ في النضال أو من خطابكِ؟
ربما نعم، فقد فهمت أنني مستهدفة، وأن البعض يدفعني إما للخروج من البلد أو للسكوت، ولكني اخترت أن أواصل، لكن بطرق أخرى.
ما أبرز المعارك التي خضتها، وما المعركة التي ما زالت مفتوحة؟
كل المعارك مفتوحة. لكن أبرز معركة خضتها كانت كسر الحواجز النفسية التي بنتها قراءات فقهية معينة في عقل المواطن. تلك الحواجز التي يعكسها التقدير المفرط الذي يحظى به رجلٌ ماكر، متدثر بلحية وجلباب، يخطُّ للناس حياتهم ويوجّههم. اليوم، لم يعد الانتقاد يأتي مني وحدي. انتشرت المفاهيم الحقوقية، كما انتشر الوعي.
هل تعتقدين أن وضع النساء في موريتانيا يعود إلى الإشكال في القوانين أم في العقليات أم في الاثنين معًا؟
الاثنان معًا. فليس هناك قانون يحمي النساء، رغم أنهن تتعرضن لظلم المجتمع أكثر من غيرهن، والعقليات المجتمعية هي التي تتحكم.
كيف تفسرين التناقض بين الخطاب الرسمي حول حقوق النساء والواقع المعاش؟
الخطاب الرسمي موجّه إلى الشركاء التنمويين في الخارج، أما واقع النساء، فهو خاضع للعقليات. والدليل، أن السلطة كانت دائمًا تمتلك أغلبية برلمانية، ومع ذلك لم تُجِز القانون رغم هذه الأغلبية.
ما حدود مسؤولية الدولة في حماية الناشطات من العنف الرمزي والمادي؟
لا أعتقد أن الدولة تأخذ على محمل الجد العنف الذي تتعرض له الناشطات، إلا حينما يصل إلى مرحلة القتل. أتذكر أن السلطات الأمنية اعتقلت أحد الإرهابيين الذي كان تحت المراقبة، وألقت القبض عليه عند باب منزلي. واعترف أنه كان ينوي قتلي. أما إن كنتَ تقصد القضاء، فأعتقد أنه غير مثالي فيما أُوكل إليه. بدليل أنني تقدمت بشكاوى منذ 2017، ولم يتم التجاوب معها. كما يقول المثل الشعبي: “حاك لهم فم اكراد” (يفرحهم).
هل يمكن الحديث عن حركة نسوية موريتانية موحدة، أم عن نضالات متفرقة؟
هي نضالات متفرقة.، كما قلت سابقًا، بعض النسويات فضّلن الخروج من ساحة النضال تحت تأثير التشهير والوصم وتشويه السمعة.
متى تأسّست الحركة النسوية في موريتانيا؟ هل كان ذلك ردًّا على حدث ما؟
لا يمكن القول بتأسيسها، لأنها غير منظمة. لكن بداياتها بدأت تتكشف سنة 2012.
كيف تقيمين دور الإعلام الموريتاني في تناول قضايا النساء؟
ربما كان الأسوأ على الإطلاق؛ فالإعلام اعتمد على إعادة نشر الصور النمطية للنساء، بل وإعادة تدجينها عبر مرويات تاريخية. أما بالنسبة للنسويات، فقد تم منع الإعلام من استضافتهن. الإعلام غير حر، ومرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلطة.
من هنَّ النساء الأكثر عرضة للتهميش في المجتمع الموريتاني اليوم؟ ولماذا؟
باختصار شديد هنَّ أبناء الطبقات الهشة، والنساء المنحدرات من أسرٍ استُرقت واستعبدت.
كيف تتقاطع قضايا النوع الاجتماعي مع الطبقية، والرق، والانتماء الاجتماعي في موريتانيا؟
قضايا النوع الاجتماعي، وخاصة بالنسبة للمنحدرين من أوساط اجتماعية هشة، هي قضايا هامشية. لا تثير لعاب الساسة، وليست مركزية في نقاشاتهم.
كيف يُستخدم الخطاب الديني أو الأخلاقي لتبرير تقييد حقوق النساء؟
تُخضَع جميع القضايا للتفسير الديني، حتى وإن كانت قضايا مستحدثة. القائمون على الشأن الديني ينافسون رجال الدين في الاحتفاظ بالتفاسير القديمة. يُستخدم هذا الخطاب عبر فتح المنابر له، واستضافة حامليه، ونشره، وتكفير كل من أراد الحديث من خارج السرب.
وهذه تيارات دينية تعتقد أن لها الحق؛ بما أن الدستور مرجعيته إسلامية؛ في فرض رؤيتها. لكنها إسلامية ستاتيكية، فقه ستاتيكي (جامد) يرفض التحديث. يُستخدم الخطاب الديني لثني أي تفكير، أو أي تبرير لا يستخدم المنطق الديني المتعارف عليه.
هل مازالت الأسرة تُستعمل كأداة لضبط النساء وكبح حريتهن؟
نعم، ولكن ليست الأسرة وحدها، بل هي ومن بعدها القبيلة، ثم الدين والعُرف.
إلى أي حد يشارك الرجال في إعادة إنتاج العنف ضد النساء، صمتًا أو فعلًا؟
كثير من الرجال يعتبرون أنفسهم مسؤولين اجتماعيًا ودينيًا عن أي امرأة. وبالطبع، يريدونها نموذجًا للصورة التي يريدها المجتمع. هم في الإعلام؛ وهو السلطة الرابعة، يحصرون قضايا النساء، إن نوقشت، في قضايا الختان رغم أهميتها، وفي الصور النمطية. والدليل أن أغلبية الرجال في البرلمان يعارضون قانونًا يحمي المرأة من العنف.
ما الذي تخشينه أكثر على مستقبل النساء في موريتانيا؟
التيارات الدينية التي تزحف وتسيطر على السلطة شيئًا فشيئًا. وهي نفسها التي تتبنَّى خطاب: “المرأة من البيت إلى القبر”.
وما الذي يمنحكِ الأمل رغم كل الانتكاسات؟
الحياة حلوة ومتجددة، وأنا أحب الحياة.
كيف تتصورين نضالًا نسويًا لا يُقصي المجتمع ولا يخضع له؟
لا أعتقد أن النضال النسوي يستهدف المجتمع. هو يستهدف عقلية لا تنصف النساء فقط. أما قضية الخضوع له، فهي انتهاك لحقوق النساء. التحرر يحتاج ثمنًا. ولا شيء أهم في هذه الحياة من أن يكون المرء سيد نفسه، حرًا في قراراته. فما بعد الحياة إلا الفناء، حيث لا مجتمع ولا أسرة، ولا هم يحزنون.
هل الخلاف بين النسويات صحي أم يُستغل لإضعاف النضال؟
بكل تجرّد؛ هو خلاف غير واعٍ في معركة تحتاج تكاتف الجهود. وهو يُستغل لإضعاف النضال، لا شك في ذلك.
لو أتيحت لكِ فرصة توجيه سؤال واحد للمجتمع الموريتاني، ماذا سيكون؟
ما الفائدة التي يقدّمها التعليم الأصلي، ما دامت المدرسة تقدم التعليم نفسه مع مواد أخرى؟



















