مقترح  قانون الأم العاملة:  تمكين حقيقي أم تعزيز للتميز والنزعة الذكورية

تقدم عدد من نواب مجلس الشعب بمقترح قانون أساسي يهدف لضمان تمكين الأمهات العاملات من التوفيق بين الحياة المهنية والعائلية من خلال تسهيلات وإجراءات حمائية وتحفيزية تطبق في القطاعين العام والخاصّ. وقد تمّت إحالته من طرف مكتب المجلس إلى لجنة الصحة  والمرأة  والشؤون الاجتماعية.

وتقدم 16 نائبا من بينهم النائبة سيرين مرابط، ريم الصغير، أسماء الدرويش، نجلاء اللحياني،  ويُسري بواب.

“قانون الأم العاملة”: رؤية “ثورية” لدعم المرأة في تونس

يصف النائب بمجلس نواب الشعب في حديث خاص “لهنّ” يسري بواب، المشارك في طرح مقترح “قانون الأم العاملة”  هذا التشريع بأنه “ثوري بامتياز”. ويهدف المقترح إلى وضع إطار قانوني متكامل يدعم النساء العاملات من أجل التوفيق بين حياتهن العائلية والمهنية وحمايتهن من التمييز داخل إطار العمل.

ومن أبرز أهداف هذا القانون نجد؛ “حماية المسار المهني للأم العاملة وتكريس تكافؤ الفرص في مواقع العمل، توفير التوقيت المرن الذي يساعد على الموازنة بين متطلبات الأسرة والوظيفة كالعمل عن بعد، تمكين الأمهات اللاتي يربين أطفالًا من ذوي الاحتياجات الخاصة أو اضطراب طيف التوحد من امتيازات مهنية فعالة تضمن لهن القدرة على رعاية أطفالهن، ضمان حقوق الحوامل والمرضعات في ظروف تقييم مهني عادلة ومتوازنة، ترسيخ الحق في التقصي الصحي الوقائي المنتظم للمرأة العاملة، بما يضمن صحتها وسلامتها على المدى الطويل وإلزام المؤسسات  الكبرى بتوفير محاضن لرعاية الأطفال”.

ويُشير بواب إلى أن الامتيازات التي سيمنحها القانون للأم العاملة “لن تشكل عبئا  كبيرا على أرباب المؤسسات المهنية نظرا لأنه يتيح لها، العمل عن بعد”.

هذا المقترح، بحسب أصحاب المبادرة التشريعيىة يسعى لـ”تجاوز التصورات التقليدية ليقدم مقاربة شاملة تعترف بالدور المزدوج للمرأة وتعمل على حمايتها والتمكين لها في كل من محيطها الأسري والمهني”.

آليات تنفيذ  مقترح قانون الأم العاملة وتأثيره على ميزانية الدولة

يتابع النائب يسري بواب حديثه عن آليات تنفيذ هذا القانون، موضحًا أن تطبيقه سيتم بالتعاون بين وزارة الأسرة والطفولة والمرأة وكبار السن، وسيُدعم المقترح بتمويلات اجتماعية ومساهمات من الشركات المشغلة، “دون إثقال أو ضغط على ميزانية الدولة”.

ويؤكد بواب أن هذا القانون سيكون إلزاميًا في حال التصويت عليه، وسيتضمن جانبًا رادعًا في حالة حرمان النساء من حقوقهن في العمل.

“عوامل مختلفة وراء طرح مقترح  قانون  الأم العاملة ’’

يقول النائب يسري البواب إن مقترح قانون الأم العاملة “جاء نتيجة لعدة عوامل أساسية، أبرزها غياب مرونة الوقت للأم العاملة وغياب الأم لفترات طويلة عن  جانب طفلها”.

ويرى بواب أن “انشغال الأم عن طفلها في مراحله المبكرة يؤثر عليه صحيًا ونفسيًا”، خاصة أن عطلة الأمومة في تونس بعد الولادة لا تتجاوز 3 أشهر ونصف و 4 أشهر كحد أقصى في حالة ولادة توأم أو كان  المولود يعاني من مشاكل صحية.

وتبلغ نسبة الإناث في سوق الشغل بتونس  28.8 بالمائة حوالي 65 بالمائة منهن أمهات، حسب آخر أرقام للمعهد  الوطني للإحصاء بتونس لسنة 2023.

ويوضح بواب أن هذا الغياب قد تكون له تداعيات مستقبلية، مثل ارتفاع نسب الجريمة والانقطاع المبكر عن الدراسة، كما يولد بعض الأطفال حاملين لمتلازمات مثل طيف التوحد أو يعانون من إعاقات وأمراض أخرى تستدعي مرافقة الأم ووجودها بجانب طفلها بشكل  شبه مستمر.

ويهدف هذا القانون بحسب بواب إلى “استعادة حضور المرأة  داخل المنزل لكي تربي طفلها وتغذيه وتوفر له حنان الأمومة في مراحله الأولى، دون أن يؤثر ذلك على فرصتها ووظيفتها في العمل أو أن يعرضها إلى التمييز واللامساواة بأي شكل من الأشكال.

انتقادات واسعة تطال القانون قبل التصويت عليه

رغم أن مقترح القانون لم يتم التصويت عليه بعد، فإنه يثير الكثير من الجدل  والمخاوف لدى أوساط حقوقية ونشطاء،  إذ يرى البعض أن هذا القانون رغم أهدافه الرامية إلى تحسين أوضاع الأمهات العاملات وإنصافهن، إلاّ أنه  قد يتحول إلى ذريعة للرجل للتملص من مهام  تربية  ورعاية الطفل وتعزيز الصور النمطية لدور المرأة في الرعاية بشكل عام لدى  المجتمع الذي لا يعترف منذ التنشئة بالمساو اة في المهام خاصة المتعلقة بالبيت بين الجنسين.

وفي هذا السياق تقول الناشطة النسوية في الشأن الاقتصادي “سحر مشمش”  في تدوينة نشرتها عبر صفحتها الرسمية “فيسبوك”  ’’أن القانون يخصص عطلة أعمال الرعاية للنساء فقط، هذا التوجه يعزز فكرة أن العناية بالأطفال، كبار السن، والمرضى هي مسؤولية النساء والفتيات وحدهن ويخرج الرجال والدولة من هذه المعادلة. 

وترى سحر أن هذا القانون قد يشجع الدولة والمجتمع على عدم الاستثمار في خدمات عامة للرعاية (مثل الحضانات، رعاية المسنين، ودعم ذوي الإعاقة) بحجة أن “المرأة موجودة وتم منحها الامتيازات الشغلية للقيام بهذه الخدمة”.

من جهتها عبرت  الناشطة النسوية سحر عن خشيتها من أن يقوي هذا المشروع المقترح التمييز ضد النساء في التوظيف، خاصة وأن المرأة التونسية تعاني أصلا من التمييز في سوق الشغل، فعندما تفرض الدولة امتيازات خاصة للنساء ( كالعطلة الإضافية) قد تتردد الشركات في توظيفهن، خوفًا من تحمل كلفة إضافية عند إعادة توزيع العمل على الموظفين الآخرين في الفترة التي تخرج فيها المرأة العاملة في عطلة رعاية أو تطلب مرونة في العمل، إضافة إلى ذلك، وبينما يمنع القانون التمييز في الطرد، فإنه لا يذكر بوضوح منع التمييز في التوظيف، وهو أمر يصعب مراقبته حتى لو نُص عليه ضمن القانون.

من جهته لم  يتناول القانون نصيب النساء العاملات في القطاعات الحرة ” الفريلانس” وهو ما يطرح تساؤلات جادة حول مدى استجابة القانون ومواكبته لمتطلبات الراهن ومتغيراته، خاصة وأنه ثمة  أعداد متزايدة من النساء الحوامل والأمهات يعملن ضمن نظام “الفريلانس”.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • تحقيق| زواج القاصرات.. تطبيعٌ مجتمعي يخترق ثغرات القانون بالمغرب 

    مريم، هي فتاة تبلغ من العمر الآن 23 عامًا، تم تزويجها عندما كانت قاصرًا، في سن الـ13 سنة بمدينة الدار البيضاء، والطريقة التي تم بها زواجها، بسيطة للغاية؛ كما هو حال الكثيرات في المغرب؛ من خلال الزواج العرفي، وهو ما يسمى "عقد القران" الذي يتم بمجرد قراءة الفاتحة. الطفلات لا يمتلكن الأهلية للقبول   في زواج…

    سعيد المرابط|

  • ذكرى “20 فبراير” بعيون نسائية.. “حركة أسقطت جدار الخوف”

    صدحت حناجرهم قبل 14 سنة من اليوم، وهي تلهج بشعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية"، فكانت مطالبهم رغم بساطتها جوهرية، وذات مغزى؛ نظام سياسي ديمقراطي متوازن، خدمات اجتماعية تليق بجميع المغاربة، وتمكين المواطنين من عيش كريم يحفظ كرامتهم. رغم صغر سنهم، حمل شباب "20 فبراير" من الوعي ما يكفي للمطالبة بالتغيير والإصلاح، مؤمنين بأن الحق لا…

    عفراء علوي محمدي|

  • مشروع قانون الإضراب: “فرملة” لحق دستوري تضاعف معاناة العاملات والأجيرات

    لم يستطع الرفض المجتمعي ولا تحركات المعارضة البرلمانية، ولا جبهة الدفاع عن ممارسة حق الإضراب، التي تضم 18 هيئة نقابية وحزبية، مقاومة تمرير مشروع قانون رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب. ف في جلسة عمومية بمجلس النواب، تم التصويت على هذا القانون يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2024 بالأغلبية، رغم الجدل المجتمعي الواسع…

    سناء كريم|

  • بنات الحسناوي.. من أتون الحرب إلى ربوع الوطن

    الرباط: سامي صبير "أنا ريحانة، وأنا زينب الصغيرة، وأنا أريج الأخت الوسطى"، بهذا التقديم الطفولي افتتحت الطفلات الثلاث حديثهن لمنصة "هوامش"، ليحكين تتمة قصة نجاتهن من ويلات الحرب وعبور الحدود إلى تركيا، ثم الوصول إلى أرض الوطن رفقة الوالدين، في السادس من يونيو الماضي، عقب أمر ملكي، وفقا لرواية الأم، "وفرت إثره القنصلية المغربية باسطنبول…

    Hounna | هنّ|