في صباح اليوم الرابع من شهر يونيو الجاري، كانت زينب، عاملة زراعية مغربية، تودّع حقول الفراولة الإسبانية في مدينة هويلفا ليس لأنها أنهت موسم العمل، بل لأن أحدهم قرر أن رحلتها يجب أن تنتهي هنا. لم تغادر بإرادتها، ولا أنهت عقدها بسلام. زينب، التي شُخّصت حديثًا بسرطان عنق الرحم في مرحلته الرابعة، أُجبرت على ركوب حافلة أعادتها إلى المغرب، تاركة وراءها علاجًا لم يبدأ، وأملًا لم يُمنح فرصةً للنمو.
من الحقول إلى المستشفى: جسد ينذر بالخطر
عملت زينب لسنوات في مزارع هويلفا الإسبانية ضمن نظام التعاقد في البلد الأصل المعروف بـ”GECCO”، وعُرفت بجدّيتها والتزامها. خلال الموسم الأخير، بدأت تشعر بألم مستمر في الحوض ونزيف مهبلي لم ينقطع. كانت تتكتم على معاناتها، كما تفعل كثيرات في مثل وضعها، خوفًا من فقدان العمل أو الترحيل المبكر.
لكن الألم اشتد، ليقودها إلى مستشفى “خوان رامون خيمينيث الجامعي”، في مدينة هويلفا، حيث خضعت لفحوصات دقيقة انتهت بتشخيص صادم: سرطان عنق رحم في المرحلة IVB، مع مؤشرات على انتشار للرئتين. دخلت في ما يُعرف طبيًا بـ“المتابعة النشطة”، وكان من المنتظر أن تبدأ علاجًا تلطيفيًا عاجلًا، ووصفت لها أدوية خاصة صالحة حتى شهر سبتمبر.
قرار الطرد: المؤسسات تختار الصمت
خمسة أيام فقط بعد آخر استشارة طبية، وفي ظل تدهور حالتها الصحية، لم يتم توفير سرير علاج، بل مقعد في حافلة العودة. منسق برنامج “PRELSI”، (الخطة الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية والعمالية والمساواة) المدعو يوسف، وهو الذراع التنفيذي لمجموعة الضغط الزراعية Interfresa، حضر بنفسه إلى الحقل حيث كانت تقيم، وطلب منها مغادرة البلاد فورًا، وفق ما أكدته مصادر حقوقية لمنصة “هنَّ”.
حسب المعطيات التي استقتها منصة “هنَّ”، فإن برنامج PRELSI هو جهاز “إداري-شبه أمني” يُستخدم للسيطرة على العاملات الموسميات، بذريعة الحماية الاجتماعية، بينما يُستخدم في الواقع لإخفاء الانتهاكات وضمان “الهدوء” داخل الحقول.
عندما كانوا ينفذون ترحيلها، كانت زميلاتها يراقبن المشهد المؤلم؛ زينب تبكي، تتوسل للبقاء، تشرح أن عليها بدء علاج كيميائي وصفه أطباء المستشفى، لكن يوسف لم يُعر توسلاتها اهتمامًا، حسب ما أكدته مصادر “هنَّ”.
زينب نُقلت إلى الحافلة ومنها إلى المغرب، دون ضمانات لاستكمال العلاج، دون متابعة طبية، ودون أن تُمنح أدنى حقوقها كعاملة مريضة.
تواطؤ بالصمت: أين المؤسسات؟
المؤلم في هذه القصة ليس فقط مرض زينب، بل تواطؤ الصمت من كل الجهات المعنية، فحسب ما يراها الصحفي الإسباني بيريكو إِيتشيباريا، فإن المسؤولية تقع على “المستشفى شخّص الحالة وخطط للعلاج، لكنه لم يُفعّل آليات لحمايتها كمريضة مزمنة، الشركة المشغّلة (Berrys La Fontanilla S.L.) التي رغم علمها الكامل بحالتها، أعطتها شهادة إنهاء عمل عادية بسبب نهاية النشاط”.
وأضاف بيريكو في حديث مع “هنَّ”، أن منظمة “Interfresa”، عبر برنامج “PRELSI”، لم تدافع عن العاملات كما تدّعي، “بل نظّمت وأشرفت على ترحيل زينب”.
“السلطات الحكومية، وعلى رأسها مندوبية الحكومة في هويلفا، تلقت إشعارات مسبقة من جمعية ‘آميا’ لكنها لم تتحرك”، يؤكد المتحدث.
زينب كانت تملك بطاقة إقامة قانونية سارية حتى 2028، وسجّلت أكثر من 180 يومًا من الاشتراك في الضمان الاجتماعي الإسباني، ما يمنحها قانونًا الحق في العلاج والتعويض عن المرض. “لكنها لم تُعامل كمواطنة دافعة للضرائب، بل كعنصر مزعج يجب ترحيله في صمت”، وفق تعربين بيريكو.
اليوم، تعيش زينب في إحدى القرى المغربية، منقطعة عن العلاج، تحت رحمة مرض خبيث لا ينتظر. قصتها ليست استثناء، بل مرآة تكشف هشاشة حماية العاملات الموسميات في أوروبا.
ترحيل زينب لم يكن خطأً فرديًا، بل نتيجة سلسلة قرارات ممنهجة، حيث تغلبت حسابات الإنتاج على قيمة الحياة. اسمها اليوم صار رمزًا لقضية أكبر: كيف تُعامل العاملات المهاجرات حين يمرضن؟ ومن يملك حق تقرير مصيرهن؟














