مغربيات هويلفا.. من يضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟ 

“من سيضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟

ومن للرجال.. إذا قيل ما نسبُ القومِ؟

فانسكبت في خدود الرمال دموع السؤال؟”

أمل دنقل

في بداية العام، كنت عائدًا من هويلفا، حيث تلتقي الأرض والسماء في أحضان حقول الفراولة الإسبانية، تلك التي لا تعرف فقط طعم الندى وحلاوة الثمار، بل تختزن في طياتها حكايات دم وعرق نساء مغربيات، لم يحملن سوى حقيبة صغيرة وأحلامًا هشّة، وغصن أمل في قلب الغربة القاسية. هناك، في تلك البقعة التي تتشح بالخضرة، لم أر إلا وجوهًا أنهكها التعب، وعيونًا انتهكها الظلم، تخفي وراءها قصة صمت طويل، تتراقص بين حلم العيش الكريم وواقع الاستعباد الحديث.

كيف لي أن أتحدث عنهنّ؟ كيف ستكون ردة فعلي حين أضع أمي أو أختي مكانهنّ، كيف أقبل ظلمهنّ حين تخوض واحدةٌ منهنّ رحلة مجهولٌ مصيرها في حقول لا تُرحم؟ كيف يمكن للقلوب أن تصمد أمام مشاهد نساء يُطردن دون أجر، يُتاجر بحقوقهن، ويُتركْن لمرارة الغربة في ضيعات الفراولة؟ أسئلة حارقة تنهشني، وأنا أحاول أن أفتح نافذة على عالم صنعت فيه عقود العمل الموسمية قيدًا مرصوصًا، مُزيّنًا بالوعود المزيفة وبروتوكولات الخداع القانونية.

على مدى خمسة وعشرين عامًا من اعتماد نظام الإدارة الجماعية للتعاقدات الأصلية (GECCO)، الذي صُمم ليضمن الهجرة الدائرية المنظمة، تسلل الفساد إلى جسد هذه العقود، التي صُوِّرت آلاف المرات على أنها “عقود عمل وخدمة”، لكنها في الواقع كانت شبكة متعنكبة، يختلط فيها الخداع القانوني بالتلاعب، تشوهت فيها علاقات العمل المؤقتة أو المتقطعة إلى أدوات لخفض الحقوق والتزام الشركات، وتقليل المساهمات الاجتماعية، حتى أصبح الأمر احتيالًا هائلًا تواطأت فيه مؤسسات كثيرة، وتغاضت عنه دون تصحيح، فترسخ الانتهاك وعمت الظلمة.

لم يكن هذا مجرد خلل إداري، بل فضيحة إنسانية؛ فبعد سنوات من هذا النظام، يستمر تكرار الحيل القانونية، حتى مع فرض استخدام عقود متقطعة في 2022، حيث لجأت الشركات إلى فترات تجريبية متلاعبة، واستقالات كانت النساء الأميات يوقعنها دون معرفة محتوى الوثائق، وحملات ممنهجة لتفادي تثبيت الحقوق، فازدادت معاناة العاملات، التي لم تتحرك أي جهة رسمية أو قانونية لإيقاف هذا النزيف الذي يعشنه، في منطقة تبدو جغرافيًا في أوروبا القانون وتبدو واقعيًا خارج مدار هذا القانون… منطقة يحكمها قانون المال فقط!  

في موسم الفراولة، لا تُقطف فقط الثمار الحمراء، بل تُقطف الكرامة، تتكسّر الأحلام، وتُدفن الحقوق في طيّات الأوراق الرسمية التي لا تقرأ إلا من قبل من يملك السلطة. 

هاهي امرأة حامل في شهرها الخامس بلا عقد ولا أمان، وجدت نفسها وحيدة في أرض غريبة، بلا دخل، بلا أوراق تُثبت وجودها، بلا حق في الرعاية. وامرأة أخرى، تسكّن الألم بصمت، تكافح مرض سرطان عنق الرحم، تُجبر على العودة إلى وطنٍ لا يملك دواءها، تُطرد كأنها عبء غير مرغوب فيه، وسط صمت رسمي مخزٍ، يُعزز المآسي بدلًا من أن يُوقفها.

وهنا يظهر وجهٌ آخر من وجوه المأساة؛ ففي ماي 2023، انقلبت حافلة تقلّ عمالًا مغاربة إلى العمل في “ألمونتي”، أسفرت الحادثة عن وفاة عامل واحد وإصابة 39 آخرين، لم يتلقوا رعاية متكاملة، بل بقي كثيرون منهم محاصرين في مساكن الشركة، معزولين عن الدعم القانوني والطبي، وتحت التعتيم الإعلامي والمؤسسي. 

نُقل البعض دون علم الجهات الصحية الرسمية، وحرمت أصوات الضحايا من الترجمة القانونية أو الاستشارة، فيما سُجلت إصاباتهم بأقل مما هي عليه في الواقع، سجلت بشكلٍ لا يعكس معاناتهم الحقيقية، وصُنفت على أنها “دائمة غير مسببة للإعاقة”، كأن الجروح التي نُحتت في أجسادهم هي مجرد خدوش لا تذكر، بينما هم يُعادون إلى حقول العمل، ناقصي القدرة، محرومين من تعويض عادل.

هذه الحوادث لا تندرج في خانة الطوارئ فقط، بل هي صورة قاتمة لآلية استغلال متأصلة، تُكرس انعدام العدالة، وتعكس غياب المسؤولية، بل تتغاضى عنها الدولة الإسبانية التي تختفي خلف تقارير لا ترى سوى أرقام بلا أرواح، تتجاهل وجع نساء يقطفن الفراولة في أشد ظروف القهر.

يجب إيقاف هذه الانتهاكات، يجب أن تتحرك الدولة المغربية، بثقلها لحماية بناتها، فهؤلاء لا صوت لهن إلا بعض الجمعيات النسائية مثل “AMIA” و”خورناليراس إن هويلفا” التي تقف مع العاملات، في مواجهة صمت الشركات التي تعطي ظهرها للضحايا وتغلق أبوابها أمام المساعدة.

وخلف كل 17 ألف عقد موسمي، و350 ألف طن من الفراولة تُصدّر إلى أوروبا، تختبئ نساء يعانين في صمت، يحملن حمولات لا تُرى، ليست مجرد ثمار، بل دموع وعرق وأحلام مكسورة. لا نسمع صوت زينب التي تخفي دمعتها في منزل بلا كهرباء في المغرب، ولا صوت سمية التي تُتهم زوراً بالتمارض، ولا المرأة الحامل التي أُجبرت على العودة بلا ضمانات، ولا هؤلاء الذين لا يعودون.

في الحقول الخضراء المزهرة، حيث تتفتح الفراولة كالورد الأحمر، تذبل كرامة نساء كُثر تحت وطأة الاستغلال والغياب القانوني. عاملة مصابة بالسرطان تُرسل إلى وطن لا دواء فيه، أخرى تُطرد بلا أجر، وأعداد هائلة تعيش على هامش قانون لا يحميهن، ونظام تأمين اجتماعي يُصنّف معاناتهن بخفة، في منظر قاتم يذكرنا بأن حقوقهن ليست إلا كلمات على ورق، تتلاشى مع كل موسم.

هل يعقل أن تُعامل نساؤنا كأرقام موسمية، تُستخدم وتُرمى كالعصي اليابسة؟ كيف يرضى العقل بأن يُنظر إلى تلك النساء كآلات عاملة في الشمس الحارقة، تزرع عبودية حديثة في قلب أوروبا، تُخفيها شاشات البروباغندا ووعود العقود المموهة؟

هذه ليست مجرد قصة مآساة فردية، بل شرخ عميق في منظومة العمل والهجرة، تستدعي إعادة نظر جذرية. نحن لا نحتاج إلى مزيد من التقارير الممزوجة بالحزن، بل إلى صوتٍ يصدح، إلى ضمير يُوقظ العدالة، إلى إرادة تصنع الفرق.

هل نُغلق أعيننا عن مأساة مغربيات هويلفا، أم هل سيأتي من يضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟ هذا السؤال الصامت يحمل في طياته نبض حياة آلاف النساء اللواتي يعشن على أطراف الحقول، بين العتمة والخوف، يبحثن عن حق بسيط: أن يعشن بكرامة.

ولكي لا تبقى هذه المأساة سجينة السطور، يجب علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نرفع صوتنا عالياً دفاعًا عن حق هؤلاء النساء في حياة كريمة، في أمان اجتماعي وقانوني يحميهن من الاستغلال والاضطهاد. لا يمكن أن نسمح لأنظمة التعاقد الملتوية أن تستمر في تحويل الأمل إلى قيد، ولا أن تُغلق أبواب الحوادث المتكررة خلف الكواليس، بلا مساءلة أو عقاب.

على الحكومات والهيئات الدولية أن تتخذ مواقف حاسمة، وتضع حدًا لهذا العبث بحقوق الإنسان، وتفرض رقابة صارمة على شروط العمل والهجرة، وتضمن تعويضات عادلة للضحايا، وتوفر رعاية صحية حقيقية تحفظ كرامة الجميع. 

وعلى المجتمع المدني والإعلام أن يكسروا جدار الصمت، وينقلوا قصص هؤلاء النساء من الظل إلى الضوء، فيفضحوا ما يُخبأ خلف أجسادهن المنهكة وقلوبهن المثقلة.

إنها لحظة الحقيقة، لحظة يقظة الضمير، لحظة نثبت فيها أن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى، وأن من يقطف الفراولة ليس مجرد عامل بل إنسان يحمل في داخله قصة وأملًا ومستقبلًا.

فهل ننتظر أكثر؟ أم نتحرك اليوم، لنكتب معًا صفحة جديدة، لا تُنسى في تاريخ أولئك النسوة اللاتي يستحقن أن يُقال عنهنّ، أنهنّ هُنَّ من يضمدن جرح الغزلان الصغيرة التي تركنها ورائهنّ في قرى الوطن البعيدة، إنهنّ عارنا ويجب أن لا نكون نحن من ترك الجرح ينزف؟

“إن الذى يطلق السهم ليس هو القوس… بل قلب صاحبه”، هكذا يلخص الشاعر المصري أمل دنقل هذه المأساة، فأولئك النسوة لسن ضحايا العبودية الإسبانية وحدها، بل ضحايا غض الدولة المغربية للبصر عن الانتهاكات المتكررة في حقهنّ منذ قرابة ربع قرن، نحن أيضًا متورطون بصمتنا العاجز اللزجِ والممطط، كلنا متورطون، دولة، مجتمعا مدنيا وصحافة، فقد قبلنا عقود “عبودية” نسائنا مقابل شهر عسل سياسي قميء. 

اقرأ أيضا

  • القمع والعنف في مشهد حقوقي متدهور.. “أمنستي” تصدر تقريرًا أسودا يكشف واقع النساء المغاربيات حقوقيًا

    في تقريرها السنوي لعام 2024، سلّطت منظمة العفو الدولية الضوء على التدهور المقلق لحقوق الإنسان في منطقة المغرب الكبير — والتي تشمل المغرب، الجزائر، تونس، وليبيا — مع توثيق نمط مشترك من القيود المتصاعدة على الحريات، والاعتقالات التعسفية، والقمع المنهجي للاحتجاجات السلمية، في ظل ما وصفته المنظمة بأنه حملة مستمرة لإسكات الأصوات المعارضة، من بينها…

    Hounna | هنّ|

  • اعتصام معركة الكرامة.. تونسية تُجسّد بـ”اضراب الجوع” أزمة التشغيل الهش

    في مشهد يُلخّص حجم الألم والتجاهل، تقف آمنة الزويدي، امرأة تونسية عاملة ومربية، بجسدها وحيدةً في مواجهة جدار الصمت الرسمي. فمنذ أزيد من أسبوعين، دخلت في إضراب جوع مفتوح أمام مجلس نواب الشعب، احتجاجًا على هشاشة ظروف العمل في المركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة، حيث تشتغل هي وزميلاتها وزملاؤها بعقود هشة ومن دون ضمانات…

    Hounna | هنّ|

  • نساء في مواجهة العنف القانوني: أرقام صادمة ومطالب بتعديل القوانين 

    تعيش العديد من النساء في المغرب معاناة يومية من العنف بأنواعه المختلفة، سواء في المنزل أو في محيطهن الاجتماعي. فاطمة، إحدى النساء اللواتي تعرضن للعنف من قبل إخوتها، تروي قصتها المؤلمة لمنصة "هنَّ"، قائلة: “المنزل الذي تركه لنا والدنا أصبح ساحة للاعتداءات النفسية والجسدية". "إخوتي المدمنون على المخدرات يعاملونني كأنني غريبة عنهم، ويقومون بتعنيفي بشكل…

    سناء كريم|

  • اللجان العمالية تتحرك بعد صمت.. انتهاكات بحق عاملات مغربيات تُفجر حملة نقابية في هويلفا 

    لم تكن “فاطمة” (اسم مستعار) تعلم أن الرحلة التي بدأت في السابع من أبريل الماضي من قريتها في شمال المغرب، ستنتهي بها في زاوية منسية من حقول الفراولة في هويلفا الإسبانية، محاطة بالخوف، وقلة الحيلة، وبطنٍ يكبر حاملاً جنينًا في شهره الخامس. بين الحلم والكابوس فاطمة ليست وحدها، هي واحدة من مجموعة عاملات موسميات مغربيات…

    Hounna | هنّ|