مطرقة الجريمة وسندان الاتهام.. واقع الناجيات من الاغتصاب في موريتانيا

في مجتمع يجرّم الكلام عن العنف الجنسي والجسدي ويعتبره وصمة عار، سواء داخل المنزل أو في المحيط الاجتماعي، تواجه الناجيات عقبات كبرى تحول دون حصولهن على حقوقهن.

“سأفضح العائلة”

تروي فاطمة (اسم مستعار)، وهي شابة موريتانية، قصتها قائلة: “عشت لحظة رعب عندما تعرضت للاغتصاب من قبل ابن خالي الذي كان يقيم معنا في المنزل. بعد عراك بيننا، استغل قوته لينفذ جريمته. رغم صراخي ومقاومتي، لم يسمعني أحد”.

“كنت قلقة للغاية من ردة فعل والدي إذا علم بما حدث، لكنني لم أكن مستعدة لما سيحدث لاحقاً. مع مرور الوقت، بدأ حملي يظهر، فسألتني أمي عن السبب. حين أخبرتها، طلبت مني عدم إخبار أحد آخر، ووصفت الأمر بأنه غير معقول”، تتذكر فاطمة وهي تسرد لـ“هنَّ” تلك الحكاية.

وتوضح فاطمة، “حين أخبرتها أنني أنوي تقديم شكوى، منعتني بحجة أنني سأفضح العائلة. كنت أمام خيار صعب بين حماية نفسي وطاعة والدتي”.

“في النهاية، بقيتُ ضحية هذا الصمت، بينما ذهب هو ليبني أحلامه، أما أنا فلا حلم لي برأيهم. في هذا المركز بدأت من جديد، من أجل نفسي، ولأثبت أنني لم أكن المسؤولة عما حدث. كنت ضحية، لكنني لن أستسلم”، تسرد الفتاة.

نقص تشريعي 

رغم إقرار قانون عام 2017 بشأن الصحة الإنجابية ومدونة لحماية حقوق الطفل، إلا أن التشريعات الموريتانية ما تزال تعاني من نقص في تعريف وتجريم العنف الجنسي بشكل كافٍ. 

ويؤدي غياب تعريف واضح للاغتصاب وأشكال الاعتداء الجنسي الأخرى إلى زيادة خطر تعرض الضحايا أنفسهن للملاحقة القضائية، إذ قد تجد النساء والفتيات أنفسهن في موقع المتهمات إذا لم يتمكنّ من إثبات عدم التراضي.

كما تفتقر البلاد إلى برامج ومرافق مدعومة من الدولة لدعم ضحايا العنف الجنسي، وضمان سلامتهن، ومساندتهن في الإجراءات القضائية ومراحل التعافي. ولا توفر الحكومة ملاجئ أو أماكن إقامة بديلة للنساء اللواتي يضطررن لمغادرة منازلهن أو يخرجن من السجون بعد قضاء عقوبات متعلقة بالعلاقات الجنسية خارج الزواج.

وتواجه الضحايا ضغوطاً مجتمعية للصمت، إلى جانب حواجز مؤسسية تتمثل في تعامل الشرطة وإجراءات التحقيق التي لا تراعي الفوارق بين الجنسين، ولا تحترم الخصوصية أو السرية.

حين يسأل وكيل الجمهورية الضحية عن سلوكها! 

لمنصة “هنَّ”، تحكي حليمة، وهي إحدى الضحايا، قائلة: “تعرضت للاغتصاب من قبل زوج أمي، وهي جريمة تركت آثاراً عميقة في نفسي”. 

وتضيف: “عندما تقدمت بشكوى، لم أتلقَ الاستجابة التي توقعتها. وجه لي وكيل الجمهورية أسئلة حول سلوكي وعلاقتي بالجاني، ورفض تصديقي. كان يركز على سلوكي بدلاً من الجريمة التي ارتكبت ضدي”.

وتشير حليمة إلى أن “المساعدة الاجتماعية التي ساندتني طوال الإجراءات القانونية كانت مصدر دعم كبير، إذ قدمت لي المساعدة النفسية والصحية اللازمة، وساعدتني في التعامل مع الصدمة”. 

لكنها تؤكد أن “غياب الخبرة في الطب الشرعي والبروتوكولات الموحدة لجمع الأدلة يضعف قضايا الناجيات أمام المحاكم”.

ويرى اعل الشيخ صابر، وهو قانوني، أن “تصنيف ضحية الاغتصاب كمتهمة، خاصة في حال ظهور الحمل أو كونها بالغة، يمثل ظلماً مزدوجاً يزيد من معاناة الضحية بدلاً من حمايتها”. وأكد أن هذا “يعكس قصوراً قانونياً واجتماعياً يعوق العدالة، ويخلق بيئة خوف تمنع الإبلاغ عن الجرائم”.

ويضيف صابر لمنصة “هنَّ”: “الصمت في هذه الحالات لا يعني فقط غياب الكلام، بل هو تطبيع مؤلم مع الجريمة، ما يكرس الإفلات من العقاب ويعمق معاناة الضحايا”. ودعا إلى “سن قانون يعرف الاغتصاب وجميع الجرائم ضد النساء والفتيات، ويضع عقوبات ترتقي إلى حجم الجريمة”.

من جانبه، قال المحامي الحسين بلال في تصريح لـ“هنَّ” إن “المشرع فرّق بين البالغة وغيرها، فالمرأة البالغة إذا لم تبلغ عن الاغتصاب إلا بعد الحمل تكون في محل ريبة، ما يؤدي عادة لاتهامها بالزنا نتيجة لافتراض رضاها بالفعل”. 

لكنه أوضح أن “تصنيفها كمتهمة لا يمنع من التبليغ، بل يشجع على التبليغ فوراً”، مضيفاً أن “المجتمع لا يطبع مع الاغتصاب لأنه مرفوض شرعاً وقانوناً”.

وأكد بلال على أن “القانون يحمي القاصرة حماية كاملة، لأنها تعتبر ناقصة الإرادة وضحية مغرر بها”.

أرقامٌ مرعبة وصعوبات القطاع الصحي 

يواجه القطاع الصحي الموريتاني صعوبات في تقديم الرعاية الطارئة والفحوصات الطبية دون إحالة من الشرطة، ويتردد بعض العاملين في التعامل مع حالات الاغتصاب خوفاً من انتقام الجناة. وتظل تكاليف الرعاية والنقل عائقاً أمام بعض الأسر، فيما تواجه الناجيات خطر الملاحقة بتهمة الزنا إذا وجهن اتهامات.

وتقول سهام حمادي، منسقة برنامج الحماية والمناصرة في “الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل” في حديث لـ“هنَّ”:  “تصل إلينا حالات العنف أحياناً مباشرة في المركز أو عبر الخط الأخضر 1013”.

وتضيف أن “الجمعية سجلت عام 2024، 428 حالة عنف جنسي، من بينها 310 قاصرات (261 فتاة و118 امرأة بالغة، و49 فتى)، إضافة إلى 126 حالة عنف جسدي ضد الفتيات والنساء”. 

أما في عام 2025، وإلى حدود اليوم، حسب ذات المتحدثة “سُجلت 429 حالة، منها 407 قاصرين و22 بالغين، وبلغ عدد المعتدين من الأقارب 74 شخصاً، بينهم 11 أباً، و32 ابن عم، و12 زوجاً، و12 زوج أم، و7 أعمام”.

وتبقى موريتانيا، رغم التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بعيدة عن توفير حماية فعلية وكاملة للناجيات من العنف الجنسي، في ظل فجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي. 

ويؤكد كل الذين استشارتهم هذه المنصة، على أن سد هذه الفجوة يتطلب إصلاحات تشريعية وإجرائية عاجلة، ودعماً شاملاً للضحايا، إلى جانب جهود توعية مجتمعية تكسر حاجز الصمت وتضمن محاسبة الجناة.

فقصص فاطمة وحليمة وغيرهما ليست حوادث فردية معزولة، بل هي انعكاس لواقع تعيشه عشرات النساء والفتيات اللواتي يجدن أنفسهن بين مطرقة العار وسندان الملاحقة، في ظل بيئة تشريعية وإجرائية لم تتكيف بعد مع حساسية جرائم العنف الجنسي، وضرورة معالجتها بما يحمي الضحايا ويمنع إفلات الجناة من العقاب.

اقرأ أيضا

  • “أنا ضحية زوجي”.. مغربية تحكي رحلتها إلى حواضن “داعش” من “مخيم الهول” وتناشد العودة إلى الوطن

    "تغيرت حياتي حين اقترح علي زوجي مصاحبته وأبنائي، للالتحاق بالدولة الإسلامية، لنحيا حياة إسلامية حقيقية… رفضت في البداية، وتوسلت إليه بأن يتركني وأبنائي، وليذهب ليجرب حظه هناك تم يعود إلينا، في البداية لم يكن لديه أي مانع لتركنا في المغرب، لكن أحد أصدقائه الذين كانوا يغرونه بالحياة الجميلة هناك، أقنعه أن يأخذني وولدينا معه.. وبعد…

    سناء كريم|

  • “اللغة تحرمنا من حقوقنا”.. الأمازيغيات ومعضلة التواصل في المؤسسات

    بعد ستة أشهر من الانتظار، يصل أخيراً موعد فحص رقية الطبي. غير أن هذا الفحص الروتيني استلزم من ابن رقية، كالعادة، التغيب عن عمله من أجل مرافقة والدته. ليس لدعمها فقط، ولكن أيضاً للعب دور المترجم بين الطبيب ووالدته التي لا تتحدث العربية، والتي تعول كلّياً على ابنها سعيد لفهم ما سيقال لها، أو للتعبير…

    هاجر اعزة|

  • “يمنعن من أن يكن نساءً”.. أساليب “إهانة وإذلال” السجينات في تونس

    رغبة المعتقلة سنية الدهماني، المعلقة الإعلامية التونسية، في الحضور أمام المحكمة وهي تنتعل حذاءً بدل الخفين جوبه بالرفض، كما منعت من مغادرة السجن دون ارتداء اللحاف التقليدي المعروف بـ"السفساري"، حيث أصر أعوان السجون على إخضاعها لتفتيشٍ معمق لجسدها، شمل المناطق الحساسة منه، وبسبب ما استغرقه كل ذلك من زمن، تم إعلامها في النهاية، أنها تأخرت…

    ريم بلقاسم|

  • فراولة معفرة بالدم والدموع.. مقتل عاملة مغربية يكشف جحيم العاملات في حقول إسبانيا 

    زهرة، عاملةٌ مغربية تبلغ من العمر سبعةً وأربعين عامًا، جاءت من المغرب للعمل في حقول مدينة هويلفا الإسبانية. يوم الأحد الـ2 من نوفمبر الجاري، أقدم زوجها السابق على قتلها في إحدى المزارع بمنطقة موغير، لأنه لم يتحمّل فكرة فقدان السيطرة عليها. كانت زهرة تستعد لبدء حياة جديدة، بعد أن نجحت أخيرًا في جلب ابنتها البالغة…

    Hounna | هنّ|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.