“بعد انتهاء ساعات العمل خارج البيت، يبدأ عمل آخر لا يقل إجهادا، طبخ، كنس، مسح، تتبع دراسة الأبناء وتدبير تفاصيل الأسرة الصغيرة، ضغط متواصل جعلني أشعر بالإنهاك والاختناق، وأمام هذا الإرهاق النفسي والجسدي، قررت البحث عن متنفس مؤقت، فاخترت السفر المنظم بمفردي في بعض عطلات نهاية الأسبوع، تقبل زوجي الأمر على مضض، لكن لم أسلم من تذمر والدته، وبعض التنمر من أخته”، هكذا تفتح سهام؛ البالغة من العمر 36 سنة؛ حديثها مع منصة “هنَّ”.
سهام هي أم لطفلين، تشتغل في وظيفة مستقرة، وتبدوا حياتها للآخرين مريحة، غير أن واقعها اليومي “يختلف كثيراً”، كما تقول، قبل أن تتوقف لثواني، ثم تضيف بنبرة حاسمة “لم يكن هذا القرار هروباً من أسرتي، بل محاولة لاستعادة توازني، أشعر أنني لا أستطيع منح كل حياتي لبيتي وأسرتي، فلماذا يستكثرون علي بعض الوقت، بل تعدى الأمر ذلك، فأخت زوجي واجهتني بأن قراري ليس إلا مراهقة متأخرة”.
بدورها، تعاني رشيدة، البالغة من العمر خمسين سنة، غير متزوجة، من قسوة ردود فعل بعض المقربين منها كلما نشرت صورة لها في الطبيعة، أو على شاطئ البحر.
تقول رشيدة في حديث مع “هنَّ”: “التعليقات المباشرة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا تتوقف عند حدود المزاح، بل تتحول إلى أحكام جاهزة تُحمّل صوري التي أنشرها معاني لا أقصدها، وكأنها تعيد تذكيري، في كل مرة، بأنني مطالَبة بتبرير اختياراتي، وحياتي الخاصة خصوصا وأني بحسب هذا المجتمع تجاوزت الأربعين من العمر وغير متزوجة، وبالتالي فمكاني البيت، ولا حق لي في التصرف بحرية”.
بنبرة لا تخلو من مرارة، تضيف رشيدة مستغربة تدخل الآخرين في حياتها: “حين أنشر صوري على مواقع التواصل الاجتماعي، حين أسافر لوحدي أو رفقة صديقاتي، أو في رحلات منظمة، ليس بحثا عن زوج، أو أي علاقة، فقط لأن هذه الأمور تسعدني، والغريب أن الرجل، سواء أكان متزوجا أو أعزبا حين يسافر أو يختلي بنفسه لا يسأل ولا يدان، أما المرأة فهي مطالبةٌ دوما بالتبرير، حتى على حساب صحتها النفسية”.
بين الإرهاق والواجب.. حياة ما بعد التقاعد
بعد وفاة زوجها، تحملت فاطمة مسؤولية أبنائها الأربعة، لكن بعد زواج أبنائها، وجدت نفسها مضطرة لرعاية أبناء ابنها البكر، خصوصاً بعد تقاعدها عن العمل، تقول فاطمة بتذمر في حديثها لـ”هنّ”: “صار الكل يرى أن واجبي كأم لم ينته بعد، وأنه لا يحق لي أن أستريح أو أقضي وقتي لنفسي، وأي تصرف مغاير يشعرونني بالإهمال، لذلك اضطررت إلى اتخاذ قرار للأسف لم يقبله البعض، وهو العيش لنفسي أولا، أستعيد بعض الحياة التي فقدتها بين الواجبات المستمرة والرعاية المتواصلة لأزيد من 40 سنة، أعتبر هذه اللحظات لي وحدي لأنها ضرورة لأستطيع الاستمرار”.
وتضيف بصوت مثقل بالإرهاق: “تصوري أن أحد أفراد العائلة، وهي امرأة مثلي، طلبت مني زيارة طبيب نفسي، اعتبارا منها أن قراري عدم تربية أبناء إبني؛ وهو الأمر الذي لم أعد أصلا أقوى عليه، والخروج مع صديقاتي؛ ليس سوى نزوة قد تنتاب النساء في العمر ما بعد الخمسين”.
وبضحكة ممزوجة بالألم أردفت المتحدثة قائلة: “لست نادمة على قراري، اخترت نفسي بعد تربيتي لأبنائي، والحرص على تعليمهم، واستقرارهم مهنيا، وأسريًا، لقد اخترت نفسي لأتنفس بعض الشيء، وليتحمل كل من أبنائي طريقة، وكيفية تربية أبنائهم، بجلب مساعِداتٍ مثلا”.
“في البداية بدا لي الأمر صعبا خصوصا مع نظرات اللوم التي أراها في أعينهم، لكن في نهاية المطاف فرضت قراري على الجميع لا سيما وأن البيت الذي يعيش فيه إبني معي في ملكيتي الخاصة”، توضح فاطمة.
تصمت فاطمة بُرهةً، ثم تضيف: “حتى حين أكون في البيت، وحين أشعر ببعض التعب، أختار ركنا هادئا في بيتي أقرأ كتابا، أو أتفرج على التلفاز، أو حتى أضيع بعض الوقت في التيك توك، لم أعد ملزمةً بتلبية حاجيات الجميع، بمن فيهم زوجة إبني بدعوى أنها تعمل وتعود متعبة، هكذا كنت منذ أزيد من أربعين سنة، واستطعت تربية أبنائي، والقيام بكل واجبات الأمومة داخل وخارج البيت دون الاتكال على أحد”.
ما بين ضغط العمل ومسؤوليات البيت، وما بين قسوة إيقاع الحياة، ووحدة تتسلل بعد التقاعد، تبحث نساءٌ مثل فاطمة عن لحظات تنفس خارج الأدوار التقليدية المفروضة عليهن، لكن محاولة كسر هذه الوصاية المجتمعية بالخلوة مع النفس، احتساء قهوة بمقهى هادئ، سفر جماعي، أو مع الصديقات، تتحول أحيانًا من البحث عن الراحة إلى تهمة، ويصبح السفر إلى وصم، والاستقلال الذاتي إلى مادة للتأويل الاجتماعي.
هذه القصص وغيرها من حكايات عشرات النساء في المغرب؛ تكشف كيف يحاصر حق المرأة في المساحة الشخصية بنظرات الإدانة، خصوصا بعد تجاوز الخمسين من العمر.
شهادات سهام ورشيدة، وفاطمة، وغيرهن من النساء اللواتي اخترن أن يكن هنّ أنفسهنّ لا نسخًا تعكس ما يمليه عليهنَّ الآخرون، تعيد طرح القضية لنقاشٍ مجتمعي، يعيد التفسيرات الضيقة والقوالب الجاهزة لكيف يجب أن تكون المرأة، ومتى يُعترف بأنها كيان كامل، لها حقها في الراحة، ومساحتها خاصة ليست تمردا بل ضرورة، مهما بلغن من العمر، ومتى ننتهي من هذا المجتمع المتسلط على رقاب حرياتهنّ الفردية؟
==سن الخمسين ليس نهاية… بل بداية الاستمتاع بالحياة
فاطمة الكتاني، المعالجة النفسية، والكاتبة في مجال الصحة النفسية والتربية، أكدت في تصريح لـ “هن” على أن:” حياة المرأة لا تنتهي بعد سن الخمسين، بل تبدأ مرحلة جديدة مليئة بالحرية، والنضج والحكمة في كثير من الأحيان، بسبب تجارب الحياة التي عاشتها بحلوها ومرها.
هي ترغب أن تعيش كما تشاء ترتدي ما تحب، تسافر متى أرادت، وتختار ألا تتحمل مسؤولية تربية أبناء أبنائها، لأن لكل جيل مسؤولياته الخاصة. باختصار، تريد أن تستمتع بالحياة سواء كانت متزوجة أم لا”.
واستدركت المعالجة النفسية أنه كثيرا ما تواجه المرأة بانتقادات من المحيطين بها، مشددة على أن المدهش أن هذه الانتقادات تأتي غالبا من نساء مثلها، لا من الرجال فقط، والسبب ليس بالضرورة أننا نعيش في مجتمع ذكوري، بل لأن بعض النساء يشعرن بالغيرة من امرأة استطاعت أن تتحرر من قيود العادات الاجتماعية البالية التي لا علاقة لها بالإسلام، بل هي بقايا جاهلية.
فاطمة الكتاني أضافت أيضا أن “الحياة قصيرة، ولا ينبغي أن نتوقف عند عمر معين لنعيش فقط على خدمة الآخرين، أو لنعتبر أن العطاء هو قدرنا الأبدي.
لقد أفنت المرأة جزءا كبيرا من حياتها في التضحية والعطاء، ومن حقها أن تمنح نفسها وقتا لتعيش، لتستمتع، ولتجرب أشياء جديدة. الحرية في هذه المرحلة ليست أنانية، بل هي استعادة للذات بعد سنوات طويلة من المسؤوليات”.
وزادت قائلة: “الحرية لا تعني التخلي عن القيم بل تعني أن تختار المرأة ما يناسبها دون ضغط اجتماعي، المجتمع يحتاج إلى تغيير نظرته احترام خيارات المرأة بعد الخمسين هو احترام لإنسانيتها، وليس تقليلا من دورها، والإسلام كرّم المرأة ولم يفرض عليها أن تعيش حياتها كلها في خدمة الآخرين، بل دعا إلى التوازن بين العطاء والاهتمام بالنفس.. لكن الغيرة النسائية كثيرا ما تكون أقسى من النقد الذكوري، لأنها تأتي من شعور بالعجز أمام امرأة كسرت القيود وحققت ذاتها”.
== بعد الخمسين .. المرأة المغربية بين الحرية واكتشاف الذات
فاطمة عريف، الناشطة الجمعوية، ورئيسة جمعية صوت الطفل، اعتبرت في تصريح لـ”هن” أن اختيار النساء المغربيات بعد الخمسين العيش بحرية في اللباس والسفر هو تحول مجتمعي نحو بحث هؤلاء النساء عن إعادة اكتشاف الذات، والاستمتاع بحياة أكثر استقلالية، واستثمار الوقت الذي أصبح ملكا لهن بعد التزامات الأسرة، وهو ما يتجلى في تبني أنماط حياة مختلفة تشمل السفر المنفرد أو مع الصديقات، والتمتع بالحرية في التعبير عن الذات من خلال المظهر والتصرفات.
وتتجلى دوافع هذا الاختيار، حسب المتحدث ذاتها، في التحرر النسبي من المسؤوليات..، حيث أنه ومع تقدم الأبناء في السن، تتحرر النساء من أعباء تربية الأطفال اليومية، مما يتيح لهن وقتا وجهدا لاستكشاف اهتماماتهن الخاصة، كما تتجلى في إعادة اكتشاف الذات، حيث تعتبر مرحلة ما بعد الخمسين فرصة للمرأة لإعادة تعريف نفسها خارج دورها كأم أو زوجة، والتركيز على أحلامها الشخصية.
وأوضحت فاطمة عريف أن هذه التحولات، تعكس مدى التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي، مما يفتح المجال أمام هؤلاء النساء لكسر الصور النمطية وممارسة حرياتهن بشكل أكبر…، حيث أن هناك رغبة متزايدة في عيش تجارب جديدة، السفر، الاستكشاف، والتمتع برفقة الأصدقاء، بعيدا عن القيود التقليدية.
وإضافة إلى الرغبة في السفر والاستكشاف، تقول:” هناك تجارب لنساء قررن تغيير مساراتهن المهنية أو التعليمية، حيث تختار بعضهن العودة للدراسة أو تغيير مسارهن المهني، حيث لم يعد العمر عائقا أمام تحقيق طموحات جديدة، لكن وعلى الرغم من هذه التحولات، لا تزال هناك تحديات تواجه بعض النساء، خاصة في المناطق الأقل تحضرا، حيث قد تضيق الخيارات المجتمعية وتتعرض النساء للتنمر والتضييق بسبب أسلوب حياتهن وطريقة لباسهن…”.
وزادت قائلة: “يتمظهر هذا التضييق في عدة سلوكات غالبا ما نلاحظها في الشوارع والأماكن العمومية، حيث تتعرض هؤلاء النساء لسيل من الانتقادات ولأنواع من التنمر والعنف اللفظي بسبب أسلوب لباسهن ونمط أناقتهن.. وهي معاناة تعانيها المرأة في مجتمعنا بسبب عقلية لا زالت سائدة لدى الكثيرين الذين يرفضون التحولات المجتمعية المرتبطة بالحداثة والانفتاح، كما قد تتعرض هؤلاء النساء للتضييق من الأقارب، وأحيانا حتى من الأبناء، حيث يرفض الأبناء في بعض الأحيان بطريقة لا واعية استقلالية الأم واختيارها عيش هذه المرحلة العمرية بالشكل الذي تريده.. لكن هذا لا ينطبق على جميع الأوساط، حيث أن هناك بالمقابل أبناء يقبلون صورة أمهاتهم في جميع تمظهراتها.. ويعود ذلك أساسا إلى نوع العلاقة التي تجمع الأم بأبنائها، حيث تكون مبنية على الاحترام المتبادل والحب والثقة، مما يجعلها أكثر تماسكا في ظل جميع التحولات…
وعموما، تؤكد الناشطة الجمعوية، هذا التحول يمثل جزءا من حركة أوسع للمرأة المغربية التي تسعى لتمكين نفسها، والمساهمة بفعالية في المجتمع، مع الحفاظ على جزء من هويتها…، حيث يمثل اختيار النساء المغربيات بعد الخمسين للعيش بحرية تعبيرا عن نضجهن، ورغبتهن في الاستمتاع بالحياة وفقا لشروطهن الخاصة”.



















