في السادسة مساءً، تُغلق مريم مكالمتها الأخيرة بعد تسع ساعات متواصلة أمام الحاسوب، بعدما كانت تحلم بأن تصبح أستاذة لغة إسبانية، لكن الواقع كان أقسى؛ سنوات من الدراسة لم تفتح لها أبواب التوظيف في تخصّصها، لتتّجه نحو مراكز الاتصال؛ الملجأ الوحيد لكسب لقمة العيش.
مريم ليست حالة معزولة؛ جيل كامل من الشباب المغربي المتعلّم، وجد نفسه محاصرًا بين طموحات جامعية غير محققة وساعات عمل مرهقة في وظائف تقنيّة مؤقتة، حيث يتحوّل الحلم المهني إلى روتين يومي من المكالمات، الأهداف الصعبة، والأجر الذي بالكاد يغطي تكاليف الحياة.
عشر سنوات من المكالمات
درست مريم الترجمة والاتصال في جامعة الدار البيضاء وبدأت العمل في مركز اتّصال في المدينة أثناء دراستها الجامعية، واليوم بعد عشر سنوات، أنهت الدراسة لكنها مازالت ترد على المكالمات لكسب لقمة العيش.
“معظم صديقاتي في الجامعة يعملن في مراكز الاتصال… في المغرب لا توجد آفاق وظيفية”، تتأسّف مريم، ومثلها، يواجه جيل كامل من الشباب المغاربة المتعلّمين تصحّرًا في الفرص لممارسة مهنتهم وفق تطلعاتهم أو ما درسوه.
وهكذا، تتلاشى فكرة العمل في مركز اتصال بشكل مؤقت لتغطية فترة الدراسة الجامعية؛ ففي معظم الحالات يصبح مركز الاتصال المصدر الوحيد للدخل المتاح للشباب، كحالة مريم؛ فبمجرد أن يحصلوا على شهادتهم تعلق داخل إطارها لتجمع الغبار، ويبدأ شبح البطالة في افتراسهم.
في السنوات الأخيرة، ازداد عدد الشركات العاملة في هذا القطاع بشكل كبير، وتوجد مراكز اتصال تقريبًا في جميع المدن الكبرى؛ في الدار البيضاء، الرباط وطنجة وحدها يوجد أكثر من خمسين مركزًا، ووفق ما أحصته الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، هناك 620 مركزاً مرخَّصًا سنة 2020 في المغرب.
وتعمل مريم لشركة متعاقدة مع إحدى شركات الطيران منخفضة التكلفة الأوروبية، لكن قائمة الشركات التي نقلت خدمات العملاء والمبيعات إلى المغرب لتقليل التكاليف طويلة؛ إيزيجيت، فودافون، أورانج، أمازون، وسامسونغ، وغيرها.
ثلاثة يورو للساعة
يتراوح أجر الساعة في هذه الأماكن بين 20 و30 درهمًا (أي بين يورو وثلاثة تقريبًا)؛ ومع الحظ، يتم دفع بعض المكافآت الإضافية، أمّا في مراكز المبيعات، فالأجر يعتمد على ما يحقّقه العامل أو العاملة من إيرادات، إذ يحصل أحيانًا على نسبة من المبيعات المنجزة.
“من الصعب الاكتفاء بوظيفة مثل هذه على المدى الطويل”، توضّح مريم في حديثها لمنصّة “هنّ”، مؤكّدةً: “أعرف عدّة طلاّب بدأوا العمل في مركز اتصال، وبعد سنوات ما زالوا هناك”.
وتضيف: “هذا بسبب مشكلة البطالة. علاوة على ذلك، أصبح سوق العمل أكثر انتقائية، وقد تغيّرت المهن والوظائف وتطوّرت”.
تروي حسناء لـ”هنَّ”، قصتها، فالشابة البالغة من العمر 26 عامًا، ولأول مرّة منذ تخرّجها من الجامعة، تمكّنت من العثور على “عمل جيد”. توضّح ذلك من قادس، المدينة التي تعيش فيها منذ نهاية الصيف الماضي، والتي تعمل فيها كمساعد لغة في إحدى مدارس المدينة.
درست حسناء أربع سنوات في الفلسفة الإسبانية في الرباط وحصلت على ماجستير في الترجمة في طنجة، كما قضت ساعات طويلة خلف الهاتف، كحال مريم.
تتذكر حسناء ذلك قائلةً: “عملت في ثلاثة مراكز اتصال، في الدار البيضاء، طنجة، والرباط”، وتشرح أنّها خلال فترة إقامتها في المغرب حاولت البحث عن وظائف أخرى، لكنّ الحظ لم يحالفها.
ما تقوله حسناء عن البطالة، تؤكده الأرقام الرسمية، حيث بلغ معدل البطالة في المغرب خلال السنوات الأخيرة مستويات تقارب 13 بالمائة، بحسب المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، مع تسجيل حوالي 1.6 مليون عاطل عن العمل داخل البلاد.
ويظل هذا المعدل أعلى في صفوف الشباب، حيث يتجاوز 38 بالمائة، ما يعكس هشاشة إدماج الفئات الشابة في سوق الشغل. ورغم بعض التحسن أو التراجع الطفيف في بعض الفترات، فإن البطالة في المغرب تبقى من أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في ظل التفاوت بين المدن والقرى وضعف خلق فرص العمل المستقرة.
“متعب ومجهد”
“في مركز طنجة كانت هناك مكالمات كثيرة جدًا، لدرجة أنك لا تستطيع التوقف حتى لدقيقة واحدة. هذا يجعلك تشعر بالسوء، وتحمل هذا الشعور إلى المنزل. تشعر بالإرهاق والتوتّر الشديد”، تحكي هذه الشابة لمنصة “هنَّ”.
وتضيف أنّ أحد أكثر الأمور إجهادًا كان هو الضغط للوصول إلى هدف معين، “إذا قالوا لك إنه يجب عليك تجاوز ثلاثين عملية بيع شهريًا، عليك الوصول إلى هذا الهدف. وعندما ترى أنك لا تصل إليه، يظهر التوتر” تقول.
حسناء شابة تنحدر من منطقة الأطلس، في طنجة، حسب روايتها، كان لديها جدول مرن، أما في الرباط والدار البيضاء فكانت تعمل تسع ساعات يوميًا، ويضاف إلى ذلك ساعة تنقل من المنزل إلى مركز الاتصال، “تخيل نصف اليوم تقضيه في العمل”، تَأسفُ الشابة.
عدم وجود فرص أخرى للعمل تزيد من صعوبة الوضع، وتصبح هذه الوظائف هي “الباب الوحيد الذي يمكنك الاعتماد عليه للحصول على دخل”، خاصّة للشباب، كما تشير.
عند سؤالها عن عدد زملائها الجامعيين الذين يعملون حاليًا في مراكز الاتصال، تتردد حسناء لبضع ثوان قبل الإجابة: “عددهم كبير جدًا!”، تؤكد، وهي تهز رأسها متنهدةً.
وفقًا لأرقام المندوبية السامية للتخطيط في سنة 2025، هناك نحو 20 بالمائة من حاملي الشهادات عاطلون عن العمل — أي حوالي واحد من كل خمسة خريجين بلا وظيفة.
ويواجه الشباب الحاصلون على شهادات صعوبات أكبر من الشباب غير الحاصلين على شهادات، بسبب الطلب على خبرة عملية، التخصصات غير المناسبة لسوق العمل، وضعف تكافؤ المهارات المطلوبة.
لم يكمل جلهم دارسته
“هناك حالات لطلاب لم يتمكنوا من متابعة دراستهم لأسباب اقتصادية، وترك بعضهم الدراسة وبدأ العمل في وظائف مؤقتة مثل مراكز الاتصال”، توضّح مريم ذلك، من خلال عملها وتجربتها.
الفقر والبطالة زادا الأمور تعقيدًا، لكن المشكلة متجذرة، “هذه الحقيقة موجودة منذ حوالي عشر سنوات”، توضح مريم.
وتؤكد على ما جاء في تقارير رسمية، “هناك فجوة بين النظام التعليمي وسوق العمل، ولهذا الخيار الأسهل والأكثر وصولًا للشباب المتعلمين هو العمل في مراكز الاتصال”.
وتشدد على أن الأشخاص الحاصلين على شهادات جامعية قد يقضون سنوات عديدة في هذه المراكز قبل العثور على وظيفة في تخصصهم، و”هذا صعب جدًا على الخريجين، لأن العمل منهجي ولا يسمح لهم بتطوير مسارهم المهني”، تتحسر.
هشاشة وظروف عمل غير مضمون
قطاع مراكز النداء في المغرب يُسوَّق رسميًا منذ سنوات طويلة باعتباره رافعة لتشغيل الشباب وواجهة حديثة لاقتصاد الخدمات المرتبط بالأوفشورينغ، (شركة من دولة ما تُنجز جزءًا من عملها في دولة أخرى)، غير أن الواقع المبني على تحقيقات ميدانية وتقارير متخصصة يكشف عن وجه مختلف تمامًا: قطاع هش، غامض في أرقامه، متأثرًا بضغوط خارجية، وفي جوهره نموذج عرضة لانتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعاملين.
في سبتمبر 2025، أصدر “المجلس المدني لمناهضة التمييز” و”معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان”، تقريرًا بعنوان “مراكز النداء في المغرب: هشاشات نيوكولونيالية وأشكال جديدة للدفاع النقابي الذاتي”، ينطلق من هذه السياقات لتحليل القطاع من منظور حقوق الإنسان والعمل.
وأكد التقرير على أن المغرب أصبح “وجهة رئيسية لـ”الأوفشورينغ” في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بفضل قربه الجغرافي والثقافي من أوروبا ويد عاملة شابة ومتعددة اللغات”، لكنه يشدد على أن هذا النجاح الاقتصادي المعلن يخفي مخاطر جسيمة على حقوق العمال، خصوصًا تلك المتعلقة بثبات العمل، الحرية النقابية، والتمثيل الاجتماعي للعاملين.
رغم أن البيانات الرسمية المتاحة لا تقدم صورة مكتملة -مثلا في إحصاء رسمي يعود إلى سنة 2020، أحصت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات 620 مركز اتصال مرخّصًا في المغرب-، إلا أنّ التقرير يتحدث عن وجود “مئات المراكز التي تعمل خارج إطار القانون وتستفيد من فراغ تشريعي وضعف المراقبة”، الأمر الذي يجعل حجم القطاع الفعلي ومعدلات التشغيل الفعلية غير واضحة.
الجهات النقابية تُقدّر أن العدد الحقيقي للعاملين يتجاوز ما هو معلن، وربما يصل إلى مئات الآلاف، نتيجة انتشار مراكز غير مرخّصة أو غير معلنة رسميًا. إضافة إلى ذلك، تبرز مشكلة غياب بيانات رسمية حديثة شاملة حول توزع العاملين، نوع العقود، نسب النساء، وغيره من المؤشرات الأساسية للتشخيص الاجتماعي والاقتصادي.
وعلى صعيد الأجور، تظهر الدراسات الميدانية المتداولة، أن متوسط الأجر الذي كان في بدايات القطاع قد تراوح بين 6000 و7000 درهم شهريًا، تراجع اليوم إلى حوالي 3800 درهم صافٍ في كثير من الحالات.
هذا الانخفاض ينعكس على مستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي للعمال، ويدخل في سياق ما يصطلح عليه التقرير بـ”الهشاشة البنيوية” للعمل، إذ أن الأجر لا يغطي في الغالب تكاليف الحياة الأساسية في المدن الكبرى.
التقرير يشير بوضوح إلى أن هذا الانخفاض في الأجور وتراجع مستوى شروط التشغيل لا يمكن فصله عن منطق “التنافسية في الأسواق العالمية”، والتي تعتمد على خفض تكلفة اليد العاملة لجذب الشركات الخارجية، وهو ما يضع العامل إذًا داخل دوامة قضية أكبر من مجرد مفاوضات محلية حول الأجر أو الظرفيات التنظيمية.
من بين أعمق ما يسجّله التحقيق النقابي، أن الهوية المهنية والاجتماعية للعمال تتعرض للطمس داخل بيئة العمل نفسها؛ فإن كانت اللغات الأجنبية والخطابات التنظيمية تُبرَّر تقنيًا بضرورة التواصل مع الأسواق الأوروبية، فإنها في الواقع تؤسس لـ”فضاء مهني منصهر ثقافيًا”، يُبعد العامل المغربي عن موقع فعلي للتمثيل الاجتماعي داخل مكان العمل، ويُسهم في تحويل الوظيفة إلى نشاط وظيفي تقني بحت بلا روابط ذاتية أو جماعية قوية.
الضغط النفسي والأعباء الصحية لموظفي مراكز النداء يتكرر كثيرًا في الشهادات الميدانية؛ وفي تقارير متداولة، يشار إلى حالات من التوتر المزمن، الإرهاق ونمط حياة يعتمد على التعاطي كآلية للتكيف مع الضغوط اليومية.
ويشير التقرير إلى شهادات واقعية تضمنتها بعض التحقيقات الصحفية تُظهر استخدام المخدرات كآلية لتخفيف الضغط، وأن الكثير من العمال يعانون أمراضًا نفسية مرتبطة ببيئة العمل المعتِمَة على الدعم النفسي والاجتماعي.
هذا المعطى تؤكده مريم، في شهادتها لمنصة “هنَّ”، حيث تقول إنها كانت تعمل لساعات طويلة في مركز اتصال بالدار البيضاء، وتشعر يوميًا بالإرهاق النفسي والجسدي، مشددة: “كنا نحاول التغلب على الضغط بأي وسيلة، البعض لجأ أحيانًا إلى المخدرات، والبعض الآخر اكتفى بالصمت، لكن القلق والتوتر كان دائمًا حاضرًا”.
تمثيل نقابي ضعيف
نقابيًا، يكشف التقرير أن التمثيل النقابي التقليدي ظل ضعيفًا لفترة طويلة داخل هذا القطاع، بسبب سياسات إدارات الشركات التي تميل إلى تأجيل الانتخابات المهنية أو تهميشها، والفصل الانتقائي للممثلين النقابيين، ما خلق فجوة بين المطالب المهنية الحقيقية للعمال والبنى التنظيمية الرسمية التقليدية.
وفي المقابل، ظهرت عبر السنوات أشكال جديدة من التنظيم، مثل لجان عفوية داخل المراكز، ومجموعات عبر وسائل التواصل، وسلوكيات تضامنية احتفالية، تعكس بحث العمال عن أدوات دفاع ذاتية خارج النموذج النقابي المركزي الكلاسيكي.
التحول الرقمي وتوسع الخدمات العليا في القطاع، مثل مراقبة المحتوى وإدارة الخدمات الرقمية، فاقم من هشاشة العمال، خصوصًا الفئات الهشة من المهاجرين غير النظاميين الذين يعملون لساعات أطول بأجور زهيدة ودون أي حماية اجتماعية، ما يعكس استمرار منطق “نقل العمل للخارج”، على حساب استقرار وكرامة اليد العاملة المحلية.
القاسم المشترك في هذه التحليلات هو أن قطاع مراكز النداء في المغرب لم يتطور فقط كتنظيم تقني وخدمي، إنما أصبح نموذجًا معقدًا للهشاشة المهيكلة إذ تتقاطع الاستغلال الاقتصادي، ضعف الحقوق الاجتماعية، ضغط الأداء، والاعتماد على الطلب الخارجي في سياق عالمي لاقتصاد الأوفشورينغ.
ودعى التقرير إلى تنظيم أقوى للقطاع، انفتاح أكبر على التمثيل النقابي، تنظيمات تضامنية أوسع، وتدخلات قانونية حقيقية لضمان أن تكون هذه الصناعة جزءًا من تنمية شاملة ومستدامة، وليس مجرد وسيلة لزراعة وظائف هشة بلا ضمانات اجتماعية.
وفي المحصلة، ورغم كل هذا الجحيم، يظل قطاع مراكز الاتصال في المغرب مرآةً لتحدياتِ الشباب الجامعي، وعود بالفرص الاقتصادية تتصادم مع واقع مرهق من ساعات عمل طويلة، ضغوط نفسية، وأجور محدودة.
ومع الفجوة المستمرة بين التعليم وسوق العمل، يتحول الملجأ المؤقت إلى مأزق طويل الأمد، حيث تكافح الأجيال الشابة لإيجاد مسار مهني يحقق طموحاتها، ويضمن كرامتها الاقتصادية والاجتماعية.



















