مديرة مطعم سياحي.. “دوسة” امراة تونسية تكسر نمطية المهن وجنس العمل 

سندس امراة تونسية، تشتغل مديرة بأحد المطاعم السياحية وسط العاصمة تونس، يبدأ دوام عملها على الساعة الخامسة مساءً، ويتواصل إلى غاية الساعات الأولى من الصباح. 

وطيلة الثماني أو التسع ساعات التي تشتغلها، تبقى “دوسة”؛ كما يَستحبُ أصدقاؤها أن ينادونها؛ محافظةً على ابتسامتها المعهودة وعلى الحفاوة في استقبال كل زائر جديد.

تتنقل كل فترة كالفراشة في المكان، تقف على هذه الطاولة تطمئن على حسن سير العمل، وتراقب في أخرى نسق تلبية الطلبات، فكل من في القاعة هو “حريفٌ” (زبون) مفضلٌ بالنسبة لها. 

وتشغل سندس منصب المديرة في هذا المطعم السياحي منذ حوالي 4 سنوات، وليست لديها نيةٌ في تغييره، بل تسعى إلى تطوير أدائها أكثر، وجعل المطاعم والحانات فضاءات آمنة للنساء والرجال على حد سواء، وأماكن مفتوحة أمام الجميع دون استثناء. 

الانطلاقة بالنسبة لسندس، كانت الأصعب حيث اختارت أحد الأماكن المطلة على شارع الحبيب بورقيبة، أين تتركز غالبية الحانات والمطاعم السياحية بمختلف تصنيفاتها، وهي ذاتها الفضاءات “التي تلفظ النساء خارجها، محتكمة في ذلك للقيم والذهنية الجمعية، ومصرةً على أن تبقى ذكورية بامتياز”، ولكن اقتحام سندس لهذه الفضاءات كان بالأساس من أجل “فرض نوع من التغيير داخلها”، حسب تعبيرها لـ”هنَّ”. 

دوسة، وفي حديثها “هنّ”، تقول أن شغل منصب مديرة مطعم سياحي أو العمل نادلةً داخل حانة، “هو في حد ذاته تحد، ففضلا عن كونك ستكونين في مواجهة سلوكيات مختلفة للحرفاء، ستكونين مجبرة على حسن التصرف في فضاء يتم فيه تناول الخمر، وما يمكن أن يطرحه ذلك من طوارئ سلوكية أو حالات انفعال”.

“بالنسبة لي الإشكال الأول الذي واجهته عند اختياري هذا العمل، كان تقبل العاملين لامرأة أن تكون مديرة  للمطعم السياحي أو الحانة، فالنُدُلُ مثلا الذين لهم أقدمية في القطاع لا يقبلون أن تكون المشرفة عليهم إمرأة… وفي المقابل عليّ مواجهة العقلية الاجتماعية بالنسبة للحرفاء، وتلك كانت حدتها أقل بكثير، فقليلة هي المرات التي وجدت نفسي أمام سلوك غير مقبول من أحد الحرفاء الذي يعتقد أن عملي داخل حانة يعني أنني متاحة بالنسبة له”، تشرح سندس لـ”هنَّ” الإكراهات التي كان عليها مواجهتها عندما قررت خوض غمار التجربة.

وتؤكد سندس على أن العمل داخل حانة أو مطعم سياحي، “أمر غير سهل بالمرة، حيث يفرض عليك التخلي عن حياتك الاجتماعية، فنظرا لأنها مهنة ليلية ينتج عنها شبه انسحاب من الحياة النهارية، والذي تفقد معه جزء كبير من حياتك”. مضيفةً أنها “مهنة متعبة جسديا وذهنيا، تتعامل خلالها مع نفسيات مختلفة قابلة للتغيير في كل لحظة”. 

وتعتبر المتحدثة أنه لو لم تكن تمتلك “خلفية اجتماعية، ثقافية ، سياسية وحقوقية، بالإضافة إلى الشخصية القوية كامراة؛ لما حققت هذا النجاح… إنني احتاج إلى جهد مضاعف مقارنة بزملائي من الرجال لفرض السيطرة على الفضاء والعاملين فيه وعلى زواره”.

وسندس هي امرأة أربعينية، خريجة جامعية، تخصصها اللغة والأدب الإنجليزي، نشطت داخل “اتحاد الطلبة” وضمن “اتحاد الشباب الشيوعي التونسي”، (حزب العمال حاليا)، كما اشتغلت في قطاع الاتصال والصحافة لمدة 20 عاما، وانتقلت منذ 4 سنوات لتعمل مديرةً في مجال المطاعم السياحية. 

“امراة تونسية، عنيدة.. تعشق التحدي، قارئة نهمة للكتب وأحب السينما.. أبي كان ومازال سندي وبطلي الخارق، حتى بعد وفاته، علمني أن أحب ما أنا عليه، وأن أواجه مصيري وخياراتي بكل شجاعة”، بهذه الكلمات تلخص لـ”هنَّ” سندس بطاقةً تعريفية عنها.

وتتذكر سندس أنها منذ صغرها، كانت من محبي أجواء الحانات والمطاعم وعروضهم الموسيقية، وما يدور فيها من نقاشات وحوارات، وكانت على الدوام تستغرب غياب النساء عن تلك الفضاءات، فـ”الزيارة أو العمل  داخل فضاء يقدم الخمر، أمر مرفوض اجتماعيا بالنسبة للنساء ومن تجرأت على ذلك تكون عرضة للوصم، وأنا أردت كسر هذا القالب الاجتماعي، وهو ما جعل من فكرة العمل مديرةً لمطعم سياسي حلمًا راودني منذ سنوات”.  

وتضيف سندس، في سردها لتجربتها داخل المطاعم والحانات “أنا وبعد 4 سنوات من العمل، أقول أنه فضلا عن أنني أمارس مهنة أحبها أنا أيضًا أكسر الذهنية التي تحدد مهن للنساء وأخرى للرجال.. ومقابل ذلك أثبت أن المرأة قادرة على العمل في أي نشاط أو مهنة، ولها من الكفاءة للنجاح والتميز ما يمكنها دون تقديم أي تنازلات، بالموازاة مع الحفاظ دائما على كامل أنوثتها، وهي غير مضطرة للتشبه بالرجال في سلوكها أو ملابسها أو أن تقايض بقاءها ولا أن تقبل بأي نوع من الابتزاز”.

و كغيرها من النساء اللاتي اقتحمن جميع المجالات والقطاعات، واللائي واجهن المحاسبة الأخلاقية والوصم الاجتماعي بسبب عملهن، تؤكد “دوسة” على عدم حقيقة الوصم والأحكام المسبقة، لأن “الصورة التي لدى عموم الناس أن مهن الليل والحانات، هي مهن مجون وخمر وتجاوزات أخلاقية؛ وتلك صورة خاطئة وليس لها أي أساس من الصحة”.

اقرأ أيضا

  • “صماء برتبة سامعة”.. حكاية نجاح مهندسة تونسية رغم الإعاقة 

    صماء برتبة سامعة في مجتمع الصم وسامعة برتبة صماء في مجتمع السامعين"، هذا تحكي لـ"هنَّ"، أماني شرميطي عن نفسها مختصرةً حياة الصم ومعاناتهم، وهي فعلا كما تصف، محاورة جيدة، تغني وترقص وتحب الموسيقى، تلعب وتضحك بشراهة، وتتحدث لغة الإشارات باعتبارها فاقدة للسمع منذ صغرها. التقت منصة "هنَّ"،  بأماني في إحدى المقاهي وسط العاصمة تونس، كانت…

    ريم بلقاسم|

  • جرائم الاغتصاب في المغرب.. هل اعتاد المواطنون على سماع الاغتصاب فطبعوا معه؟ 

    قبل أسابيع، استفاقت ساكنة جماعة سيدي الزوين، ضواحي مدينة مراكش، على خبر اغتصاب أب لابنته التي تبلغ 16 عاما، بعد أن ضَبطته والدتها؛ التي تعمل في جني المحاصيل الفلاحية، ذات مساء عند عودتها من العمل؛ متلبسا بمضاجعة ابنتهما القاصر. وبعد أن تم القبض على والدها، صرحت الناجية بأن خالها وأربعة شباب من أبناء جيرانها كانوا…

    هاجر اعزة|

  • مختلفٌ عليها.. مكانة المرأة في المجتمع الصحراوي!

    للمرأة مكانة كبيرة في المجتمع الصحراوي، قل نظيرها في المجتمعات العربية، التي توصف بأنها مجتمعات ذكوريّة أبوية، ويذهب البعض إلى وصف المجتمع الصحراوي بـ"المجتمع الأمومي"، بمعنى أن للمرأة فيه سلطة كبيرة،  إذ يساند المرأة ويؤمن بحقوقها كاملة. ولكن هذا الرأي، ليس متفقًا عليه بالإجماع، فالمجتمع الصحراوي، شأنه شأن بقية المجتمعات المغاربية، وهناك من يرى أنه…

    Hounna | هنّ|

  • ” أنا أمه وأنا وليُّه”.. أمهات مطلقات يدافعن عن حقهن في الولاية القانونية على أبنائهن 

    "أنا وأبنائي تحت وصاية هذا الرجل حتى بعد الطلاق"، هكذا باختصار، تصف خديجة وضعها بعد مرور أزيد من أربع سنوات على طلاقها من زوجها "المعنّف"، وتحملها المسؤولية الكاملة على ابنيها في غياب الأب. تحكي خديجة (31 سنة)، في حديث لمنصة "هنَّ" عن تجربتها مع هذا الزوج التي قالت أنها اختارته شريكا لحياتها بعد قصة حب…

    هاجر اعزة|