بشرة بيضاء ناصعة، شعر حريري ويدان بضتان رطبتان، اسمه سلمان، رضيع كله براءة ورقة، لا يختلف البتة عن باقي الأطفال، مايزال لا يعرف شيئا عما يجري حوله، وليست لديه أية فكرة عما ينتظره من صعوبات لا ذنب له فيها، وحدها أمه تحميه من عبث الحياة، من النظرة القاسية للأقرباء قبل الغرباء، وحدها أمه تتحدى العالم كله من أجله، لتحول سدا منيعا دون أذيته، وتواجه الانتقادات اللاذعة والمؤلمة والمسيئة من أجله، وذلك واقعها المر، كحال كل أم عازبة.
سلمان كان ثمرة علاقة حب جمعت زكية بإلياس، كانت علاقتهما مثالية، كانا يتواعدان كغيرهما من العشاق، يحلمان بتكوين أسرة، بشراء بقعة أرضية لبناء منزل في الريف، كل شيء كان على ما يرام، إلى أن وقع الحمل، عندها تملص إلياس من مسؤوليته تجاه طفله، وقرر الانفصال عن زكية.
تقول زكية، في حديثها مع “هنّ” : “لا أعتقد أن ذلك كان بمحض إرادته، لقد كان يحبني ويحلم بالزواج مني، أظن أن لعائلته يدا فيما حصل، لكنني لا أريد أن يتحمل سلمان خطيئتنا، أريد أن يعيش عيشة طبيعية كباقي الأطفال، خصوصا وأن والده معروف وليس مجهول، ابني ليس مجهول النسب وليس لقيطا كما يصفون”.
الساعة الخامسة فجرا، وهي المرة الثالثة التي يستيقظ فيها سلمان من أجل الرضاعة، زكية تقاوم النعاس والتعب، لكن كل رضعة لطفلها تزيدها قوة على المواصلة، سلمان لم يبلغ بعد الشهرين، لذا فزكية تعرف أن حليبها أساسي في هاته المرحلة. ينظر سلمان في عيني أمه للمرة الأولى، تلتقي نظراتهما فيخفق قلبها بشدة. زكية لم تشعر بإحساس بهذا الجمال من قبل، لذلك لن تفكر أبدا في التخلي عن قطعة فؤادها تلك.
تخبرنا زكية، ابنة مدينة تطوان، أنها تحدت أسرتها وأقرباءها لتحتفظ به، فمنذ أن عرفت بحملها، وبعد تخلي حبيبها عنها، طالبها الجميع بإجهاضه، فكرت مليا في الموضوع، فقررت الاحتفاظ به رغم أنفهم جميعا، “لم يكن هذا القرار سهلا بالنسبة إلي، فأبي لم يعد يكلمني منذ حملي، أمي تساندني لكنها توبخني كثيرا لأنني اخترت إنجاب هذا الطفل، أظن أنه قد فات الأوان الآن عن التراجع، كما أنني أحب ابني بجنون، ولن أستغني عنه أبدا”.
حاولت زكية الحديث مع إلياس من أجل إثبات نسب طفله، لكنه بالكاد يكلمها برسائل نصية قليلة ويتحاشى الحديث عن هذا الموضوع، كما أنه لا يسأل عنه، حيث اكتفى فقط بإرسال بعض المال لها من أجل الولادة. تحكي زكية عما حصل قائلة: “لم يطلب مني أن أجهض، كان يقول لي أنني المسؤولة عنه إذا فكرت في إنجابه، وأنه ليس مستعدا لتحمل التبعات الآن، لم أعد ألتقي به منذ حملي، مجرد رسائل قليلة بيننا غير ذات أهمية، أقدر أنه أرسل المال لي لأضع طفلي في ظروف مريحة، لكنه لم يزرني في المصحة، ولم ير طفله أبدا. لا أعلم لماذا علي تحمل عناء التكفل والعناية والسهر والإطعام وكل ما يتعلق بهذا الملاك الصغير بمفردي، بينما هو لا يكترث بوجوده، ولا أظن أنه سيفعل مستقبلا”.
ملامحه تبرز شبهه الكبير بوالده، بل حتى تعابير وجهه وابتسامته، وعلى الرغم من أن والده معروف، إلا أن أوراق الازدياد تثبت بشكل واضح أنه مجهول الأب، تقول زكية: “اخترت أن أمنحه نسبي في انتظار إقرار إلياس للبنوة، رسم الولادة الآن يحمل أسماء مستعارة للأب والجد للأب، مع الإشارة إلى أنه تم إدراجها اختيارا ولا حقيقة، هذه العلامة ستتبع سلمان طيلة مسار حياته، وستجعله يعاني التمييز والتهميش، وهذا أكثر شيء يؤلمني”.
رفض الخبرة الجينية لإثبات النسب.. أين يكمن الخلل؟
خلال مناقشة مقترحات تعديل مدونة الأسرة المغربية التي رفعتها الهيئات المدنية والحقوقية إلى المجلس العلمي الأعلى، أعلن أحمد التوفيق، وزير الأوقاف ولشؤون الإسلامية، عن رفض استخدام الخبرة الجينية لإثبات نسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج إلى آبائهم البيولوجيين. قرار أثار جدلا واسعا في الأوساط الحقوقية، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد يعتبر القرار التزاما بالحديث النبوي القطعي: “الولد للفراش”، ومعارض يدعو إلى مراعاة المصلحة الفضلى للأطفال وضمان حقهم في النسب.
في مقابل ذلك، فتحت إمكانية إلزام الآباء بالإنفاق على أطفالهم إذا ثبتت صلة البنوة عن طريق الحمض النووي، دون إلحاق النسب فعليا بوثائق الهوية الخاصة بالأطفال.
بشرى عبدو، رئيسة “جمعية تحدي للمساواة والمواطنة”، تتأسف لحال الطفل سلمان، وتقول، في حديثها مع منصة “هنّ”: “كنا نتمنى أن يتم الحسم في مسألة إثبات النسب، لأنها تشمل العديد من الأطفال والطفلات داخل المغرب، ونحن نرى أن الخبرة الجينية هي الحل الوحيد من أجل إثبات النسب ومن أجل إلحاق الطفل أو الطفلة بالأب البيولوجي، فعندما نتكلم عن أطفال بدون هوية، نتكلم عن وصمة عار، وعنف نفسي يومي يمارس عليهم وعليهن داخل المجتمع المغربي. نعتبر أنه من الضروري الاجتهاد والأخذ بعين الاعتبار التطور المجتمعي ومعاناة هؤلاء الأطفال داخل هذا المجتمع”.
“لا يعقل أن نترك أطفال بدون نسب فقط لأن هناك نصوصا قطعية، فمن الضروري اليوم الاجتهاد، والأخذ بعين الاعتبار معاناة هؤلاء الأطفال داخل المجتمع، وتسهيل الحياة لهم ولهن”، هذا ما تؤكده عبدو، مشددة على أن “الوقت قد حان من أجل اعتماد الخبرة الجينية العلمية، كما يتم ذلك لحل جرائم القتل والسرقة”.
مع ذلك، ترى عبدو أنه مع عدم الأخذ بالخبرة الجينية، “تتنامى عدد من الجرائم والمشاكل الاجتماعية، كالاغتصاب والابتزاز الجنسي والتهرب من المسؤولية، بينما من الممكن أن يتم وضع قانون رادع يخول الأطفال أن ينسبوا لآبائهم”.
بدورها، كشفت عزيزة البقالي، العضو في “منتدى الزهراء للمرأة المغربية”، والقيادية بحزب العدالة والتنمية (المعارض)، أن المنتدى “قدم مقترحا لتعديل المادة 152 من مدونة الأسرة، بالاستناد للخبرة الطبية التي صدر بها أمر قضائي من بين وسائل إثبات النسب، وذلك رجوعا للآراء الفقهية التي تقول إن اعتماد البصمة الوراثية في مجال النسب ليس فيها ما يتعارض مع أحكام الفقه الإسلامي، على عكس ما هو معمول به في المدونة بناء على أحكام فقهية أخرى، تفرض وجوب شرط الفراش أو الإقرار أو الشبهة.
وحصر المنتدى القيام بهذا الإجراء في الحالات الاستثنائية التي يقع فيها التنازع بين اثنين أو أكثر على نسب ولد لا دليل فراش عليه، وبأمر قضائي، على اعتبار أن التشكيك في الأنساب من شأنه أن يؤدي إلى “مفاسد عظيمة”، كما اقترح المنتدى أن تجرى الخبرة في مختبرات الدولة المعتمدة لذلك.
وعلى الرغم من رفض المجلس العلمي الأعلى لمقترح المنتدى، تؤكد البقالي، في تصريحها لـ”هنّ”، أن “نساء منتدى الزهراء استبشرن خيرا باجتهاد المجلس العلمي الأعلى القاضي بحفظ حقوق الولد الناتج عن علاقة غير شرعية في الرعاية، وذلك عن طريق تحميل الأب البيولوجي المسؤولية في الإنفاق عليه”.
وهذا “يشكل خطوة مهمة في اتجاه ردع العديد من الذكور الذين يستسهلون إقامة العلاقات غير الشرعية لكونهم بمقتضى القانون معفيون من إدارة وتحمل تبعاتها، حيث كانت المرأة مسؤولة لوحدها عن نتيجة هذه العلاقة”، تضيف البقالي.
من جهتها، تشدد لطيفة بوشوى، عضو المكتب الوطني لـ”فيدرالية رابطة حقوق النساء”، في تصريحها لـ”هنّ”، على أن “عدم الأخذ بالخبرة الجينية لإلحاق النسب يعتبر مساسا بحقوق الطفل”.
وتضيف: “أعتقد أن عدم إلحاق نسب الآباء للأبناء في هذا الصدد مجانب للصواب، حيث يترتب عن ذلك الحرمان من حقوق أخرى كالحق في الإرث مثلا، على الرغم من إمكانية ثبوت البنوة وتمكين الأطفال المتخلى عنهم من نفقة الوالدين والاستجابة لحاجياتهم”.
ودعت بوشوى المجلس العلمي للقيام باجتهادات في هذا الجانب، إذ “لا أعتقد أن المغرب من الممكن أن يستمر بمدونة بها مثل هذه الثغرة التي تحرم الأبناء من حقهم في النسب، ومن حقوق أخرى تترتب عن هذا النسب”، على حد تعبيرها.
من جهتها، قالت فدوى رجواني، عضو “منظمة النساء الاتحاديات”، في حديثها مع “هنّ”: “كنا نتمنى اعتماد الخبرة الجينية لإثبات نسب الأطفال المولودين خارج مؤسسة الزواج، بما يضمن أن لا يتحملوا وزر ما قام به البالغون، لاسيما في حالات الاغتصاب، ولكننا نطمح أن تتشكل يوما ما هذه القناعة لدى الجميع”.
تهرب الطليق من النفقة.. هل المدونة عاجزة عن إيجاد الحل؟
الجو بارد هذا الصباح، الساعة تشير إلى السادسة والنصف، عليها النهوض مجددا لإعداد طعام غذاء صحي لسلوى ودينا، تحتاجان اليوم إلى وجبة مختلفة، فهما لا تطيقان تكرار الوجبات كل أسبوع، بل تحتاجان إلى بعض التنويع، مع الحرص على طحن الخضار جيدا حتى لا تبدو بارزة، وإضافة بعض التوابل الخاصة لإضفاء طعم مميز، شهي أو مستصاغ على الأقل، وهذا أضعف الإيمان.
أمل، بقوامها النحيل المرتجف، وأسنانها المصطكة من شدة البرد، تقوم من فراشها بخفة المكره، تتجه إلى الحمام لتغسل أطرافها ووسحنتها، ثم تميل بجسم خائر القوى نحو المطبخ. في الثلاجة سمك، خضار، فواكه، وفي الدولاب مكسرات، شوفان، وأرز، تحتار لدقائق، ثم تبدأ العمل.
منذ طلاق أمل، أصبح أمر الاعتناء بالطفلتين أصعب، فالمال لا يكفيها وهي التي تتكبد العناء لبيع بضع شموع ملونة ومزخرفة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي، رغم أشكالها الأنيقة التي تسحر اللب، يبقى الإقبال عليها ضئيلا، أمل تفكر جديا في عمل آخر بمدخول أفضل، تقطع البقدونس، والكرمب، وتفكر في المآل، ثم تعصر البرتقال، وتفكر، وتفرم الثوم، وتفكر، ثم تتساءل: “كم الساعة؟” هي السابعة وعلى الفتاتان الاستيقاظ لتجهيز نفسيهما قبل الذهاب إلى المدرسة، نصف ساعة فقط تفصلهما عن قدوم النقل المدرسي، تتجه مسرعة إلى بيتهما بيدان ملطختان، تصرخ: “نوضوا دابا يمشي عليكم الحال !!”. الطعام شبه جاهز، لمسات أخيرة قبل وضعه في الـ”لانش بوكسز”، تعد أمل سريعا شطائر وحليبا ساخنا للإفطار، تتناول الفتاتان ذلك بعجلة وترتديان ملابسهما، إنهما مستعدتان الآن، والحافلة أمام الباب.
“عن أي نفقة تتحدثين؟”، تضحك أمل ملء شدقيها، قبل أن توضح، في حديثها مع منصة “هنّ”، قائلة: “يتهرب زوجي من أداء نفقة البنتين، فلا تصلنا تلك الدريهمات إلى مرة كل ثلاثة أشهر، وهي لا تكفينا لسداد مصاريف الكراء والفواتير والمدرسة والمأكل والملبس، أبيع شموعي لأجني بعض المال الذي لا يكفي، فأضطر لطلب المال من أخي ووالدتي لأسد الرمق، سأجد قريبا عملا أفضل، أفكر في إنشاء مقاولة صغيرة للأعمال اليدوية، أو بيع الملابس النسائية عبر الأنترنت، سأنشئ صفحة لذلك، سأجد الحل من أجل بنتي…”
على غرار أمل، تعاني نساء حاضنات كثيرات من تهرب أداء أزواجهن السابقين لنفقة الأبناء، بالإضافة إلى صعوبة تحديد مداخلهم الحقيقية بدقة بعد الطلاق من أجل استخلاص النفقة المستحقة، فضلا عن تعقيد المساطر القضائية التي يجدر اتباعها في حالة عدم الالتزام بالأداء، الشيء الذي يضر بالمصلحة الفضلى للأبناء، ويكرس هشاشة الأمهات اللواتي يتكلفن بالإنفاق على فلذات أكبادهن بأنفسهن، وبمفردهن.
خلال لقاء تواصلي من أجل إطلاع الرأي العام على مقترحات اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة المغربية، تحدث وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، عن “وضع معايير مرجعية وقيمية تراعى في تقدير النفقة وكذا آليات إجرائية تساهم في تسريع وثيرة تبليغ وتنفيذ أحكامها”. جملة تؤكد سعي الدولة إلى ضبط المقدار المستحق للنفقة بناء على مدخول الطليق، لكنها لم تأت بجديد بشأن إلزامية أدائها، وتسهيل مساطر الجزر بالنسبة للمتهاونين.
وسبق لوزير العدل أن كشف، في مناسبة سابقة بالبرلمان، خلال مناقشة لـ”مشروع قانون المسطرة المدنية”، عن “مفاوضات” مع بنك المغرب من أجل إمكانية الولوج إلى الحسابات البنكية للطليق، لمنعه من التهرب من النفقة، ومعرفة إمكانية أدائه لها من عدمه، منشرحا بهذا التعديل تحدث وهبي عن نقاط مهمة، لكنه لم يوضح أي شيء بخصوص آليات إلزامية النفقة خلال اللقاء التواصلي الأخير، مما يثير العديد من التساؤلات حول قدرة المدونة، بعد المراجعة، على ضمان هذا الحق للأبناء.
في هذا الصدد، قالت فدوى رجواني إن “النساء وحدهن، يتحملن إجراءات التحصيل المعقدة للنفقة، وغير الممكنة أحيانا، مشيرة إلى أن الطليق المتهرب من الأداء قد يغير مقر سكناه، ويخفي مداخيله المادية، ويتهرب من توقيع محاضر التبليغ التي يتكلف بها المفوضون القضائيون. وأشارت إلى أن هذه المساطر المتعبة والمعقدة تتطلب مصاريف تقع كلها على عاتق الطليقة”.
وأفادت أن “منظمة النساء الاتحاديات”، التابعة لـحزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (معارض)، كانت قد طالبت بتخصيص صندوق خاص بالنفقة، تشرف عليه الدولة بأجهزتها المعنية، لتقوم عبر وسائلها بتحصيلها من الطليق، بدل تحميل الحاضنات أعباء متابعة التنفيذ، إن تم ذلك.
من جهتها، ترى بوشوى أن “تهرب الطليق من النفقة تعد إشكالية كبرى في التدقيقات القانونية التي يجب إيجاد حل لها، لأن التهرب له أسباب متعددة، فبالإضافة إلى عدم رغبة البعض في الأداء، هناك مانع عدم التوصل بتبليغ الأداء بسبب صعوبة الإجراءات القانونية والقضائية، وهنا سبب آخر مرده الفقر والعوز”، وفي هذه الحالة تشدد بوشوى على “ضرورة تفعيل صندوق النفقة”.
وليس الأب هو الوحيد المسؤول عن نفقة الأبناء، بل الأم أيضا في حالة استطاعتها ذلك، لهذا، أشارت بوشوى إلى أن “فيدرالية رابطة حقوق النساء”، دعت إلى وجوب النفقة على الطرفين معا في حالة المقدرة، وعلى قدم المساواة، كما على القضاء أن يبحث في مواردهما المالية وقيمة مدخولهما ليستفيد الأطفال من نفقة متوازنة.
“للأسف لم يتم اعتماد ذلك، لأن عددا من الأمهات لهن القدرة على الإنفاق، وإن كانت الأغلبية الساحقة لا تملك المال، غير أنه من الضروري مراعاة هذه الاستثناءات، كما يجب على الأب أن يتحمل المسؤولية كذلك، ويتم فرض آليات من أجل إلزام أداء النفقة”، حسب قولها.
أما البقالي، فتعتبر أنه لم يرد الحديث عن هذا لموضوع ضمن المقترحات التي تم استعراضها، لكن لا يمكن الجزم بأن التعديلات لم تتطرق لذلك، “يمكن أن ننتظر حتى تعلن الحكومة عن مسودة النصوص التعديلية للمدونة لنكتشف الأمر وندلي بدلونا بشأنه”.
وتشاطر عبدو البقالي الرأي، مشيرة إلى أن “مسألة أداء النفقة موجودة في الغالب ضمن المقترحات ال139 المعتمدة، لأن ما تم توضيحه فقط يتعلق بالنقط التي كان للمجلس العلمي الأعلى رأي فيها، غير أن هناك عدة نقاط لم تدرج للرأي العام، وسيكون هناك توضيح في هذا المطلب”.
منع التعدد والولاية المشتركة للأبناء وحفظ بيت الزوجية.. نقاط ضوء
جاءت مقترحات تعديل مدونة الأسرة المغربية بعدة إيجابيات، تعتبر أساسية لتحقيق المساواة بين الزوج والزوجة، وضمان تماسك الأسرة المغربية، والانتصار للمصلحة الفضلى للأبناء، من بينها تقييد تعدد الزوجات باشتراط الزوجة عدم التزوج عليها في العقد، أما في حالة غياب هذا الشرط يكون المبرر للتعدد هو إصابة الزوجة الأولى بالعقم، أو بمرض مانع للمعاشرة الزوجية.
كما ستصبح النيابة القانونية للأبناء حقا مشتركا بين الزوجين خلال العلاقة الزوجية وبعد الانفصال، بالإضافة إلى اعتبار الحضانة حقا مشتركا بينهما أيضا، مع إمكانية تمديد هذا الحق بعد الطلاق عند الاتفاق.
وتأتي التعديلات بمقتضى جديد يخصّ إرث البنات، الذي يتيح إمكانية هبة الأموال للوارثات قيد الحياة، وفتح المجال للوصية والهبة عند اختلاف الدين بين الزوجين.
وتتحدث المقترحات المعروضة على الرأي العام عن تمكين الزوجة والأبناء من الاستمرار في الإقامة ببيت الزوجية لفترة محددة بعد الوفاة، بهدف حماية الأسرة من التشرد أو الضغوط الاجتماعية، خاصة في الحالات التي يكون فيها السكن هو المورد الوحيد للأسرة، أو عند وجود بنات وارثات في غياب أي ابن عاصب ذكر.
وحول هذه النقطة، تقول رجواني: “كنا نطمح إلى إلغاء التعصيب بشكل نهائي، ولكننا راضون على الصيغة الحالية لحماية البنات، على اعتبار أن التدرج هو المعمول به تاريخيا في النضالات الحقوقية”.
من جهتها، تقول بوشوى: “عدد من المطالب التي دعت إليها الجمعيات الحقوقية تم تحقيقها، وسيكون هناك ارتياح ولو نسبي بالنسبة لإشكالية التعصيب، فبالحل الذي تقترحه التعديلات ستنجلي مشاكل شرائح متعددة من المجتمع”.
وترى بوشوى أن “التوفيق بين مقاصد الشريعة والقيم الكونية هي ضرورية في مرحلة البناء القانوني للمشروع، لكن يجب أن تشكل قيمة مضافة فيما يتعلق بمعالجة الإشكالات الأسرية العالقة والقائمة”.
بدورها، أكدت البقالي على أن “التعديلات المقترحة على مدونة الأسرة، لا تزال غير كافية لتشكيل مواقف واضحة ونهائية بشأنها، لأنها تظل أفكارا عامة وخطوطا عريضة”.
وتعتبر أن هذه التعديلات “تتضمن نقاطا إيجابية، لكن افتقارها إلى الوضوح يثير إشكاليات وتساؤلات حول مدى إمكانية ترجمتها إلى نصوص قانونية دقيقة، تحقق مقتضيات العدل والإنصاف لجميع مكونات الأسرة”.
في المقابل، أشادت البقالي بالإعلان عن مراجعة مقتضيات الحضانة، بما يسهم في معالجة الاختلالات المرتبطة بهذا الملف، خصوصا فيما يتعلق بتعزيز الحق في سكنى المحضون، وزيارته أو السفر به، فضلاً عن تمكين الأم المطلقة من الاحتفاظ بحضانة أبنائها حتى بعد زواجها. كما ثمنت التوجه نحو وضع معايير مرجعية وقيمية تُراعى في تقدير النفقة، إلى جانب آليات إجرائية تسهم في تسريع تبليغ وتنفيذ أحكام النفقة، وهو ما من شأنه الحد من القضايا العالقة بهذا الشأن في المحاكم.
ومن جهة أخرى، نوهت بجعل النيابة القانونية مشتركة بين الزوجين سواء خلال استمرار العلاقة الزوجية أو بعد انفصالها، مع تحديد مقتضيات قانونية تحت إشراف القاضي لتدبير حالات عدم الاتفاق. كما أشادت باعتماد الوسائل الإلكترونية الحديثة للتبليغ في قضايا الطلاق والتطليق، إلى جانب قبول الوكالة في هذه القضايا.
وأكدت البقالي أن مرحلة إعداد الصيغة القانونية للتعديلات تعتبر أساسية ومهمة، داعية الحكومة إلى إشراك مختلف الفاعلين، كما جرى في المرحلة السابقة، للوصول إلى نص قانوني يتم توسيع التشاور العمومي بشأنه قبل إحالته على البرلمان. وأضافت أن من الضروري أن يتم وضع مشروع النصوص على بوابة الأمانة العامة للحكومة، على غرار نصوص تشريعية أخرى، لتمكين العموم من الاطلاع عليها وإبداء ملاحظاتهم.
جدل ومغالطات.. مواقع التواصل منصاتٌ للتحامل على حقوق المرأة والطفل
شهدت منصات التواصل الاجتماعي نقاشات حادة وآراء متباينة حول مقترحات تعديل مدونة الأسرة، حيث تحولت هذه الفضاءات إلى ساحة جدل تتشابك فيها الأصوات وتتداخل الآراء. فبينما يرى البعض في التعديلات المقترحة انتصارا لحقوق المرأة والطفل، أعرب آخرون كثر عن امتعاضهم، مستندين في ذلك إلى معلومات مغلوطة وشائعات تنتشر وتتناسل بسرعة البرق، وكأنها كرة ثلج تتدحرج من أعلى جبل، لتكبر بشكل يصعب معه إيقافها.
هناك من يدعي أن المدونة تهدف إلى تخريب الأسر المغربية وزيادة نسب الطلاق، في حين يدعو آخرون إلى مقاطعة الزواج، محذرين من تفاقم معدلات العنوسة. وإلى جانب ذلك، ظهرت تفسيرات خاطئة لبعض المقترحات، مثل الادعاء بأن المدونة تفرض على الزوج اقتسام ممتلكاته مع الزوجة بعد الطلاق، أو أن الطليقة ستجرد طليقها من منزله، أو أنها ستحتفظ بحضانة الأبناء والنفقة لتنفقها على زوجها الجديد، وكلها مزاعم لا أساس لها من الصحة.
وفي محاولة لفهم ما يجري على الوسائط الإلكترونية، استفسرت منصة “هنَّ” رجواني عن رأيها، حيث تقول إن “جميع المحطات التاريخية للمدونة (1958، 1993، 2004) صاحبها هذا اللغط والإشاعات، بمجرد ما يتم تعيين لجنة يختار أعضاؤها الملك من أجل صياغة المقتضيات، وصولا إلى إعداد المقترحات التي تتحول إلى قوانين يتم تطبيقها حال صدورها”.
وتضيف الرجواي قائلة: “اليوم تم اتباع منهجية جديدة رغم تشابه البدايات، إلا أن نهايتها مختلفة، حيث إن مسؤولية إخراج قانون الأسرة الجديد ستكون موكولة للبرلمان والحكومة، في احترام تام لما ينص عليه دستور 2011. وإذا كان المغاربة في مرحلة المشاورات وإعداد المقترحات قد عبروا عن اطمئنانهم للمسار، فإن اليوم، وفي مرحلة الإحالة على البرلمان، كان هناك، في نظري، ارتباك كبير في التواصل، وهو ما أفضى إلى هذا للغط”.
واعتبرت أن “الحكومة لم توفق في التواصل حول المقترحات وتنوير الرأي العام، حيث تركت المواطنين تحت رحمة الإشاعة والترويج لمقتضيات غير حقيقية”، مشيرة إلى أنها “لم توضح بشكل فعال مضامين مخرجات اللجنة التي تعد، مجرد مقترحات متبوعة بمسار ونقاش تشريعي قبل أن تتحول إلى قوانين”.
وترى رجواني أن المغرب “أمام ورش مجتمعي مهم ودقيق في نفس الآنن، سيتم اجتيازه بحكومة ضعيفة وبقدرات تواصلية شبه منعدمة، وتحالف حكومي يمرر القوانين بمنطق الغلبة العددية”.
وتزيد: “نعول على القوى الحية والمعارضة الاتحادية في البرلمان في قيادة نقاشات رصينة للدفاع عن الأسرة المغربية بما يحفظ حقوق كل أفرادها، وإعلاء مصلحة الأطفال، ومحاربة الإشاعة والمغالطات التي تسعى اليوم لخلق جو مشحون وتصور أننا أمام حرب بين النساء والرجال”.
وتتقاسم البقالي الرأي مع رجواني، حيث صرحت أن النقاش الدائر على وسائل التواصل الاجتماعي حول تعديلات مدونة الأسرة، الذي يتخذ، في بعض الأحيان، أشكالا تهكمية أو استهزائية، مع نشر الكثير من المغالطات، يعود، جزئيا، إلى طريقة التواصل حول المقترحات والتعديلات التي تم الإعلان عنها، مشيرة إلى أن بعض المسؤولين لم يعطوا للموضوع قيمته الحقيقية، ولم يلتزموا بتلاوة ما جاء في الوثائق بصيغتها المكتوبة، والتي تم توزيعها على وسائل الإعلام، مما أفسح المجال للتأويلات والشائعات.
وتشير البقالي إلى أن بعض التصريحات الجانبية والتوضيحات غير الدقيقة ساهمت في إذكاء نوع من البلبلة وإشاعة الفتنة، خاصة وأن المقترحات واردة في صيغة عامة، وبعض فقراتها غير الواضحة، ما فتح باب التأويلات على مصراعيه، وغذى المواد المتداولة في وسائل التواصل. كما أفادت البقالي أن من المعلقين من يناقش بسوء نية، وهناك من يركب على الحدث لتحقيق مصالح ضيقة.
وشددت البقالي على ضرورة تحمل الحكومة لمسؤوليتها في التواصل، بناء على توجيهات الملك محمد السادس، مؤكدة أن عليها أن تتواصل بشكل مسؤول لتقديم التوضيحات الكافية وطمأنة الرأي العام حول المخاوف المتعلقة بالمقترحات والتي قد تفهم على أنها مهددة للأسرة.
من جهتها، صرحت بوشوى أن الحملات التشهيرية ضد النساء، التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي على هامش الإعلان عن مقترحات تعديل المدونة، هي حملات تحريضية تنبع من إيديولوجيا محافظة تهدف إلى إحباط أي تقدم على مستوى المكتسبات الهيكلية.
وأوضحت أن هذه المكتسبات، كما ورد في عدد من التعليمات الملكية الرسمية وحتى غير الرسمية، لا تهم المرأة والأسرة فقط، بل تعني المجتمع ككل، مشيرة إلى وجود مقاومة قوية لهذا التقدم.
وأضافت بوشوى: “عوض سلك حوار جدي ورصين يمكن أن يقدم حلولًا واقعية، يتم اللجوء إلى طرق التأجيج والتحريض لإعطاء انطباع بعدم تقبل المجتمع المغربي لهذه التعديلات. في المقابل، هناك أصوات كثيرة مرتاحة وفرحة، خصوصًا النساء والأسر والأطفال الذين يعانون من مشاكل حارقة”.
وأكدت على أن “مواقع التواصل الاجتماعي تعد فضاء للتعبير الحر، لكنها تتحول أحيانا إلى أداة ضغط لتوجيه الرأي العام بطرق مغلوطة”، مشددة على ضرورة إطلاق حملات لمواجهة المغالطات والإشاعات التي تروج، لأن “هناك أفكار خاطئة جدا يتم نشرها، خصوصا وأن التنكيت على النساء والمساس بكرامتهنَّ أصبح أمرا عاديا، وهو ما لا يمكن السكوت عنه”، حسب قولها.
واعتبرت بوشوى أن “الإعلام الجاد يتحمل مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه الظواهر من خلال إيصال الأفكار الصحيحة للمواطنين والمعنيين، تماشيا مع التوجيهات الرسمية”. ودعت في الوقت ذاته إلى إطلاق آليات توعوية لتحسيس المواطنين والمواطنات بالمضامين الحقيقية للتعديلات وإيجابياتها.
مدونة جديدة.. ما مدى تطابقها مع الشريعة الإسلامية؟
تقول البقالي أن “الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، حرص على تفعيل دوره المنصوص عليه في الفصل 41 من الدستور، حيث أحال مقترحات تعديل مدونة الأسرة على المجلس العلمي الأعلى لإبداء الرأي الشرعي فيها، خاصة تلك المتعلقة بالنصوص ذات الطابع الديني”.
وأوضحت البقالي أن “المجلس العلمي الأعلى أصدر رأيا شرعيا في هذه المقترحات، وقام بالتحكيم الضروري في القضايا التي شهدت تعدد الآراء، أو تطلبت مراجعات شرعية”، مضيفة أن الملك محمد السادس “رجح الخيارات التي تنسجم مع المرجعيات الشرعية والغايات التي حددتها الرسالة الملكية، وعلى رأسها مبدأ عدم تحريم حلال ولا تحليل حرام”.
وأشارت إلى أن المجلس رفض بعض المقترحات، مثل منع التعصيب وإقرار التوارث بين الزوجين في حالة اختلاف الدين، معتبرة أن المجلس كان موفقا في ذلك، حيث قدم حلولا بديلة بقيت ضمن دائرة الاجتهاد الفقهي، مثل تفعيل مقتضيات قانونية قائمة كـ”إيقاف بيت الزوجية” الذي يستند إلى أحكام “العمرى” الواردة في المواد 105-108 من مدونة الحقوق العينية، وهو إجراء يسمح بتوقيف البيت لفائدة الزوج أو الزوجة أو غيرهما لمدة محددة أو طيلة حياة المستفيد.
وأكدت البقالي أن “منتدى الزهراء” سبق وطالب في مذكراته بتفعيل هذا المقتضى كحل للإشكاليات المرتبطة بالتعصيب، مشيرة إلى أن مدونة الحقوق العينية تعتمد على القواعد الفقهية الإسلامية.
وأوضحت أن الحلول التي قدمها المجلس العلمي الأعلى لقضايا مثل إرث البنات أو فتح الوصية والهبة أمام الزوجين في حالة اختلاف الدين تظهر التزام المجلس بإيجاد حلول واقعية من داخل المرجعية الإسلامية.
وأضافت أن المنتدى يثق في علماء المجلس العلمي الأعلى ويقدر جهودهم في قبول أو رفض بعض المقتضيات، وكذلك في اجتهادهم لإيجاد مخارج فقهية للإشكالات المطروحة.
وأعربت عن يقينها بأن المجلس سيكون حريصا على مراجعة وتدقيق النصوص القانونية لضمان عدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية، مما يطمئن الجميع إلى أن المدونة الجديدة ستكون متقدمة وتجيب عن الإشكاليات المعاصرة، مع احترام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.















