كثيرة هي العائلات التي اكتوت بنار الفقد أو القهر بعد الاحتجاجات الأخيرة لحراك “جيل زاد 212″، وإن كانت بعض العائلات وجدت ما يُعزّيها في نضال أبناءها أو بناتها، فإنّ عوائلًا أخرى لم تكد تُصدّق ما حدث لابتعاد أبناءهم عن الشأن العام برُمّته، ومحمد الرحالي كان واحدا منهم.
لم تطأ قدمُ محمد الرحالي أرض الاحتجاج، لم يكن يحمل لافتة، ولا يهتف بالشعارات في الشوارع والأزقّة. كلّ ما في الأمر، أنّه كان عائدًا إلى بيته بعد اجتياز امتحان رخصة سياقة الشاحنات، حين انتهى يومه برصاصة حيّة حوّلته من شابٍّ يحلم بمشروع صغير إلى رقم في بلاغ رسمي.
منذ تلك اللحظة، لم تعُد المسألة بالنسبة إلى عائلته تتعلّق بالفقد فقط، بل بالحقيقة كاملة؛ كيف أُصيب؟ أين كان يقف؟ من أطلق النار؟ وهل استُعمل السلاح وفق ما يفرضه القانون أم خارج حدوده؟ أسئلة بسيطة في ظاهرها، ثقيلة في واقعها، تحوّلت إلى معركة يومية تخوضها أمٌّ ترفض أن يُختزل ابنها في رواية رسمية أو في أخرى شبهة عابرة.
هذه ليست قصّة احتجاج فحسب، بل قصّة عائلة تطالب بكشف ملابسات مقتل ابنها، في سياق اجتماعي وسياسي متوتّر شهد احتجاجات ما عُرف بحراك “جيل زد 212″؛ فما بين الروايات المتضاربة، والتضييقاتُ التي أعقبت الواقعة، يتقدّم مطالب العائلة بوصفها جوهر الحكاية: الحقّ في معرفة الحقيقة، والحق في مساءلة من استعمل القوّة والنفوذ، والحقّ في الولوج إلى العدالة كحقّ دستوري قبل أن يكون إنساني.
وجع الأمّ ووجع الفقد: ما لا تغفره الإنسانية
كانت عشرون ثانية وواحد وخمسون دقيقة كفيلة لإعادة سرد يوم الفقد. ففي بداية لقائنا بها، حرصت أمّ محمد الرحالي على ضبط نبرة صوتها رغم الثقل الذي يسبق الكلمات. ثمّ نطقت بهدوءٍ مشوب بالانكسار: “أنا بخير والحمد لله، وكل شيء على ما يرام.. أكثر ما نريده هو أن تصل رسالتنا، وأن تتحقّق العدالة والحقيقة، وتظهر براءة الشباب الذين ماتوا، ومن بينهم ابني”، بهذه العبارات الثقيلة تختصر والدة المرحوم محمد الرحالي مطالبها، فالحزن لم يدفعها إلى الكلام بقدر ما دفعها إلى البحث عن الإنصاف.
محمد، ذو الخامسة والعشرين سنةً، كان كما تصفه والدته؛ حلاّقًا ماهرًا يحمل دبلومات تشهد بكفاءته، اشتغل خارج البلاد ستّ سنوات قبل أن يعود سنة 2024، مدفوعًا برغبة واضحة في الاستقرار إلى جانب عائلته وفتح مشروعه الخاصّ. لم يكُن يعتمد على مهنة الحلاقة وحدها، بل كان يُساعد عمّه في نقل الطلبات بسيّارة مشتركة بينهما، لأنّ المهنة ـ كما تقول ـ لا توفّر دائمًا دخلًا مستقرَّا. كان شابًّا طموحًا، عمل في كلّ من الرباط وأكادير والدار البيضاء، وراكم خبرة في الداخل والخارج، “لم يكُن لديه وقت للمشاكل أو الشجار، وكان بعيدًا كلّ البُعد عن أيّ نزاع”، تؤكد الأم.
حرصت الأمّ وهي تسرد يوم الواقعة على الدفاع عن إبنها أمام محكمة غير مرئية، وكأنّها كانت تستنجد القدر كي يُعيد ترتيب الأحداث والزمان والمكان فلا تُصيب فلذة كبدها رصاصة عابرة تتّهمه بالانتماء إلى حراك لم يكُن معنيّا به. تحوّل السرد، إلى وسيلة لحماية سُمعته من أيّ تأويل قد يربط الفقيد بسلوكٍ يُبرّر ما حدث. وهذا ناتج أساسا عن هشاشة صورة الشباب في الخطاب العام، حيث كثيرًا ما يُطلب من العائلة إثبات “البراءة” بدل الحماية.
تبدأ نبرات صوتها ترتجف شيئا فشيئا كلّما تقدّمت في استعادة تفاصيل اللحظات الأخيرة بدقّة مؤلمة: “كان لديه امتحان رخصة لسياقةِ للشاحنات، بعدما تحصّل سابقًا على رخصة السيارات الصغيرة. استيقظ صباحًا، تناول فطوره، وتوجّه لاجتياز الامتحان. اتصّل بي لاحقًا ليخبرني أنّ الأمور مرّت بخير وقال: يا أمّي أنا في طريقي إلى البيت”.
مضي اليوم عاديًا، بلا مؤشّرات توحي بفاجعة وشيكة رغم أنّ حراك “جيل زاد 212” كان قد ابتلع الشوارع في تلك الساعات، إلى أن سُمع دوي بعيد لإطلاق نار في منطقة القليعة (شمال مدينة أكادير). شعرت الوالدة بالخوف الشديد، وحاولت الاتّصال به مرارًا لكن دون جواب. تقول لنفسها إنّه في الطريق. تنهض لتصلّي العشاء، وتطلب من ابنتهـا تسخين الطعام له. بعد الصلاة تعاود الاتّصال، بلا نتيجة.
“نزل أخوه مُسرعا بعد أن جائته أخبار بأنّه أصيب، لم أكن أصدّق ما أسمع. قلت ربّما حادث عرضي فقط”، وهكذا خرجت الأم مسرعةً، تصرخ، تبحث عنه في الشارع المكتظ، تسأل المارّة عن محمد، الشاب الهادئ قليل الاختلاط. ليُقال لها إنّه قرب مأوى بمحاذاة المحلاّت التجارية والمرافق الإدارية، في مكان عام يعجّ بالناس.
حين وصلت، لم تجد غير الفوضى، وحضورًا أمنيًا كثيفًا، ووجوهًا مرتبكة. لم تجد ابنها، بل أخبرها أحدهم أنّه نُقل إلى المستشفى، دون أن يوضّح إن كان حيًا أم ميّتًا، “منذ تلك اللحظة لم أعُد أفهم ما يجري”، تقول الأم الثكلى. وهنا، تبدأ رحلة البحث بين المستشفيات، ثم تعلم أنّه نُقل في سيارة إسعاف وهو متوفى.
لم تكُن الصدمة التي تلقّتها والدة الرحالي في فقدان الابن فحسب، بل في غياب الرواية الواضحة. فالغموض الذي أحاط بالمتوفّين والموقوفات وعدم النفاذ إلى المعلومة الدقيقة عقّد مسار الحداد، حيث تعلّق الوعي بين التصديق والإنكار. كما حرم هذا الغموض العائلة في حق معرفة الحقيقة، وفي تحقيقٍ فعّال يجيب عن الأسئلة العالقة: كيف وقعت الإصابة؟ ما ظروفها؟ هل استُخدمت القوّة وفق الضوابط القانونية؟ وهل فُتح تحقيق مستقلّ يضمن الشفافية والمساءلة؟
في حديثها مع منصة “هنَّ”، تعود الأمّ كل مرةٍ إلى جملة واحدة تختصر كل شيء: “لا أريد سوى الحقيقة”، وبين صوتها المرتجف، وصورة شابّ عاد إلى بلده ليبدأ حياة جديدة انتهت بالقتل العمد، تتشكّل قصّة لا تخصّ أسرة واحدة فقط، بقدر ما تضع المجتمع أمام سؤال أوسع: كيف يُمكن حماية حقّ الشباب في الوجود الآمن في الفضاء العام؟ وكيف تُصان حياواتهم في لحظات التوتّر الجماعي؟ وكيف تُجابه الجغرافيا التي حملت أقدام المحتجيّن والمحتجات بالقتل قبل تحديد الانتماء أصلا؟
ما بعد الواقعة: المطالبة بالحقيقة وسط التضييقات
“لم تنتهِ مأساة فقدان ابني عند لحظة وفاته، بل بدأت رحلة جديدة من البحث عن الحقيقة، مليئة بالعقبات والتضييقات. بعد تلك الواقعة خرجنا نسأل عن مقاطع الفيديو: كيف حدث الأمر؟ وأين كنّا؟ وأين وقع المشكل؟”، تُكمل والدة الرحالي، مُشيرة إلى استنجادها بالناس الذين كانوا مُحاطين بالمكان خفية، وتُؤكّد على أنّه وحسب الشهادات تمّ إطلاق النار عشوائيّا في اللحظات الأخيرة من انتهاء الحراك.
“ابني المسكين كان عائدًا إلى البيت على درّاجة، وهاتفه بحوزته وملابسه نظيفة. كيف يُعقل أن يُصاب بالرصاص؟”، هكذا تحدّثت الأم، مؤكّدة على أنّه رغم كل الأدلة والمقاطع المصوّرة، حاولت الروايات الرسمية تلوين الأحداث لصالح السلطة، وإلقاء اللوم على الضحايا وتضليل الرأي العام وذلك في بلاغ صدر عن وزارة الداخلية يوم الواقعة.
لم تقتصر المعاناة على غياب المعلومات، بل امتدّت إلى التضييقات المباشرة على العائلة. قامت العائلة مع أقارب وضحايا آخرين ورفقة مناضلين ومناضلات من “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بوقفات احتجاجية قرب مكان الحادث، أمام المحكمة الابتدائية والاستئناف بأكادير وبالرباط. هناك حيث تمّ اعتقالهم لمدّة ثماني ساعات فور بعد رحلة طويلة، بلا نوم أو طعام، وتمّ الإفراج عنهم ليلًا مع استمرار التضييق عليهم.
تواصلت العائلة أيضًا مع مسؤولين في النيابة العامة والديوان الملكي، لكنّهم واجهوا صعوبات متكرّرة في النفاذ إلى المعلومة أو ضمان إجراء تحقيق مستقل. “قالوا إنّ الملف كبير، لكن نحن لدينا جميع الأدلة والشهود، ولا يمكن لأحد أن يلطخ سمعة ابني”، توضح الأم. مؤكدةً على أنّ كل خطوة اتخذوها “كانت دفاعًا عن البراءة وعن الحق في الحقيقة”.
يعكس ما تُواجهه العائلة إلى اليوم نماذجًا متكرّرة للتضييق على أسر ضحايا احتجاجات “جيل زد” في المغرب، بما يشمل الاعتقالات المؤقتة، التضييق على حرية التعبير، وصعوبة النفاذ إلى العدالة، في وقت يُعتبر فيه التوثيق الذاتي (الهواتف والمقاطع المصوّرة) أداة ضرورية لحماية حقوق الضحايا وإثبات الحقائق أمام الروايات الرسمية المضلّلة.
وفي الصدد ذاته، يؤكّد المحامي بهيئة القنيطرة رشيد بلعربي أنّه “بعد انطلاق أولى شرارة احتجاجات حركة جيل زد ظلّ الكل يتنبأ بالطريقة التي ستتعامل بها السلطات مع هاته الاحتجاجات”.
ويضيف أنه “إذا كان اليوم الأول الموافق ليوم السبت 27 شتنبر 2025 قد عرف توقيف مجموعة من الأشخاص واصطحابهم للدوائر الأمنية و إخلاء سبيلهم بعد ساعات كرسالة أولى، فإنّ الأيام التالية عرفت تدخّل السلطات لتفريق المتظاهرين والمتظاهرات وتوقيف عدد منهم في مدن متفرّقة مع إخضاعهم للحراسة النظرية وتقديمهم أمام النيابة العامة التي تابعت عددا منهم في حالة اعتقال، والباقي في حالة سراح”.
ويضيف المحامي “ومع ارتفاع وتيرة الاحتجاج و استمراره تسلّلت بعض العناصر المشاغبة لتخترق الاحتجاجات السلمية إمّا بشكل مدبّر أو بشكل عفوي، وهو ما وقع مثلا في مدن سلا، تمارة ، القنيطرة، أكادير وغيرها. لكن ما وقع في القليعة كان حدثا استثنائيا بكل المقاييس حيث تم إطلاق الرصاص الحي على ثلاثة أفراد أرداهم قتلى، رغم أنّ الفيديوهات التي قدّمها السيد الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بأكادير لم تكن كافية لتبرير استعمال السلاح الناري من أجل الدفاع الشرعي”.
فإذا كان الدفاع الشرعي حسب تعبير المحامي “يبرّر استعمال السلاح أو أيّ وسيلة أخرى فإنّ الأمر مشروط بوجود خطر حقيقي و حال يهدد سلامة الأشخاص أو الأموال، ولا يمكن صده إلا باستعمال السلاح أو تلك الوسيلة . فإن الفيديوهات التي قدمها السيد الوكيل العام للملك وإن كانت قد أظهرت قيام بعض الأشخاص وهم يصيحون أمام مقر مركز الدرك الملكي بالقليعة ويحاولون الهجوم عليه، فإنّها لم تظهر أن السلاح الناري تم استعماله في هاته اللحظة لصدّ هذا الهجوم”.
بل بالعكس من ذلك، يوضح بلعربي “فإنّ الفيديوهات المنتشرة والشهادات المتوفّرة أوضحت بأنّ الضحايا قتلوا بعيدا عن مركز الدرك بعشرات الأمتار. أي أنّه لحظة إطلاق الرصاص عليهم لم يكونوا يشكّلون أي خطر؛ سواء على مقر الدرك الملكي أو على عناصره أو على الغير”.
“وبالتالي تبقى الرواية التي قدّمها السيد الوكيل العام للملك غير كافية لتبرير قتل مواطنين أبرياء، وكان يتعين فتح بحث معمّق حول ظروف الحادثة لترتيب المسؤوليات القانونية اللازمة”، يؤكد المحامي.
مسار احتجاجات “جيل زد 212” في المغرب
انطلق حراك “جيل زاد 212” من مدن عديدة مثل الرباط، الدار البيضاء، أكادير، مراكش، وطنجة، احتجاجًا على أوضاع الصحّة والتعليم والبطالة وتفاقم الإحساس باللامساواة والفساد. كانت الاحتجاجات في بدايتها سلمية وترتكز على مطالب اجتماعية واقتصادية، وقد نُظّمت أساسًا عبر شبكات رقمية ولا مركزية مثل منصة “ديسكورد”، حيث شكّلت منصّات التعبير والتنسيق مركزًا لوعي جديد ينبثق من واقع غير مُرضٍ لدى جيل نشأ في زمن الرقمنة.
لكن ما نتج بعد ذلك كان قاسيا، إذ أشارت تقارير منظمّات حقوق الإنسان إلى ما وصفته بـ”ردّ فعل صارم من السلطات”، بما في ذلك استخدام القوّة المفرطة والاعتقالات الجماعية. وكانت “منظمّة العفو الدولية” قد حذّرت من “استخدام القوّة غير المتناسبة” ضدّ المتظاهرين والمتظاهرات، وهو ما أدّى إلى مقتل عدّة محتجّين وإصابة العشرات ومُحاكمة أكثر من 2480 شخص من أنحاء البلاد -حسب أرقام تقريبية رصدتها “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”-، بينهم شابات وشبان كانوا يبدُون فقط دعمًا أو يتحدّثون إلى الإعلام. كما وثّقت حالات اعتقال تعسّفي حتى قبل أن تتصاعد أيّة أعمال عنف، ممّا يطرح تساؤلات حول انتهاك حقّ التجمّع السلمي وحريّة التعبير وفق المعايير الدولية.
وندّدت منظمة “صحفيات بلا قيود” (WJWC) أيضًا بالاعتقالات، كما طالبت بإطلاق سراح من اعتُقلوا واعتقلن لمجرد ممارستهم لحقهم في التعبير والتجمّع السلمي، ووصفت ما يجري بأنّه “انتهاك للالتزامات الدستورية والدولية في ما يتعلّق بالحقوق الأساسية”.
من الناحية الحقوقية، ينصّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه المغرب، على أنّ “حريّة التجمّع السلمي والتعبير يجب أن تُحترم حتى لو لم تكُن الاحتجاجات مرخّصة رسميًا، شريطة أن تكون سلمية”. وأيّ تدخّل أمني لا ينبغي أن يتحوّل إلى قمع يمسّ بهذه الحقوق الأساسية.
كما وثّقت تقارير أولية لـ”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” (AMDH)، كثيرًا من الاعتقالات جاءت استنادًا إلى مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي أو معلومات جمعتها السلطات الأمنية، وأنّ بعض المتّهمين والمتّهمات تعرضوا لـ”محاكمات تقيّد حرية الرأي والتعبير”. وهذه الإجراءات تؤدّي إلى تقييد الفضاء العام وتحجيم منصّات النقاش السلمي بدل تعزيزها.
وفي هذا الصدد، توضّح خديجة الرياضي الكاتبة العامة لـ”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، طبيعة الانتهاكات التي رافقت احتجاجات “جيل زد”، قائلة: “قامت الجمعية بإيفاد لجنة لتقصّي الحقائق بخصوص مقتل ثلاثة مواطنين في منطقة القليعة قُرب مدينة أكادير. وخلصت اللجنة إلى أنّه لم يكن هناك أي مبرّر لاستعمال السلاح في السياق الذي وقع فيه إطلاق النار على هؤلاء المواطنين. واعتبرنا أنّ ما حدث يُعدّ انتهاكًا للحق في الحياة، كما يُصنَّف إعدامًا خارج نطاق القانون، لأنّ المتسبّبين في مقتل هؤلاء الشباب هم رجال سلطة يمثّلون الدولة وقد استعملوا السلاح الوظيفي في عملية نعتبرها جريمة”.
وتستند الجمعية حسب الرياضي في تقييمها “إلى معطيات دقيقة تُثبت أنّ الضحايا كانوا بعيدين عن ثكنة الدرك الملكي، خلافًا لما جاء في بيان النيابة العامة الذي ادّعى أنّهم حاولوا اقتحام الثكنة وتهديد الأمن. بل إنّ أحد الضحايا أُصيب داخل منزله أثناء توجّهه إليه، وآخر كان عائدًا من عمله متّجهًا إلى بيته في ساعة متأخّرة من الليل، ولم يشكّل أيّ تهديد مباشر”.
ومن هذا المنطلق، تقول الرياضي “اعتبرت الجمعية أنّ جميع عمليات القتل الثلاث تُعدّ انتهاكًا للحقّ في الحياة، وأنّ استعمال السلاح الوظيفي تمّ خارج الإطار القانوني والمعايير الأممية المنظمّة لاستعمال القوة العمومية. وطالبت بفتح تحقيق محايد ومستقل، بعيدًا عن أيّ تأثير للجهات التي ينتمي إليها المسؤولون عن هذه الأفعال. حتى الآن، لا تتوفّر معلومات عن اتّخاذ أيّ إجراءات احترازية مثل الاعتقال الاحتياطي أو سحب السلاح الوظيفي إلى حين انتهاء التحقيق”.
وتُشير الرياضي أيضًا، إلى أنّ “تمديد الوقت دون إحراز تقدّم في التحقيق أو إحالة الملفات إلى المحاكمة يشكّل مساسًا بالحقّ في العدالة والإنصاف للعائلات، ويُعزّز مخاوف الإفلات من العقاب، ويترك الرسالة إلى المجتمع مفادها أنّ المسؤولية غير مُحاسبة”.
وتُبرز قراءة خديجة الرياضي، إلى جانب رواية الأمّ، البعد القانوني والاجتماعي النفسي للأحداث؛ فهي لا توضّح فقط خطورة استخدام القوّة المفرطة، بل أيضًا حاجة الأُسر إلى معرفة الحقيقة وحقّهم في النفاذ إلى العدالة؛ ما يعكس مدى هشاشة حماية الحقّ في الحياة وحريّة التظاهر السلمي في سياق الاحتجاجات الأخيرة لجيل زاد في المغرب.
الإصرار على تحقيق العدالة
حسب الشهادات التي جمعتها “هنَّ”، بينما كانت والدته تنتظر وصوله، أصيب محمد الرحالي برصاصة على مستوى البطن أطلقها الدرك، وسقط على بعد نحو 300 متر من مركز الدرك الملكي بـ”القليعة”، وذلك أثناء عودته إلى منزله بعد إنهاء مشاويره اليومية، ليقع ضحية لمأساة لم يكن لها أي سبب سوى تواجده في المكان والزمان الخطأ.
وتؤكّد شهادات العائلات، من الأم المفجوعة إلى الشهادات الرسمية لـ”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، وهي أكبر منظمة حقوقية غير حكومية في المغرب؛ أنّ مأساة محمد الرحالي وغيره من شباب “جيل زد” ليست مجرّد حوادث فردية، فهي انعكاس لهشاشة حماية الحقوق الأساسية في لحظات الاحتجاج والتعبير عن المطالب الاجتماعية.
كما أن الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الأحداث يتعدّى الأُسر، “ليُعبّر عن سياسة الإفلات من العقاب في الأنظمة الديكتاتورية، ويترك أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الدولة والمواطنة والمجتمع كثلاثي يشترط منظومة قانونية وحقوقية راسخة”، وفق مصادر حقوقية استشارتها هذه المنصة.
واليوم، بعد مرور أشهر على الواقعة، ما زال ملفّ مقتل محمد الرحالي واثنين آخرين من مدينة القليعة، معلّقًا في منطقة رمادية؛ حيث لم تُنشر نتائج رسمية واضحة للتحقيق، ولم تُقدَّم رواية قضائية مفصّلة تُجيب عن الأسئلة الجوهرية التي طرحتها العائلات منذ اليوم الأول. ومع كلّ تأخير، يتعمّق شعور الأُسر بأنّ الوقت لا يعمل لصالح الحقيقة، بل لصالح النسيان.
وتحدّثت العائلات عن صعوبات في النفاذ إلى المعطيات، وعن تضييقات رافقت تحرّكاتهم السلمية للمطالبة بالعدالة، وعن خطاب رسمي سابق لأوانه صنّف الضحايا في خانة “المشاغبين” قبل أن يُستكمل أيّ مسار قضائي مستقل. في المقابل، مازالت الدعوات الحقوقية تطالب بفتح تحقيق معمّق ومحايد، مع ضمان الشفافية ونشر نتائجه للرأي العام، واتّخاذ إجراءات احترازية واضحة إلى حين تحديد المسؤوليات.



















