في بلد يفترض أن تكون فيه ساحات العدالة ملاذا آمنا لممارسة القانون، تكشف بيانات حديثة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن واقع مغاير تعيشه المحاميات في ليبيا، عن واقعٍ تتداخل فيه بيئة العمل مع الخوف، وتمتد فيه الانتهاكات من قاعات المحاكم إلى الشارع والفضاء الرقمي.
تقرير “حماية المحاميات الليبيات من العنف: دراسة تحليلية وتوصيات لتحسين بيئة العمل”، يرصد 169 حالة إساءة موثقة تعرضت لها محاميات، توزعت بين 74 حالة داخل المحاكم، و73 حالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، و22 حالة في الشارع.
العنف يلاحق المحاميات
هذه الأرقام، تكشف أن العنف لم يعد محصورا في مكان واحد، بل أصبح يلاحق المحامية حيثما كانت، في مهنتها وحيزها العام وحضورها على الإنترنت.
ولا تتوقف الصورة عند مواقع الانتهاكات، بل تتسع لتشمل الجهات المتسببة فيها. فقد أظهرت البيانات أن أعضاء النيابة تصدروا قائمة المتسببين بـ31 حالة، تلاهم خصوم القضايا بـ11 حالة، ثم عناصر الشرطة بـ9 حالات، وزملاء المهنة بـ8 حالات.
مؤشر يطرح أسئلة صعبة عن بيئة العمل القانونية نفسها، وعن قدرتها على توفير الحماية المهنية داخل منظومة يفترض أن تكون قائمة على العدالة والإنصاف. وعلى مستوى التأثيرات، لم تكن الأرقام أقل قسوة. إذ أفادت 51 حالة بتأثر الصحة النفسية، و41 حالة بتجنب الترافع، و11 حالة بالشعور بالخوف، فيما وصلت التداعيات في بعض الحالات إلى ترك العمل نهائيًا (4 حالات). وبين تلك الأرقام، تظهر ملامح مسارات مهنية تتعثر، ونفسيات تتآكل تحت ضغط الإساءات المتكررة.
لكن الإشكاليات، وفق ما يشير إليه التقرير، “لا تقتصر على رصد العنف أو تصنيف أنماطه، بل تمتد إلى سؤال أكثر إلحاحا يتعلق بآليات الشكاوى داخل المنظومة القانونية، ومدى فاعليتها في تحقيق المساءلة، خاصة عندما يكون الطرف المشكو ضده جزءا من المؤسسة ذاتها”.
في هذا السياق، تقول وفاء بن ناصر، محامية بدرجة الترافع استئناف عالي، إن “تقديم الشكوى بشأن الإساءات أو التجاوزات داخل الوسط القانوني لا يعد في حد ذاته إجراء معقدا، إذ يتم عبر مسارات قانونية سريعة وأمام جهات مختصة، إلا أن الإشكال الحقيقي يظهر في مرحلة التعامل مع هذه الشكاوى والفصل فيها”.
وتوضح أنه “في بعض الحالات، وعند تقديم شكوى ضد وكيل نيابة، تتم إحالتها إلى ذات الجهة أو ضمن نطاق إشراف العضو المشكو ضده، ما يثير تساؤلات حول حيادية الإجراءات ومدى فعاليتها”.
وتضيف بن ناصر أن “هذا الواقع قد يدفع في كثير من الأحيان إلى محاولة تسوية النزاع وديًا عن طريق الصلح بدلًا من السير في المسار القانوني للتحقيق والمساءلة، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المحاميات في جدوى التبليغ، ويؤدي إلى تراجع العديد منهن عن تقديم الشكاوى، لاعتقادهنّ بعدم تحقيق الغاية المرجوة منها، والمتمثلة في المساءلة الفعلية ووضع حد للتجاوزات”.
وفيما يتعلق بالإحصائيات المرتبطة بحالات العنف أو الشكاوى، تشير بن ناصر إلى أنه “لا يمكن اعتبارها دقيقة، نظرًا لعزوف عدد من المحاميات عن الإبلاغ من الأساس، ما يجعل الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة”.
وتوضح المتحدثة: “المحامية تعامل في بعض الأحيان وكأنها عنصر دخيل داخل أروقة المحاكم، رغم كونها ركنا أساسيا في تحقيق العدالة. وتقول إن هذه الإشكاليات تبدأ أحيانا من بعض النيابات، حيث يتم منع المحاميات من مراجعة عضو النيابة المختص بحجة انشغاله بالتحقيق، رغم أن الغرض من المراجعة قد لا يستغرق سوى وقت قصير، ما يضطرهنّ إلى الانتظار لساعات دون مبرر واضح”.
وتلفت كذلك إلى أن “بعض الممارسات تصل إلى تقييد حق المحامية في الاطلاع على مجريات التحقيق أو معرفة مآل الملفات، وهو ما يعد مخالفة لأحكام القانون التي تكفل للمحامي حق المتابعة والاطلاع في إطار الضوابط القانونية. وتؤكد أن مثل هذه الممارسات تؤثر بشكل مباشر على الثقة في الإجراءات القانونية وتنعكس على دقة الإحصائيات المتعلقة بالتبليغ”.
وفي سياق متصل، تؤكد بن ناصر أن “عدد من المحاميات يمتنعن عن تولي القضايا الجنائية بسبب طبيعة المعاملة التي قد يتعرضن لها من بعض أفراد الشرطة أو أعضاء النيابة أو حتى بعض القضاة في الدوائر الجنائية، مشيرة إلى أن هذه المعاملة قد تهدف إلى التقليل من قدراتهنّ، وهو ما دفعها شخصيًا إلى تجنب هذا النوع من القضايا خلال فترة التدريب”.
وترى أن “بعض أشكال العنف، خاصة المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، يمكن الحد منها أو التخفيف من آثارها عبر إجراءات تقنية مثل الحظر أو تقييد الوصول، إلا أن العنف داخل أروقة المحاكم يظل أكثر تعقيدًا، لارتباطه المباشر ببيئة العمل، ما يجعل مواجهته تتطلب آليات أكثر فاعلية وضمانات للحماية والمساءلة”.
وتختم بن ناصر بالتأكيد على أن “الواقع العملي يكشف عن غياب آليات فعالة داخل النقابة العامة للمحامين لحماية المحاميات، مشددة على ضرورة إنشاء لجان مستقلة لتلقي الشكاوى، واتخاذ إجراءات سريعة وشفافة للمحاسبة، إلى جانب الحاجة إلى نصوص قانونية أكثر صرامة تجرم أي اعتداء أو إساءة داخل بيئة العمل القانوني، مع ضمان تنفيذها بشكل فعلي”.
الواقع الميداني: فجوات الحماية وامتداد العنف إلى الفضاء الرقمي
وبينما يثير ضعف آليات الشكاوى أسئلة حول جدوى التبليغ، تظهر من داخل التجربة اليومية للمحاميات رواية أخرى تتحدث عن فجوة بين الأرقام المعلنة وحجم الظاهرة الحقيقي.
محامية خاصة، أشير إليها في التقرير بـ”ع.ع”، تقول إن الواقع الميداني يعكس حجما أكبر بكثير من الحالات غير المبلغ عنها، مؤكدة على أن “أغلب المحاميات يتعرضن لشكل من أشكال العنف المعنوي داخل ساحات المحاكم ومحيط العمل القانوني”.
وترجع ذلك إلى تداخل عدة عوامل، “أبرزها ضعف الثقة في آليات الشكوى وغياب القناعة بجدية التحقيقات، خاصة عندما تكون الشكاوى موجهة ضد زملاء في المهنة أو جهات إنفاذ القانون، إضافة إلى اعتبارات اجتماعية ومهنية تدفع كثيرات إلى تجنب التبليغ خوفا على سمعتهن أو من وصمهنّ بصفات سلبية قد تؤثر على علاقتهنّ بالموكلين ومسارهنّ المهني”.
وتوضح أن “هذا التردد يتعزز كذلك بفعل الخشية من الانتقام المهني أو التضييق داخل بيئة العمل، سواء من خلال توتر العلاقة مع القضاة أو أعضاء النيابة أو الشرطة القضائية. كما تشير إلى استمرار بعض مظاهر التمييز القائم على النوع الاجتماعي، والتي تنعكس في التشكيك في كفاءة المحاميات أو التقليل من أدوارهن داخل المنظومة العدلية”.
وفيما يتعلق بالتعامل مع الجهات الرسمية، تؤكد “ع.ع”، أن “المحاميات يواجهن تحديات عملية متعددة، من بينها ضعف تطبيق القانون، والتعقيدات الإدارية، ونقص الموارد، فضلًا عن ممارسات قد تصدر عن بعض أعضاء النيابة أو مأموري الضبط، وتؤثر بشكل مباشر على قدرة المحامية على أداء دورها في الدفاع، في ظل غياب بيئة مهنية داعمة تكفل احترام موقعها القانوني”.
أما بشأن تأثير هذه الضغوط على المسار المهني، فتشير إلى أنها لم تضطر شخصيا إلى “الانسحاب من قضايا” رغم ما واجهته من “مواقف محرجة أثناء الترافع”، مؤكدة على أنها تعاملت معها بشكل عملي وأثبتت كفاءتها، مع إقرارها في الوقت ذاته بأن “هذه الظروف قد تدفع محاميات أخريات إلى تجنب بعض المجالات، خصوصًا القضايا الحساسة”.
وفي سياق متصل، تلفت إلى أن “العنف لم يعد مقتصرا على الفضاء التقليدي داخل المحاكم، بل امتد إلى المجال الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تستخدم أحيانا كأداة للتشهير والإساءة، بما يخلف آثارا معنوية تمس سمعة المحامية وثقتها بنفسها”، مشددة على “أهمية التوثيق الفوري لهذه الانتهاكات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة”.
وعن آليات الحماية، تؤكد “ع.ع” أن “المحامية مازالت تفتقد إلى ضمانات فعلية وحصانة مهنية أثناء ممارسة عملها”، معتبرة أن “ضعف دور النقابات وغياب آليات رادعة وفعالة للمساءلة يزيد من هشاشة موقعها داخل بيئة العمل، بل وقد يؤدي أحيانا إلى معاملتها داخل بعض جهات التحقيق أو مراكز الشرطة بشكل لا يليق بمكانتها القانونية”.
وتختتم بالتأكيد على “الحاجة إلى إنشاء آليات مؤسسية فعالة داخل النقابات، تشمل فرقا قانونية وأمنية سريعة التدخل، قادرة على التحرك فور تعرض المحامية لأي تهديد أو انتهاك داخل مؤسسات الدولة، بما يضمن توفير بيئة عمل آمنة تمكنها من أداء دورها دون خوف أو قيود”.
خلل بنيوي في العدالة يهدد الجيل القادم
ومع اتساع الشهادات الميدانية، يتجه النقاش إلى تأثير هذا الواقع على الجيل القادم من النساء في المجال القانوني، أمل الغيثي، صحافية وطالبة قانون، ترى أن “الأرقام الأخيرة حول العنف الذي تواجهه المحاميات تكشف عن خلل بنيوي داخل منظومة العدالة نفسها”.
وتقول: “بصفتي طالبة قانون، أرى أن هذه الأرقام تشير بوضوح إلى خلل بنيوي داخل منظومة العدالة نفسها. فمن غير المقبول أن تتعرض المحاميات لأشكال من العنف أو الإقصاء من جهات يُفترض أن تكون شريكة في تحقيق العدالة، كأعضاء النيابة أو الشرطة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى حياد وعدالة البيئة القانونية التي نطمح للانخراط فيها”.
وتضيف الغيثي أن “تصدر المحاكم، وهي الفضاء المفترض أن يضمن الحماية والإنصاف، في تسجيل أعلى نسب الإساءة، يكشف عن تناقض عميق بين المبادئ النظرية للعدالة وممارساتها على أرض الواقع”.
وتوضح: “هذا يعكس أن النساء داخل المجال القانوني ما زلن يواجهن تحديات مرتبطة بالنوع الاجتماعي تتجاوز مجرد الصعوبات المهنية المعتادة لتصل إلى تهديدات تمس كرامتهن وسلامتهن”.
وتشير إلى التأثير المباشر لهذا الواقع على طالبات القانون، مؤكدة أن الشعور بالخوف وعدم الأمان أصبح واقعاً ملموساً، “هذا الواقع لا يمر دون أثر على طالبات القانون، بل يخلق شعوراً حقيقياً بالخوف وعدم الأمان، خاصة مع تسجيل حالات تجنب للترافع وترك العمل، وهو ما يدفع بعض الطالبات إلى إعادة التفكير في مساراتهنّ المهنية أو تجنب مجالات حساسة كالقضايا الجنائية، ليس لعدم الكفاءة، بل بدافع الحذر والخشية من بيئة عمل قد لا تحميهن. وهنا تظهر خسارة حقيقية ليس فقط على المستوى الفردي، بل على مستوى المهنة ككل التي تفقد تنوعها وتمثيلها العادل”.
كما تؤكد الغيثي على أن الكثير من النساء، سواء طالبات أو خريجات مارسن المهنة، يلجأن إلى خيارات مهنية أقل تعقيدا وأقل احتكاكا بالمخاطر. وتضيف: “رغم أن لديهن الكفاءة الكاملة لممارسة مختلف مجالات القانون، إلا أن هذا التوجه غالباً ما يكون بدافع الخوف والحرص، وليس اختياراً حراً بالكامل، وهو ما يعكس تأثير البيئة المهنية على حرية الاختيار نفسها”.
ومع ذلك، تشدد الغيثي على أن هذا الخوف لا ينبغي أن يفهم كدعوة للانسحاب، بل كحافز للمطالبة بالتغيير: “المطلوب ليس أن تتكيف النساء مع بيئة غير آمنة، بل أن يُعاد تشكيل هذه البيئة لتكون عادلة، آمنة، وشاملة للجميع”.
وتختم الغيثي بالإشارة إلى أن “مسؤولية النقابة تجاه حماية الجيل القادم من القانونيات، مؤكدةً على أن النقابة يجب أن تتحمل مسؤولية مضاعفة، من خلال وضع آليات واضحة لمساءلة المعتدين، وتوفير قنوات آمنة للتبليغ، وضمان الدعم النفسي والقانوني للمتضررات، خاصة في ظل ما تشير إليه الأرقام من تدهور في الصحة النفسية والشعور بالخوف. كما ترى ضرورة إدماج قضايا السلامة المهنية والنوع الاجتماعي ضمن التكوين القانوني، حتى تكون الطالبات أكثر وعياً بحقوقهن وأكثر استعداداً لمواجهة هذه التحديات بثقة”.
البيئة المهنية لا تزال تحتاج لضمانات فعّالة
ومن زاوية قانونية أكثر تفصيلا، ترى القانونية خولة شعبان أن النقاش حول العنف والتحديات التي تواجه المحاميات لا يمكن فصله عن النصوص القانونية المنظمة للمهنة، مؤكدة أن” قانون المحاماة رقم (3) لسنة 2014 يعد منظومة متكاملة تؤسس لاستقلال المهنة وتكفل الحماية القانونية للمحامين والمحاميات، سواء من حيث الحصانة المهنية أو ضمان عدم التعرض لهم أثناء أداء عملهم”.
وتؤكد خولة أن “القانون لا يقتصر على تنظيم المهنة فقط، بل يكرس دور المحامي كشريك أساسي في تحقيق العدالة وضامن لحق الدفاع، وهو ما يفترض أن يوفر بيئة مهنية آمنة ومتوازنة”، إلا أن الإشكال، وفق رؤيتها، “لا يكمن في النصوص القانونية بقدر ما يكمن في الفجوة بين هذه النصوص وتطبيقها على أرض الواقع”.
وتشير إلى تحديات متعددة تعيق ممارسة المحاميات الكاملة للمهنة، من أبرزها “التمييز غير المعلن في توزيع القضايا، حيث يتم بشكل غير مباشر إقصاء بعض المحاميات عن القضايا الجنائية أو السياسية باعتبارها أكثر حساسية، ما يدفع العديد منهن إلى التركيز في مجالات محددة مثل القضايا المدنية أو قضايا الأحوال الشخصية، ليس بالضرورة اختيارا، بل نتيجة لضغوط مهنية وبيئية”.
كما تتحدث عن ضغوط قد تواجهها المحامية في بعض القضايا، خاصة الجنائية أو المرتبطة بالنزاعات المعقدة، من أطراف النزاع أو من محيط اجتماعي أوسع، “وقد يصل الأمر أحيانا إلى محاولات ترهيب أو تدخلات غير رسمية للتأثير على مسار القضية أو دفع المحامية للانسحاب منها”.
وتضيف أن “هذه الضغوط قد تتداخل مع السياق الاجتماعي، خاصة في الحالات التي تتداخل فيها الأعراف القبلية مع تنفيذ الأحكام، ما يضع المحامية أمام تحديات مركبة بين القانون والواقع”.
وتطرح خولة جانبا آخر يتمثل في المنافسة غير المهنية داخل الوسط القانوني، حيث “قد تتعرض بعض المحاميات لمحاولات تشويه السمعة أو التقليل من الكفاءة من قبل بعض الزملاء، بما في ذلك التأثير على الموكلين أو بث تصورات سلبية حول قدرة المرأة على إدارة قضايا معينة”. معتبرةً أن “هذا النوع من السلوك يندرج ضمن أشكال العنف غير المباشر، لما له من أثر على الاستقرار المهني والثقة”.
“بعض المحاميات يواجهن ضغوطا اجتماعية تعيق لجوءهن إلى المسارات القانونية عند التعرض للإساءة، سواء من الأسرة أو من المحيط الاجتماعي، ما يحد من فعالية آليات الشكوى حتى وإن كانت متاحة من الناحية النظرية”، تؤكد المتحدثة.
وفي ضوء هذه التحديات، تشدد خولة على أن “تعزيز الحماية لا يتطلب فقط نصوصا قانونية، بل يستدعي إجراءات عملية، من بينها تفعيل مدونات سلوك مهني واضحة، وإنشاء وحدات مستقلة داخل النقابات لتلقي شكاوى المحاميات بشكل فعّال، إلى جانب تدريب القضاة وأفراد إنفاذ القانون على آليات التعامل المهني مع المحاميات”.
كما تدعوا إلى ضرورة “توفير دعم نفسي ومهني، خاصة للمحاميات حديثات العهد بالمهنة، لمساعدتهنّ على تجاوز التحديات وبناء الثقة داخل بيئة العمل”.
وتخلص خولة بالتأكيد على أن “ضمان بيئة آمنة وعادلة للمحاميات لا يخدم المرأة فقط، بل يعزز من كفاءة منظومة العدالة ككل، من خلال تمكين جميع الفاعلين فيها من أداء أدوارهم دون إقصاء أو تمييز”.
الإطار الدستوري كأداة للحد من العنف المهني
ومن حدود المهنة إلى الإطار الدستوري الوطني، تتحدث نادية عمران، عضو هيئة صياغة الدستور الليبي، عن أن العنف المهني أو العنف العام يعد ظاهرة سائدة في ليبيا منذ سنوات، مشيرة إلى أن من أبرز أسبابه حالة الانفلات الأمني وغياب سيادة القانون.
وترى أن “هذه الظاهرة لا تقتصر على النساء فقط، بل تشمل الرجال أيضًا، ولكن على النساء بشكل أكبر، وهي موجودة في مختلف دول العالم”.
وتوضح أن “العاملين في السلطة القضائية عمومًا، والمحاماة على وجه الخصوص، من المتوقع أن يتعرضوا إلى أشكال من التعنيف أو المضايقات أو التهديدات، نظرًا لأن هذا السلك هو المعني برد الحقوق ورفع المظالم، وهو ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع أطراف مختلفة”.
وتؤكد أن “العنف ظاهرة عامة ومتتفشية، إلا أن النساء قد يتعرضن لها بدرجة أكبر باعتبارهن من الفئات التي تعد أكثر هشاشة نسبيا بسبب طبيعة البيئة المجتمعية… ومن المفترض أن تكون المحاميات ضمن الفئات القوية داخل المجتمع”.
وفيما يتعلق بالإطار الدستوري، تشير عمران إلى أن “مشروع الدستور يتضمن نصوصا عامة تتعلق بحماية الكرامة الإنسانية والوقاية من مختلف صور العنف، بما في ذلك التعذيب والإخفاء القسري وكل أشكال العبودية والاتجار بالبشر”، موضحة أن “هذه النصوص تأتي كمبادئ عامة يتم لاحقا تفصيلها عبر القوانين والتشريعات التي تصدرها السلطة التشريعية”.
كما تلفت النظر إلى أن “الدستور ينص على مبدأ تكافؤ الفرص بما يضمن مشاركة المواطنين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دون تمييز، من خلال إتاحة فرص عادلة للجميع على أساس الكفاءة والاستحقاق، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويكفل المساواة في التعيين والدراسة وتولي الفرص المختلفة”.
وتعتبر أن العنف المهني الذي قد تتعرض له النساء، سواء كان نفسيًا أو جسديًا أو إلكترونيًا، “يندرج ضمن صور العنف التي يشملها التجريم في النصوص الدستورية، مع الإشارة إلى أن هذه النصوص تظل في إطار المبادئ العامة إلى أن يتم تفصيلها من خلال التشريعات”.
وتبين أن الحماية القانونية متوفرة بشكل عام لكافة المهن بما في ذلك المهن المرتبطة بالسلطة القضائية التي تتمتع بحصانة قانونية، “إلا أن المرأة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التشريعات، إضافة إلى أهمية التوعية المجتمعية والقانونية لتغيير النظرة تجاهها، والحد من اللجوء إلى العنف عند الاعتراض على الأحكام القضائية أو الممارسات المهنية”.
وتشدد على أن “أي أخطاء مهنية قد تصدر عن المحاميات يجب التعامل معها عبر الجهات المختصة مثل إدارات التفتيش، من خلال الشكاوى والإجراءات القانونية، وليس عبر التهديد أو العنف”، مؤكدة أن “المحامية يمكنها اللجوء إلى الوسائل القانونية سواء عبر تقديم الشكاوى أو رفع الدعاوى أمام الجهات المختصة بما يمكّنها من استرجاع حقوقها والدفاع عن نفسها ومطالبة من اعتدى عليها بالمحاسبة”.
وفي إطار الالتزام بمبدأ حق الرد، تواصلنا مع نقيب المحامين الليبيين، الأستاذ عبدالرؤوف قنبيج، للوقوف على موقف النقابة من نتائج الدراسة الأممية وتصاعد مؤشرات العنف المهني ضد المحاميات، وغياب آليات المساءلة الفعالة، إلا أن النقيب آثر الصمت ورفض الإدلاء بأي تصريح.
يأتي هذا الامتناع عن الرد ليفتح باب التساؤلات حول جدية المؤسسة النقابية في مواجهة هذه التحديات، ويؤكد الحاجة الملحّة لانتزاع ضمانات حقيقية تحمي المحاميات من تغول بيئة العمل.
ختاما، ترسم هذه الشهادات والأرقام، ملامح أزمة بنيوية تمس صميم منظومة العدالة في ليبيا، أين تحولت البيئة التي يفترض أن تحمي الحقوق إلى فضاء يهددها. وبين نصوص قانونية تبدو كافية على الورق، وممارسات يومية تكشف هشاشة الحماية، تجد المحاميات أنفسهن في مواجهة مزدوجة: الدفاع عن موكليهن، والدفاع عن حقهن في ممارسة المهنة بكرامة وأمان.
إنّ استمرار هذا الواقع يهدّد المسارات المهنية للنساء في الحقل القانوني، كما ينعكس على جودة العدالة ذاتها، حين يُقصى جزء من الفاعلين والفاعلات أو يُدفع إلى التراجع أو الصمت. ومن هنا، يصبح إصلاح بيئة العمل القانونية، وتفعيل آليات المساءلة، وتوفير حماية حقيقية للمحاميات، شرطًا أساسيًا لضمان عدالة شاملة تُمارس فعليًا داخل قاعات المحاكم وخارجها.



















