في حوار مع مجلة “لامار دي أونوبا” الإسبانية، تكشف فاطمة الزهيري، رئيسة جمعية “نساء مهاجرات”،(AMIA)، عن واقع مقلق تعيشه عاملات موسميات في ضيعات الفراولة بإقليم هويلفا.
واقع تقول إنه “يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لنظام التشغيل في بلد المنشأ كنموذج منظم يحترم الحقوق ويضمن الكرامة”.
ترى الزهيري أن ما يُقدَّم للرأي العام باعتباره تجربة ناجحة للهجرة الدائرية، “يخفي في العمق سلسلة من الانتهاكات التي تتكرر مع بداية كل موسم فلاحي، وتُفرض حولها دائرة من الصمت والخوف”.
وحسب تجربتها، تؤكد الزهيري على أن “أول ما تصطدم به العاملات هو مسألة السكن، التي يفترض أن تكون مضمونة قانونًا، لكنها في الواقع تتحول إلى أداة ضغط”.
تشير الزهيري في حديثها إلى غرف ضيقة مكتظة، “تضم أسرّة بطابقين أو ثلاثة، تحجب النوافذ وتمنع التهوية، وتجمع بين النوم والطبخ في مساحة واحدة، مع غياب شبه تام لشروط السلامة والخصوصية”.
وتؤكد على أن “الجمعية وثقت حالات أجبرت فيها عاملات يعانين من مشاكل صحية أو صعوبات حركية على النوم في أسرّة علوية، دون أي اعتبار لوضعهن الجسدي، ما أدى في إحدى الوقائع إلى سقوط عاملة وإصابتها بعد استعمال كرسي بلاستيكي كوسيلة للصعود، دون أن تُفتح مساءلة حقيقية حول المسؤولية”.
ترى الزهيري أن هذه “الظروف لا يمكن فصلها عن مناخ عام من الترهيب، حيث يُطلب من العاملات الامتثال والصمت مقابل الاستمرار في العمل”.
تلقت الجمعية التي ترأسها فاطمة، شكايات متطابقة حول منع النساء من التواصل مع جهات مستقلة، ومصادرة هواتفهن أو تفتيشها، والاطلاع على محتواها دون إذن، في ممارسات تؤكد أنها “انتهاك مباشر للحق في الخصوصية وحرية طلب المساعدة”.
وتضيف أن “التهديد الدائم بالإعادة إلى بلد المنشأ أو الحرمان من العودة في المواسم المقبلة؛ يُستعمل كوسيلة فعالة لإسكات أي صوت معترض”.
في ما يخص الوضع الصحي، تؤكد الزهيري أن الهشاشة تتضاعف، إذ “تعمل كثير من النساء وهن يجهلن حقوقهن الأساسية في العلاج والتعويض”.
وتقول بأنّ هناك “عاملات مصابات يُجبرن على مواصلة العمل، وأخريات يُعاقبن بسبب التغيب الناتج عن المرض، بينما تُرحَّل بعض الحالات الخطيرة إلى بلدانهن دون استكمال المساطر القانونية التي تضمن لهن حقوقًا اجتماعية راكمنها عبر سنوات من العمل الموسمي”.
وترى أن هذا “الإهمال لا يعكس فقط سوء تدبير، بل نمطًا يستفيد من جهل العاملات بالقانون وخوفهن من فقدان مصدر رزقهن الوحيد”.
وتتوقف الزهيري عند ما تصفه بأحد أخطر أوجه الانتهاكات، والمتعلق بالاعتداءات الجنسية داخل بعض الضيعات. مؤكدةً على أن الجمعية استمعت إلى “شهادات نساء تحدثن عن استغلال نفوذ مشرفين لفرض الصمت، وعن ضغوط مورست على ضحايا للتراجع عن الشكاية، سواء عبر التخويف أو عبر تقديم شهادات مضادة”.
واعتبرت أن “هذا المناخ يخلق إحساسًا عامًا بالإفلات من العقاب، ويجعل العدالة بعيدة المنال بالنسبة لنساء يجدن أنفسهن معزولات، بلا حماية فعلية”.
في هذا السياق، تؤكد رئيسة جمعية “نساء مهاجرات”، أن دور الجمعية لا يقتصر على الوساطة، بل يشمل التوثيق والمرافقة القانونية والترجمة والدعم الإنساني.
وتشدد على أن “تسجيل الشهادات بالصوت أو الصورة حق قانوني للعاملات عندما يكن طرفًا في الحديث، وترى أن التوثيق هو السلاح الوحيد المتاح لكسر دائرة الصمت المفروضة داخل الضيعات”.
تحرص الزهيري في حديثها على التمييز بين شركات تحترم القانون وأخرى لا تفعل، لكنها تؤكد أن تكرار الشكايات وتشابهها، سنة بعد أخرى، يجعل من الصعب الاستمرار في التعامل معها باعتبارها حالات فردية معزولة.
وترى الزهيري أن “المسؤولية لا تقع فقط على أرباب العمل، بل تمتد إلى الوسطاء وآليات المراقبة، وإلى الجهات الرسمية، التي تكتفي بخطاب مطمئن لا ينعكس على أرض الواقع”، بحسب تعبيرها.
يكشف هذا الحوار، استنادًا إلى ما ورد في مقابلة الزهيري مع مجلة “لامار دي أونوبا”، عن فجوة عميقة بين النص القانوني والممارسة اليومية داخل ضيعات الفراولة بهويلفا. فجوة تُدار بالخوف، ويُحافظ عليها بالصمت، وتُبرَّر بخطاب رسمي يرفض الاعتراف بوجود مشكلة بنيوية.
وتخلص الزهيري إلى أنّ “أي حديث عن نموذج ناجح للهجرة الدائرية يظل ناقصًا ما لم يُقترن بمساءلة حقيقية، وحماية فعلية للعاملات، وإرادة سياسية تضع الكرامة الإنسانية فوق منطق الربح الموسمي”.
ينشر هذا الحوار بشراكة مع المجلة الإسبانية La Mar de Onuba


















