مأساة حواء تراوري.. جريمة تهز الضمير وتكشف هشاشة حماية النساء في موريتانيا

أثارت جريمة مروعة راحت ضحيتها الشابة حواء تراوري، وهي في بداية حملها، صدمة وغضبًا واسعًا في البلاد، بعد العثور على جثتها صباح الخميس الماضي في منزل مهجور يقطنه عدد من الرجال العزاب في حي “نتك” بمنطقة الميناء في العاصمة نواكشوط. 

حواء، البالغة من العمر 18 عامًا، كانت قد غادرت منزلها يوم الأربعاء لإجراء فحص طبي يتعلق بحملها الذي لم يتجاوز شهره الثاني. فضّلت الذهاب بمفردها حتى لا تُزعج زوجها العائد من يوم عمل مرهق. لكنها لم تعد إلى المنزل منذ ذلك الحين. 

سيطرت مشاعر القلق والذعر على عائلتها بعد أن ظل هاتفها مغلقًا لساعات، حتى تلقّت والدتها صباح اليوم التالي اتصالًا من رقم ابنتها نفسه. المتصل، الذي لم تُكشف هويته بعد، دعاها إلى منزل في حي “نتك”، حيث تم العثور على جثة حواء، ممدّدة على الأرض ومغطاة بقطعة قماش، في مشهد وُصف بأنه “مروع ولا يُحتمل”.

تفاصيل أولية وتحقيقات غامضة

أظهرت المعاينة الأولية للجثة وجود آثار عنف، وسط معلومات غير رسمية تشير إلى احتمال تعرض الضحية للاغتصاب. وأكدت مصادر طبية أن الضحية كانت بالفعل في مراحل الحمل الأولى. وباشرت الجهات الأمنية والقضائية تحقيقًا عاجلًا، دون الإعلان حتى الآن عن نتائج ملموسة. 

النيابة العامة أعلنت فتح تحقيق رسمي، وسط ضغط شعبي متزايد يطالب بالكشف عن الجناة ومحاسبتهم دون تأخير أو تهاون. وقد أثارت الجريمة موجة من الغضب والاستنكار على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون وحقوقيون عن استيائهم من تكرار جرائم العنف ضد النساء، لا سيما تلك التي تنتهي بالقتل، مطالبين بتحرك رسمي يرقى إلى مستوى الفاجعة.

بيان الشرطة.. أسئلة أكثر من إجابات

في بيان صادر يوم السبت، أعلنت الشرطة الموريتانية أنها باشرت التحقيق في وفاة فتاة داخل منزل بمقاطعة الميناء، مساء الأربعاء 29 مايو، مشيرة إلى أن “ظروف الوفاة لا تزال غامضة”، وأن القضية أثارت “ردود فعل واسعة لدى الرأي العام المحلي”. 

وذكر البيان أن الشرطة تلقت بلاغًا في حدود الساعة الثامنة مساء، فانتقل وكيل الجمهورية والضبطية القضائية، إلى جانب الشرطة الفنية والعلمية، لمعاينة الجثة التي خضعت لاحقًا للتشريح الطبي. 

وأوضحت نتائج التشريح الأولي، وفقًا للبيان، عدم وجود آثار طعن، مع الإشارة إلى وجود كدمة على الجبهة، فيما تعذر تأكيد أو نفي وجود حمل في الوضع الحالي للجثة. 

وأشار البيان إلى أن التحقيقات واستماع الشهود أظهرت أن الضحية كانت تتردد على غرفة شاب يُعتقد أنها كانت تربطها به علاقة، وهو نفس الشخص الذي أبلغ عائلتها بمكان الجثة، قبل أن يلوذ بالفرار. وقد تم توقيف شقيقه بشبهة مساعدته على الفرار، فيما تتواصل عمليات تعقبه لتوقيفه وإحالته إلى القضاء.

روايات شهود العيان تُناقض الرواية الرسمية

فيما اعتُبر تناقضًا مع الرواية الرسمية، نشر الناشط الحقوقي بوياية محمد ناجي، وهو من أوائل من وصلوا إلى مكان الحادث، تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” قال فيها: “أنا شاهد عيان. دخلت على الضحية ورأيت كل شيء. وأنا من اتصل بالشرطة من داخل المنزل. لا أصدق ما ورد في بيانها”. 

وفي تصريح لمنصة “هُنّ”، أكد ناجي أن “الطبيب الشرعي أنهى التشريح مساء الجمعة، وأبلغ الأسرة بانتظار وكيل الجمهورية لتسليم تقرير رسمي، لكن الأوامر صدرت لاحقًا بتسليم الجثة للأسرة دون أي تفاصيل أو نسخة من التقرير”. 

وأضاف: “الأسرة لا تملك أي دليل طبي على أن ابنتها قُتلت أو اغتُصبت أو كانت حاملًا. هذا التعتيم مخالف للقانون ويعيق سير العدالة”. 

وأكد على أن “المشتبه به الرئيسي لا يزال طليقًا، في حين تتعرض الأسرة لتهديدات”، وفق ما قاله ناجي، هي من جهات لم يُحددها، “تحذرها من إثارة القضية”.

أصوات المجتمع… الغضب والخذلان

في خضم التفاعل الشعبي مع الحادثة، انتقدت الناشطة الحقوقية أمال حميدي بشدة البيان الصادر عن الشرطة، واصفة إياه بـ”السطحي والناقص”، مضيفة أنه “لم يُجب عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الرأي العام، بل زاد من القلق والضبابية”. 

وأوضحت حميدي أن دور الطب الشرعي لا يقتصر على تسجيل الكدمات أو إثبات الحمل، بل يشمل، “توثيق كل أشكال العنف الجسدي؛ تحديد طبيعة الإصابات بدقة؛ استنتاج الأداة المستخدمة في الاعتداء؛ وتحديد سبب الوفاة بوضوح؛ هل هو حادث، انتحار، أم جريمة قتل”. 

وتساءلت: “ما الذي عرفناه من البيان؟ فقط وجود كدمة. هل كانت مميتة؟ هل هناك إصابات أخرى؟ ما سبب الوفاة؟ لا نعلم. البيان لم يوضح شيئًا، بل خلق المزيد من الغموض”. 

كما اعتبرت أن البيان فشل في أداء وظيفته الأساسية، وهي طمأنة الجمهور، حماية الضحية، ودعوة الناس للتعاون مع العدالة. “بل قد يُفهم منه، للأسف، أنه يُمهّد للتعتيم أو التهوين من الجريمة”. 

وختمت حميدي بالقول: “نحن كجمهور نطالب بكشف تقرير الطب الشرعي بالكامل. وإذا لم يكن لدى الشرطة ما تُعلنه بدقة ومسؤولية، فلتلتزم الصمت المهني. نطالب بالعدالة لحواء، ولكل من عانين من الصمت والإفلات”.

العنف ضد النساء: ظاهرة تتكرر وصمت يقتل

تُسلّط هذه الجريمة الضوء مجددًا على واقع العنف القائم ضد النساء في موريتانيا، في ظل غياب تشريعات فعالة تحميهن. 

وتشير تقارير محلية إلى أن كثيرًا من الضحايا لا يبلغن عن الجرائم خوفًا من الوصم أو التهديد، في حين تتقاعس الجهات الرسمية في تطبيق العدالة بصرامة. 

وبينما لا تزال التحقيقات جارية، تتصاعد الأصوات مطالبةً بالانتقال من التنديد إلى الفعل الجاد، لوضع حد لدوامة العنف والصمت والتواطؤ التي تُهدد سلامة وأمن النساء في البلاد.

اقرأ أيضا

  • القمع والعنف في مشهد حقوقي متدهور.. “أمنستي” تصدر تقريرًا أسودا يكشف واقع النساء المغاربيات حقوقيًا

    في تقريرها السنوي لعام 2024، سلّطت منظمة العفو الدولية الضوء على التدهور المقلق لحقوق الإنسان في منطقة المغرب الكبير — والتي تشمل المغرب، الجزائر، تونس، وليبيا — مع توثيق نمط مشترك من القيود المتصاعدة على الحريات، والاعتقالات التعسفية، والقمع المنهجي للاحتجاجات السلمية، في ظل ما وصفته المنظمة بأنه حملة مستمرة لإسكات الأصوات المعارضة، من بينها…

    Hounna | هنّ|

  • روبورتاج| تعليم أبناء المهاجرين في موريتانيا.. حق مكتسب أم حسنةٌ إنسانية؟ 

    مدرسة صغيرة في شمال موريتانيا، تقوم بتقديم دروس مجانية لمئات الأطفال من عشرين دولة إفريقية وصلت عائلاتهم إلى نقطة مدينة نواذيبو الساحلية، والشهيرة بانطلاق قوارب الهجرة إلى أوروبا، تحديدًا جزر الكناري الإسبانية. تتلو مريم دروس الجمع والطرح كما لو كانت ابتهالا دينيا، بينما يشير ثيوفيل ميرلين، مدرس الرياضيات، بمسطرة إلى السبورة، فيما يندفع الأطفال مع…

    ليلى محمد|

  • من مآسي الحقول إلى شوارع العاصمة.. العاملات الفلاحيات ينتفضن من أجل الكرامة

    قطعت جميلة، عاملة زراعية، أكثر من 300 كلم قادمة من ولاية سيدي بوزيدي إلى العاصمة تونس، هذه السيدة لم تأتِ لتُخبر الناس عن حكاية شخصية فقط، بل لتحكي وجعًا مشتركًا. لتتحدث عن رفيقتها التي فقدتها في حادث شاحنة، والتي ماتت على الفور، وخلّفت طفلين صغيرين.  في حديثها لـ"هنَّ" تتذكر جميلة تفاصيل الحادثة بمرارة، وتكشف عن…

    أميمة عدواني|

  • يوميات حراك “جيل زد”يوم عند الشـرطة:”نعرف أين تأكلين وتجلسين!”

    كان التوقيت قبل غروبِ يوم السبت الـ27 سبتمبر، مساءٌ سيشهد واحدًا من أكثر فصول التاريخ المغربي المعاصر صفاءً وصدقًا، "حراكُ GenZ212"، كنت أنا حينها هناك، قبل الموعدِ المحددِ مع شباب الوطن، لنكتب تاريخ الوطن بأنفسنا. حين جاءت الشرطة وأرغمت الناس على المغادرة، كنتُ أجلس حينئذٍ في حديقة عمومية قريبة من مكان الاحتجاج، عندما جاؤوا إلي…

    Hounna | هنّ|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.