في الإقامات الجامعية الجزائرية، لا تخضع مواعيد عودة الطالبات لنص قانوني ثابت، بل تختلف “ساعة الغلق” حسب الموقع الجغرافي والتقديرات الإدارية التي تتأثّر غالباً بالبنية الثقافية والاجتماعية لسكان المنطقة المحيطة. فبينما تُوصد الأبواب في بعض إقامات الإناث عند السادسة مساءً، تمدّدها أخرى للثامنة أو حتى العاشرة ليلاً. وفي مقابل هذا التفاوت، تظلّ أبواب إقامات الطلاب الذكور مفتوحة طوال الليل دون قيود، كما هو الحال مثلا في ولاية سيدي بلعباس؛ حيث تلتزم طالبات إقامة “8 ماي” بالدخول قبل الثامنة مساءً، في حين يتمتّع الطلاب في “إقامة 6” بحريّة كاملة في الدخول والخروج طوال الليل. هذا التباين، يُبرَّرُ عادةً بالحفاظ على أمان الطالبات وحمايتهنّ لكنّه في الحقيقة يضعهن في صراع يومي مع الوقت وحسابات قلقة لمواعيد الحافلات وازدحام الطرقات، خشية الوقوف أمام لجان تأديبية تتعامل معهن كقاصرات، بينما يمارس الطلبة الذكور نشاطاتهم بسلاسة وحريّة تامة.
ساعة الغلق: أداة للتمييز الجندري
“تأخّرتُ لنصف ساعة فقط، ودخلتُ الإقامة عند السادسة مساءً، ومع ذلك خضعتُ لتحقيق مهين في اليوم الموالي.. لماذا عليَّ أن أبرّر نشاطاتي الشخصية لمسؤولة لا صلة لها بي؟”
بهذا التساؤل تفتح رونق. ز، وهي طالبة في تخصّص هندسة الطيران، باب الحديث عن واقع الوصاية في إقامتها بالبليدة الواقعة بشمال الجزائر، فبينما تُغلق أبواب إقامتها في تمام السادسة مساءً، تظلّ أبواب الذكور مفتوحة طوال الليل. ورغم أنّ رونق تدرس تخصّصاً يتطلّب أعلى درجات الدقة والمسؤولية، إلاّ أنّها تُعامل “كقاصر” أمام قانون داخلي يختزل مفهوم الأمان في عدّ دقائق الدخول والخروج.
تقول رونق “إنّ نظام ساعة الغلق لم يكُن يوماً للحماية بقدر ما هو للتقييد”، فبينما يتمتّع زملاؤها الذكور بحرية كاملة في إدارة وقتهم، تضطر هي للتخلّي عن فرص عمل ودورات تدريبية مساءً لتجنّب الوقوف أمام تحقيق الإدارة. وعلى عكس ادعاءات الحماية، تُسلّط رونق الضوء على ثغرة أمنية، مؤكّدة بأنّ: “الأمن يراقبنا نحن، لكنّه لا يتدخل أمام تحرش الغرباء والسيارات المتوقّفة تحت النوافذ، لدرجة أنّنا نضطر للاتصال بالشرطة بأنفسنا لإبعادهم، بينما الأبواب موصدة علينا”.
وتُعيد رونق تعريف مفهوم الأمن بالنسبة لمن تطالهن أوامر هذا القانون التمييزي من الطالبات، قائلة: “إنّ الحماية الحقيقية تكمن في وجود مكان آمن نعود إليه في أيّ وقت، لا في سجن نرتجف خوفاً من أبوابه الموصدة إذا تأخّرنا ساعة عن موعدٍ إداري لم يراعِ ظروفنا ولم يُدرس بعناية”.
وإذا كانت رونق قد واجهت “وهم الحماية” في إقامتها، فإنّ رحمة طالبة في الطبّ البيطري، تعيش وجهاً آخر لهذا التقييد في المنطقة ذاتها، حيث تروي بمرارة كيف تحوّل الزمن إلى أداة للتمييز ضدّها قائلة: “أن تعيشي كطالبة في الإقامة، يعني أن تحملي ساعة في رأسكِ طوال اليوم. يعني أن تدرسي وأنتِ تفكّرين في الطريق، وأن تفرحي وأنتِ تحسبين الدقائق، وأن تقلقي بسبب أمور تافهة كالازدحام المروري أو تأخّر الحافلة.. هو ضغطٌ لا يشعر به الذكور، لأنّ حريتهم لا تُربط بجنسهم”.
تصف رحمة كيف تتحوّل الجغرافيا إلى عدوٍ إضافي للطالبات؛ فإقامتها التي تقع بعيداً عن وسط المدينة تُغلق أبوابها في تمام السادسة مساءً، بينما تظل إقامات المركز (وسط العاصمة) مفتوحة حتى الثامنة. هذا التفاوت بين الهامش والمركز ليس مجرّد توقيت إداري، بل هو في نظرها “مقصلة” يومية تذبح طموحها.
تُضيف رحمة: “لقد بدأتُ أبني كل خططي على ساعة الغلق، لا على طموحي. أضطر لترك المكتبة الجامعية في ذروة انشغالي، وألغي حلقات العمل مع زملائي وزميلاتي، بل وأركض في الشوارع خوفاً من التأخّر. وفي المقابل، أرى زملائي من الطلبة الذكور يخرجون في نفس التوقيت لممارسة الرياضة أو الاستمتاع بالغروب دون أن يحملوا همَّ البوابة”.
هذا التمييز الجندري، دفع رحمة في لحظات انكسار مريرة للقول: “ليتني كنتُ ولداً”، صرخةٌ لا تطلب تغيير الطبيعة، بل تطلب استعادة “الزمن” الذي سُلب منها. وما يزيد الطين بلّة، هي تلك “النظرة الجارحة” التي تلاحقها عند البوابة إذا تأخّرت لدقائق؛ “يُعامَل التأخّر وكأنّه خطأ أخلاقي، وتنظر إلينا الإدارة وكأنّنا جئنا فقط للمبيت، وهي نظرة مهينة تجعل من الفتاة تشعر بأنّها مُدانة لمجرد أنّها أرادت أن تدرس أو تعمل كزميلها الرجل”. تُضيف رحمة.
لا يقف هذا التمييز عند حدود القهر النفسي، بل يصطدم بغياب أيّ سند قانوني يبرّر هذا الحصار. فبالعودة إلى القرار الوزاري رقم 42 المؤرخ في 25 جوان 1998، لا نجد مادّة واحدة تفرّق بين الإناث والذكور في مواعيد الدخول، ولا وقوفا عند ما يُسمّى بـ “ساعة الغلق”؛ ممّا يكشف أنّ هذا الإجراء ليس قانوناً، بل هو مجرّد وصاية إدارية تُفرض على الطالبات دون أيّ شرعية قانونية.
حجّة “الأمن” الذي لا يحمي إلاّ من الحرية!
هذا الاجتهاد الإداري الذي يُمارس على الطالبات بحجّة الأمن، يصطدم بتناقض صارخ كشفته حوادث التسلّل المتكرّرة للرجال إلى حرم الإقامات الجامعية على مدار السنوات الماضية. فبينما تُوصد الأبواب بإحكام أمام الطالبات، سجّلت جريدة “الشروق” سنة 2022 حادثة تسلّل رجلين لإقامة بولاية سطيف -الواقعة بالشمال الشرقي للجزائر- وحاولا الاعتداء على الطالبات، وفي سنة 2023 تكرّر المشهد في ولاية باتنة -شرق الجزائر- حسب ذات المصدر.
كما نقلت جريدة “الرائد” سنة 2022 ليلة من الرعب عاشتها طالبات إثر دخول ثلاثة رجال لأسوار إقامتهن، وصولاً إلى الأشهر الماضية في ولاية بجاية -شمال شرق الجزائر- حيث سجّلت مصادر محلية تسلّل رجلين لأسوار الإقامة. هذه الحوادث تثبت أنّ الأبواب الموصدة لا تمنع الخطر، بل تسجن الطالبات وتغفل عن المعتدين.
حول هذه المفارقة، تقرأ الناشطة النسوية منال كساسي الواقع بعمق قائلة: “المفارقة الحقيقية تطرح تساؤلاً جوهرياً؛ هل تعني الحماية خلق بيئة آمنة من خلال تحسين الظروف وأنظمة الأمان ومراقبة المداخل، أم تعني التركيز على غلق الأبواب بإحكام وتقييد الحركة؟”.
وترى منال أنّ التعامل مع الطالبة كـ”سجينة” بدل كونها شخصاً راشداً يكشف خللاً في الأولويات؛ إذ يتمّ التحكّم في حريّة الطالبة بدلاً من معالجة مصدر التهديد الخارجي”.
وتُضيف كساسي: “يعكس هذا التعامل التصوّر الاجتماعي السائد، حيث يُنظر إلى أجساد النساء وحركتهن وتوقيتهن على أنّها مسائل يجب ضبطها، أكثر من كون أمنها حقاً يجب ضمانه. بالنسبة لي، كإمرأة من هذا المجتمع، يجب أن يتمّ حقّا توفير الأمان، ولا مبرّراً لفرض قوانين تقيّد حريّة التنقّل وتحدّد توقيتها”.
تؤكّد الناشطة على أنّ القانون يمنح النساء الراشدات أهلية كاملة لإدارة حياتهن، ومع ذلك تُصرّ الإقامات على فرض قيود لا تتماشى مع العصر، ممّا يولد لدى الطالبة: “شعور بعدم الثقة، وصراعاً داخلياً بين استقلاليتها القانونية والقيود المفروضة عليها، وإحساساً بالوصاية التي تهدّد كرامتها. إنّ هذا النوع من الاستبداد النفسي يترك آثاراً طويلة على صحتها النفسية وتقديرها لذاتها، كما يقمع إبداعها وتطوّرها وكفاءتها في المجتمع”.
ولا يتوقّف الضرر عند الجانب النفسي، بل يمتدّ للإقصاء المهني؛ حيث تشير منال إلى أنّ “هذه القيود تمنع الطالبات من اغتنام فرص التدريب والعمل والتربّصات الميدانية التي يشارك فيها زملاؤهم الذكور بحرية، ممّا يحرمهن من اكتساب الخبرة ويجعلهن يشعرن بالإحباط، ومع مرور الوقت يترسّخ داخلهن شعور بعدم المساواة ويصبح من الصعب عليهن المنافسة في سوق العمل، ما يعيق استقلاليتهنّ الاقتصادية ويحدّ من فرصهن في بناء حياة مهنية كاملة”.
وتعتبر منال أنّ “أيّ نظام يمنع الوصول للفرص التعليمية والمهنية المتاحة للذكور هو انتهاك للحقّ الدستوري ويفتح الباب لمساءلة الإدارة وطلب تعديل السياسات لضمان المساواة”.
حين يُعيد الوقت إنتاج فروق الهامش والمركز
تحاصر “ساعة الغلق” الطالبات عبر الأبواب الموصدة في تمام السادسة مساءً بحجّة تواجد إقامتهنَّ في منطقة نائية، بينما تمنح الإقامات المتواجدة بوسط المدينة ساعتين إضافيتين من الحرية لتغلق عند الثامنة، ما يكشف بوضوح أنّنا لسنا أمام قانون وطني موحّد، بل أمام أعراف إدارية نابعة عن إرث استعماري، تتلوّن حسب جغرافيا المكان ومزاج القائمين عليه.
هذا التناقض بين الحقوق التي يكفلها القانون والقيود التي تفرضها الإدارة لا يمثل مجرّد سوء تنظيم، بل هو تجسيد لبنية سلطوية يحلّلها الباحث في العلوم الاجتماعية والسلوكية، محمد رياض بوتويزغة، الذي يرى أنّ هذه الإجراءات “تحمل أبعاداً اجتماعية وجندرية عميقة تؤثّر في تجربة الطالبات اليومية”.
ويوضّح بوتويزغة في تصريحه لمنصة “هنَّ” أنّه “من خلال النظر إلى هذه السياسات بعين علم الاجتماع، “يمكن كشف كيف تتداخل السلطة، الزمن، والجندر لإنتاج بيئة تعليمية غير متكافئة”.
وحسب المتحدث، فإنه من منظور علم اجتماع الجندر، لا يُعدّ الزمن عنصراً تنظيميًا محايدًا بل موردًا اجتماعيًا يرتبط بتوزيع السلطة داخل المؤسسة؛ فتنظيم إيقاع الحياة اليومية من خلال “متى” يسمح بالحركة و”متى” تقيّد، هو شكل من أشكال الانضباط المؤسّسي الذي يعكس علاقات القوّة السائدة.
وعندما يفرض نظام زمني تفاضلي بين الطالبات والطلبة، فإنّنا “أمام ممارسة تعيد تعريف الأهلية الكاملة للتواجد في المجال العام على أساس جندري، لا أمام إجراء إداري تقني فحسب”، يقول بوتويزغة.
ويضيف الباحث أنّ “ساعة الغلق في هذا السياق تعمل كآلية ضبط جسدي ورمزي معًا؛ فهي تقيّد الحركة الفعلية للطالبات، وفي الوقت ذاته ترسّخ تمثّلاً ضمنياً بأنّ وجودهن في الفضاء العام يحتاج إلى سقف زمني ورقابة. هذا النمط من التنظيم ينسجم مع استبطان القواعد، إذ يتحوّل الضبط الخارجي تدريجيًا إلى رقابة ذاتية، فتتشكّل علاقة حذرة مع الفضاء العام تقوم على توقّع العقوبة وتجنّبها”.
وفيما يخصّ التفاوت بين المركز والهامش، يرى بوتويزغة أنّه “يكشف عن تراتبية مكانية في توزيع الثقة المؤسّسية؛ حيث يعكس تشديد القيود في الأطراف تصوّرًا بوجود حاجة أكبر للرقابة الأخلاقية والأمنية خارج المدن الكبرى، ما يؤدّي إلى تقاطع الجندر مع الجغرافيا في إنتاج مستويات مضاعفة من الضبط”.
ويختم بالتنبيه إلى الأثر الأكاديمي قائلاً: “إنّ الزمن يمثّل موردًا أساسيًا في تراكم رأس المال الأكاديمي والاجتماعي؛ وعندما يقيّد هذا المورد لطرف دون آخر بشكل منهجي، فإنّنا أمام عائق بنيوي يحدّ من قدرة الطالبات على الاستفادة الكاملة من البيئة الجامعية مقارنة بزملائهنّ الذكور”.
بناءً على هذا الواقع، يضعنا هذا الحصار الزمني أمام تساؤل أخلاقي وقانوني حاد؛ فإذا كانت المادة 40 من القانون المدني تمنح الطالبة أهليتها الكاملة بمجرّد بلوغ سن الرشد، فلماذا تُصادر هذه الأهلية وتجزّأ حسب توقيتات مزاجية عند بوابات الإقامات؟ إنّ العودة إلى المادة 54 من الدستور ليست ترفًا حقوقيًا، بل هي تذكير بأنّ أيّ تمييز جندري في المعاملة الإدارية هو طعن في صلب الدستور الذي يضمن المساواة للجميع دون استثناء.
وفي ذات السياق، تجمع المصادر التي استشارتها منصة “هنَّ”، على أنه آن الأوان للتوقف عن مقايضة أمان الطالبات بحريتهن؛ فالحماية التي تنطلق من حبس الطالبة المُعتدى عليها هي اعتراف صريح بالعجز عن ردع الجاني، وتكريس لنظرة وصائية تتعامل مع الطالبة كـ”قاصر” مهما بلغ مستواها العلمي أو تخصّصها.
بالإضافة إلى أن الرهان اليوم يتجاوز مجرّد فتح الأبواب أو غلقها؛ فهو يتعلّق بإعادة الاعتبار للطالبة كشخص راشد ومسؤول، وتوجيه الجهد الأمني لتأمين الفضاء العام وملاحقة المعتدين، بدلاً من استهلاك الموارد في تشديد الرقابة على المقيمات.
وتعتبر المصادر أن إلغاء ساعة الغلق هو “الخطوة الأولى لتمكين جيل من الطالبات من عيش حياة جامعية طبيعية”، حيث يصبح الأمن حقاً مكتسباً لا ذريعة لسلب المواطنة، وحيث تُحترم كرامة الطالبات باعتبارهن شريكات في بناء المجتمع، لا مجرّد مقيمات تخضع حريّاتهن لقرارات إدارية غير موحّدة وتحكمها الصدفة الجغرافية.



















