ليبياتُ الشتات.. النجاة ليست كافية

في ظل حرب لم تنتهِ بعد، وجغرافيا تمزقها النزاعات، وجدت آلاف النساء الليبيات أنفسهن خارج حدود الوطن. خرجن طلبًا للأمان، لكنهن وجدن أنفسهن أمام سؤال وجودي آخر: من نكون الآن؟

تازيري العمراني، ناشطة حقوقية ليبية تعيش في الخارج، تصف التجربة بالقول: “الشتات لا يتركنا فقط بلا مكان، بل يضعنا أمام تحدي إعادة تعريف أنفسنا كنساء، كمواطنات، وكأفراد في فضاءات جديدة”.

هوية معلقة بين وطنين

الانتماء، كما تقول العمراني، يصبح أمرًا معقدًا في الشتات. ليس فقط لأن الأرض تغيّرت، بل لأن الذات نفسها تدخل في صيرورة جديدة، “في البداية، نحاول التشبث بكل ما نعرفه عن الوطن، لكن مع الوقت نفهم أن النجاة ليست كل شيء. نحتاج أيضًا إلى أن يكون لنا أثر، أن نشارك، أن نُسمِع صوتنا”.

هذه المساحات الجديدة – المجتمعات التي لجأت إليها النساء – قدّمت لهن ما لم يكن متاحًا في ليبيا؛ حرية الحديث عن المسكوت عنه، وتجريب أشكال جديدة من التعبير والمشاركة. العدالة الانتقالية، حقوق النساء، الانتهاكات الجنسية، والسياسات المحلية، كلها صارت مواضيع حاضرة في حوارات النساء الليبيات في المهجر.

لكن العمراني تُنبه إلى أن هذا الانفتاح ليس للجميع، “لا يمكن أن نعمم. الشتات مليء بالطبقات، هناك تمييز داخلي بيننا، وهناك قيود قانونية، مادية، ونفسية تحد من قدرة البعض على الانخراط”.

عبء مزدوج وصوت جماعي

في بلدان اللجوء، تواجه النساء تمييزًا مضاعفًا؛ أولًا كأجنبيات، وثانيًا كنساء قادمات من بلد يعاني من صراعات. وبين المعاناة والرغبة في الاندماج، برزت مبادرات نسائية ليبية تهدف إلى خلق مساحات آمنة، سواء على الأرض أو في الفضاء الرقمي. 

وتشدد العمراني، على أن الليبيات “نحتاج لدوائر دعم تتجاوز الأيديولوجيات والخلافات. التضامن النسوي في الشتات يمكن أن يكون جسرًا بيننا وبين من ما زلن في ليبيا”.

هل يحمل الشتات مستقبلًا لليبيا؟

يبقى السؤال الحاضر، هل سيكون للمرأة الليبية في الشتات دور في مستقبل البلاد السياسي؟، العمراني لا تقدم إجابة حاسمة، بل تفتح الباب أمام الاحتمالات “العودة ليست مجرد خيار شخصي. هي مرتبطة بالسياق العام. لكن المؤكد أن كثيرًا من النساء يحملن وعيًا جديدًا، أكثر استقلالية وشجاعة. هذا الوعي يمكن أن يصبح قوة دافعة نحو التغيير، بشرط أن يجد من يستمع إليه”.

اقرأ أيضا

  • حلم الأمومة… معاناة مغربيات مع “التخصيب” وتكاليفه باهظة الثمن 

    "أن أصير أما، ولو لمرة واحدة، واستحالة ذلك رغم المسار الطويل في انتظار وقوع حمل طبيعي، ثم رحلة العلاج، جعلاني أفكر في هذه الفئة من النساء الحالمات بالأمومة فأسست صحبة بعضهن جمعية لإسماع صوت الأسر الراغبة في الإنجاب، والتعريف بالصعاب التي يواجهنها نفسيا اجتماعيا وماليا، ثم للترافع من أجل وقف التكلفة الباهظة للعلاج بواسطة تقنيات…

    سناء كريم|

  • “الزواج ليس غاية”.. نساء يخترن الاستقلال ويرفضن “القوالب الجاهزة”

    "لست ضد الحب أو الزواج، لكنني أرفض رجلًا يقيد طموحي، يعتمد عليّ كمصدر دخل، أو يفرض ذكورته في مواقف تبتعد عن الرجولة التي نشأنا على احترامها… لا أرى الزواج غاية في ذاته، بل علاقة تقوم على الندية والاحترام والدعم"، بهذه الكلمات تعبّر أمينة، إطار بإحدى الوزارات، عن موقفها الواضح من الزواج، متحدثة إلى منصة “هنَّ”.…

    سناء كريم|

  • حين يخذلهنّ المجتمع قبل المرض.. نساء جزائريات في معركة صامتة مع سرطان عنق الرحم

    في بيوت تفيض بسكون الظلّ، تقف نساء جزائريات في مواجهة مزدوجة: سرطان عنق الرحم من جهة، وصمت المجتمع من جهة أخرى. لا تنحصر المعاناة في الجسد، بل تمتدّ إلى الروح، إلى العلاقات، إلى الأدوار التي فُرضت عليهن بأن يكنّ زوجات، أمهات، ونساء “مكتملات”. يُصنَّف سرطان عنق الرحم رابع أكثر السرطانات شيوعًا لدى النساء عالميًا، لكنه…

    عائشة ولد حبيب|

  • “عبء كبير تتحمله النساء”.. كيف يؤثر نقص المياه على حياة نساء جنوب المغرب؟

    براميل وقنينات مياه فارغة مكدسة أمام مدخل البيت، تضعها "زينيبة"، بحماسة تتحدى حرارة شمس الظهيرة، في عربة يدوية ليذهب حفيدها لملئها، لعله يجد ماء يعود به لأسرته المكونة من ستة أشخاص. يغادر الابن جارّا عربته اليدوية الصدئة، لتذكّره جدته بارتداء قبعته الشمسية لتقيه شمس هذه الأيام الحارة. ثم تقول "زينيبة": نتمنى أن يجد بعض الماء…

    هاجر اعزة|