للمطالبة بالحق “في النفس”.. نساء قابس ينتفضن ويكتبن تاريخ الحركة البيئية

تسربات الغاز “الخانق” في المجمع الكيمياوي بالجنوب التونسي، كان النقطة التي أفاضت كأس وقع التلوث الذي تعيشه نساء قابس منذ أكثر من خمسين عاما. تداعيات شملت صحتها، خصوبتها وأضرت بعائلتها وكانت وراء فقدانها لاحبائها بعد صراعٍ مرير مع السرطان أو صعوبة في التنفس، فهي أمراض تشمل الجميع هناك. 

نساء خرجن للاحتجاج أمام المجمع الكيمياوي عندما تعرض أبناءهن وبناتهن لحالات اختناق وسط المدرسة الاعدادية بشط السلام، وكن الشعلة التي نادت بالحق “في النفس” (جرعة هواء) ، وأوقدت شرارة الحراك ودفعت نحو وحدة كل أبناء الجهة حول مطلب تفكيك الوحدات ووقف التسربات الغازية التي تخنق قابس. 

الحراك كان نسويًا بالأساس في مدينة قابس، فهن من خرجن نهاية سبتمبر غاضباتٍ ساخطاتٍ، وعلى امتداد أيامٍ واصلن الاحتجاج والتحرك، فالغازاتُ الخانقة وصلت حد حُجرات الدرس حيث أبنائهن وسط المدرسة الاعدادية شط السلام، وتسببت في حالات اختناق تضاعفت يوميا وتسببت لدى البعض في حالات شلل عضوي. 

لم تسكت نساء قابس، حتى بعد محاولات السلطة تخويفهن وترهيبهن، ودعوة عدد منهن للتحقيق، ولم تتراجع رغم ما تم تسجيله من إيقافات ومتابعات لأبنائهن، ثم واصلن الاحتجاج والمشاركة بكثافة في جميع التحركات وكن في صفوف الأولى وفي قيادة المسيرات التي انتظمت على امتداد الثلاث أسابيع الماضية. 

وبرزت نساء قابس كفاعلات ليس فقط في التعبئة وتنظيم الوقفات؛ بل أيضًا في قيادة الخطاب العام حول العدالة البيئية والحق في هواء نظيف ومحيط سليم، ونجحن في جعل أصواتهن أكثر حضورا وتأثيرا، وقدمنا للحراك عناوين ثابتة مثلت بوصلة التف حولها الجميع وكان شعارها الأهم “الحق في الحياة”.

وعاشت قابس في مطالبتها بالحق في بئية سليمة وهواء نقي، على وقع أكبر التحركات البيئية التي عاشتها البلاد عبر التاريخ، أين سجل تحرك الاضراب العام الجهوي يوم 21 أكتوبر، انخراط جماهيري ضخم  لنحو الـ130 ألف مشارك. وفي صور لأمواجٍ من النساء والرجال والاطفال والشيوخ تقدم متساكني قابس، بصوت واحد نحو المجمع الكميائي مطالبين بتفكيك الوحدات ووضع حد لتسربات الغازات الخانقة. 

ويعتبر الحراك البيئي في قابس من أقدم وأبرز أشكال النضال البيئي في تونس بالنظر لما تعانيه الجهة من تلوث صناعي حاد منذ 1972 تاريخ تأسيس المجمع الكيميائي. 

وبدأ التلوث الصناعي يظهر بوضوح في خليج قابس منذ عقود؛ نتيجة إلقاء الفوسفوجيبس مباشرة في مياه البحر بشكل دوري، وهو ما أدى إلى قتل الحياة في جهة كانت تشبّه بالجنة فوق الارض، تمتد واحاتها الخضراء بين البحر من الشرق والروابي الجبلية من الغرب.

وتدريجيا تدهور الصيد البحري، تلفت الأراضي الزراعية ومات النخل واقفا في مواجهة انبعاثات مواسير ضخ الغازات، وثقل الهواء واتخذ لون الدخان في شكل سحب محملة برائحة الكبريت. 

وعرف الحراك في قابس طفرة سنة 2017، عندما شهدت الجهة تحركات ضخمة تحت شعار “قابس تريد الحياة” عقب تكررِ حرائق وتسربات في المجمع الكيمائي، تأسست على إثرها الحركة البيئية “stop pollution” التي ضمت عدد من الجمعيات والمنظمات البيئية. 

وتم على خلفية التحركات المسجلة اتخاذ قرار رسمي من قبل الحكومة بتفكيك الوحدات. وهو قرار لم يمر إلى التنفيذ، بل إن الحكومات لم تقدم أي مؤشرات بنوايا الجدية في تفكيك الوحدات أو وضع حد للتسربات.

وتواجه الدولة التونسية الحراك البيئي في قابس بمسار من التسويف والقمع، بمسؤولين يقدمون وعود وتعهدات ببناء مستشفيات وتوفير تنمية جهوية بعيدا عن تفكيك الوحدات، أو باستعمال البوليس لقمع المحتجين وايقاف الفاعلين، فلا حل للدولة للحراك الاجتماعي غير المحاكمات والتعامل الأمني. 

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • انقطاع الكهرباء في ليبيا.. أحمالٌ على كاهلِ مشاريعٍ نسائيةٍ

    تشير عائشة إلى ماكينة الخياطة الرئيسية، وترينا المكواة المعطلة بسبب تذبذب الكهرباء، هذه الأعطال تشكل خسارة كبيرة للمشغل الصغير الذي تعتمد عليه هذه المرأة لمواجهة أعباء الحياة. ومن سبها، تحدثنا مرام عن خسائر مشروعها، الذي انطلق قبل نحو عامين، وأصبح مصدر دخلها الأساسي، بسبب انقطاع الكهرباء بمعدل 6–8 ساعات يوميًا، ما يفقدها بين 3 و5…

    عزيزة محمد حسين|

  • من الحرب إلى العطش.. صرخات الموت تحاصر نساء وأطفال السودان في صحراء ليبيا

    في عمق الصحراء الليبية، وعلى بُعد 260 كيلومتراً جنوب مدينة الكُفرة، جنوب شرق البلاد، وقعت معجزة صامتة؛ نجا عدد من المهاجرين السودانيين، بينهم نساء وأطفال، من موتٍ كان قاب قوسين أو أدنى. لم تكن النجاة لأن الظروف رحيمة، بل لأن الموت، ببساطة، تأخر قليلاً. كان ذلك في يوم الخميس 22 ماي الجاري، حين عثر أحد…

    شادي بخاري|

  • النساء ضحايا حوادث السير بالمغرب.. قصص تكشف معاناة العاملات الزراعيات 

    أعادت حادثة السير المروعة التي وقعت أمس الأحد، على الطريق الرابطة بين أيت بوكماز وأيت بولي، والتي راح ضحيتها عشرة قتلى بينهم طفلة وأغلبهم نساء يشتغلن أستاذات، صور عشرات الحوادث التي تحصد أرواح الأبرياء الذين تمثل النساء السواد الأعظم منهم، بينهن عاملات زراعيات ومواطنات عاديات وأخريات يشتغلن في مهن أخرى. هذه الحوادث التي تتكرر دائما،…

    هاجر الريسوني|

  •  منع مسيرات تضامنية مع فلسطين “دعم لجرائم الإبادة” 

    منعت مسيرات احتجاجية، ضد العدوان الإسرائيلي، تخليدا ليوم الأرض الفلسطيني، نهاية الأسبوع الماضي، من طرف قوات الأمن في عدد من المدن المغربية، مثل سلا، أكادير ووجدة، ما خلف تنديدا واستنكارا واسعينِ من طرف المشاركين في الاحتجاجات. وتدخلت قوات العمومية، لمنع المحتجين والمحتجات، من المسير في المسار المخطط له، وقوبل هذا المنع بشعارات، مستنكرة للتدخل “القمعي”،…

    Hounna | هنّ|