«شوف، واحد مايحكم فيهم، هاذ البنات جايين من الزنقة!»؛ بهذه العبارة المشحونة بالأحكام المسبقة والوصاية المجتمعية، يلخص أحد المارة الذي صادفته رحاحلة عمرية هناء جزءاً من المعاناة اليومية التي تخوضها النساء في الجزائر، واللاتي يتخذن قرار السكن بمفردهن.
تروي رحاحلة عمرية هناء (24 سنة) لمنصة “هنّ” تفاصيل تجربتها مع السكن المستقل، قائلة “منذ بداية سكني، واجهتُ قيوداً تمس حريتي وخصوصيتي؛ بدءاً من إغلاق باب العمارة الخارجي وصعوبة الدخول ليلاً، وصولاً إلى التدخل في مواعيد خروجي، لباسي، واستقبال زواري. المشكلة ليست في احترام قواعد السكن، بل في تحوّلها إلى وصاية على حياتي الشخصية”.
وعلى النحو ذاته، لا تتوقف مشاكل هناء عند الشروط والقوانين التي يفرضها المؤجر، بل تمتد إلى رقابة مجتمعية ضاغطة ومواقف لحظية.
تستحضر هناء موقفاً موشوما في ذاكرتها حين رمقها أحدهم بنظرة حادة وقال لمرافقه: «شوف، واحد مايحكم فيهم، هاذ البنات جايين من الزنقة!»، لتسترسل قائلة: “شعرتُ بأني أُدان وأُصنّف لمجرد مظهري وطريقة عيشي. تكرار هذه الأحكام يخلق ضغطاً نفسياً رهيباً، ويجبرني يومياً على ممارسة رقابة ذاتية على نفسي، ;ملابسي، ومواعيد حركتي خوفاً من التدخلات”.
ينعكس هذا التوتر المستمر مباشرة على السلامة النفسية لهذه الشابة، وعلى حياتها الاجتماعية والمهنية؛ وتلخص ذلك بالقول: “أصبحتُ أكثر توتراً وانعزالاً، وأقلّ تركيزا في العمل لأن ذهني مشغول دائماً بالخوف من العودة للمنزل ومواجهة الآخرين. حتى بعد العمل، صرتُ أتجنب الخروج وأفضل الانعزال؛ لقد سُلب مني الشعور بالراحة والأمان في حياتي اليومية العادية.”
بين الاستجواب الشخصي والشروط التعجيزية: نساء في مواجهة المؤجرين
في بحث أوسع لخلفيات هاته القيود التي المفروضة على النساء، رصدنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة المجموعات الخاصة بالكراء للنساء على منصة فيسبوك، منشورات من طرف مؤجرين ومؤجرات على حد سواء؛ تكررت فيها عبارات صريحة تُحدد ضوابط العيش وتفرض “نظاما داخليا”.
لا تختلف الضوابط وفق ما رصدناه في إعلانات الشقق والإقامات الخاصة بالنساء، وتتصدّرها شروط من قبيل “الدخول والخروج محدود”، ومواعيد محددة للعودة ليلاً، وتتوجه إعلانات التأجير الموجهة إلى “الفتيات والعاملات المحترمات” فقط ، على عكس مجموعات الرجال التي يتم فيها تقديم الخدمة دون الدخول في خصوصية الشخص، ودون أي قيود مهما كان سبب الكراء.
وقصد التحقق من طبيعة هذه الضوابط ومبرراتها على أرض الواقع، تواصلت المنصة مع صاحب إحدى الإقامات الخاصة بالسكن المشترك للنساء في الجزائر العاصمة، وتحديداً ببلدية برج الكيفان، والذي نشر عبر صفحته لائحة كاملة تحت مسمى “النظام الداخلي”، تفرض قوانين صارمة يُلزم النساء بالانصياع لها وإلا فإنهن غير مرحب بهن حسب ما كتبه عبر صفحته.
تتنوع هذه لائحة “النظام الداخلي” بين ضوابط تنظيمية وأخرى تتدخل بوضوح في الخصوصية والحرية الشخصية؛ من بينها تحديد وقت الدخول ليلا، العاشرة مساء في فصل الشتاء، والحادية عشرة ليلا أثناء الصيف ، مع منع مرافقة أي رجل للإقامة وحظر حركة السيارات في محيطها، فضلاً عن منع التصوير ومحادثات الفيديو والتدخين، مع ضرورة ارتداء “لباس معتدل وتفادي اللباس الفاضح عند الخروج”.
في تصريحه لمنصة “هنّ”، يبرر صاحب الإقامة هذه الشروط المشددة بربطها المباشر بالقيم المجتمعية وحماية النساء، موضحاً: «إن تحديد الوقت يتعلق بفرض الاحترام للإقامة وتفادي الخروج في وقت متأخر من الليل، وما يضيفه ذلك من صورة على المكان ومقيماته.. إضافة إلى حماية المقيمات مادياً ومعنوياً بتفادي تعرضهن لأي تحرش أو اعتداء، والحفاظ على سمعتهن ونظرة المجتمع».
ويختم تصريحه بوضوح يكشف المنطلق الفكري لهذه المشاريع العقارية قائلاً: «إن إنشاء مكان للنساء في إطار احترام تقاليد مجتمعنا وحمايتهن من الابتزاز هو هدف أصلي وأخلاقي في مشروعنا، وهو في الوقت نفسه مشروع مدخول عقاري لنا».
هذه الوصاية الذكورية التي يتبناها المؤجرون، تشكل عائقا في حياة الشابات اللاتي يخضن تجربة البحث عن سكن. تنقل شيماء (22 سنة) لـ “هنّ” تفاصيل المواجهة الأولى للنساء مع سوق العقار، قائلة: «إن أغلبية الردود التي أتلقاها تتلخص في رفض صاحب البيت نهائياً فكرة تأجير مسكنه لبنات عازبات بمفردهن، أو يقوم بإمطارهن بسيل من الأسئلة الشخصية التي تسبب إحراجاً وعدم ارتياح شديدين».
ولتفصيل هذه العقبات، تعرض شيماء الشروط والحجج المعقدة التي تُفرض على النساء: «تتنوع الحجج بين اشتراط دفع إيجار سنة كاملة مسبقاً قبل دخول المنزل، أو رفض المؤجر بحجة عدم ارتدائي للحجاب، وصولاً إلى الحجة الأكثر تكراراً وهي رفض صاحب العقار المطلق لإسكان الفتيات العازبات».
ولا تتوقف الوصاية عند حدود التبريرات، بل تمتد إلى استجوابات تفصيلية تمس خصوصيتها؛ حيث توضح شيماء طبيعة الأسئلة التي تواجهها من قبيل: «ماذا تشتغلين؟ لماذا لستِ مع عائلتكِ؟ أين تعملين بالضبط وما هو منصبكِ بالتحديد؟ هل ستجلبين أصدقاءكِ للمنزل؟ هل تعودين متأخرة؟ وصولاً إلى التدخل في الهيئة كاشتراط أن يكون اللباس محتشماً».
وامتداداً لأثر هذه الضغوط، ينزل هذا الواقع بثقله النفسي والعملي على مستقبلهن، إذ تؤكد شيماء: «الرفض المستمر أصابني باليأس وثبّط الكثير من أهدافي وخططي الشخصية والمهنية؛ وهو ما أجبرني على التنازل والسكن في بيت جماعي مع فتيات لا تجمعني بهن أي صلة، مما أدخلني في دوامة من المشاكل المادية والنفسية بسبب الصراخ واختلاف نمط العيش، ناهيكِ عن السرقة ورغبة صاحبة البيت في فرض سلطتها والتحكم بكِ، رغم دفعكِ للإيجار من مالكِ الخاص».
السكن المستقل بين حق المواطنة والتمييز الجندري
تؤكد الناشطة النسوية منال كساسي في حديثها لـ “هنّ” غياب أي سند تشريعي للرفض، وتقول: “لا يوجد في التشريع الجزائري أي نص يمنع المرأة الراشدة من إبرام عقد إيجار، أو السكن بمفردها لمجرد كونها امرأة أو غير متزوجة. فمتى ما بلغت النساء سن الرشد القانوني وتمتعن بالأهلية، يحق لهن إبرام العقود وتلقي الضمانات العادية المتصلة بالالتزام المالي والتنظيمي فقط دون أي زيادة وصائية”.
وتستدل كساسي بـ المادة 37 من الدستور الجزائري موضحة أن: “الدستور يقر بشكل صريح كفالة الحقوق والمساواة أمام القانون لجميع المواطنين والمواطنات دون تمييز على أساس الجنس. ومن ثَمّ، فإن تحويل العرف المجتمعي أو الوعي الجمعي إلى ‘قانون غير مكتوب’ يفرضه المؤجرون يُعد خرقاً واضحاً للحقوق، ومحاولة لخلق حظر وهمي لا وجود له في النص التشريعي”.
وعن تفاصيل الضغوط والمقابلات العقارية، تتابع كساسي قائلة: “إن أصل الصعوبات التي تواجهها النساء في هذا السياق يرتبط، قبل كل شيء، بنظرة المجتمع المشككة دائماً في قدرتهن على اتخاذ قرارات مستقلة، خاصة حين يتعلق الأمر بالسكن والاستقلال المادي. فحتى عندما تسعى النساء إلى تحقيق استقلاليتهن، يجدن أنفسهن مطالبات بالإجابة عن أسئلة لا علاقة لها إطلاقاً بالقدرة المادية؛ بدءاً من التفتيش في ارتداء الحجاب أو التدخين، وصولاً إلى مواعيد الحركة وطبيعة قطاع العمل، وكأن طبيعة المؤسسة هي التي تحدد أخلاق المرأة والتزامها. إنها أسئلة تنطلق جميعها من الفكرة ذاتها: التشكيك في مبادئ وسلوك النساء، وكأن استقلالهن يحتاج دائماً إلى إثبات وبرهنة”.
وحول التبعات الواقعية والأكاديمية لهذه العوائق، تضيف كساسي: “عندما تضطر المرأة للقبول بسكن يفتقر لأدنى المقومات، تبدأ معاناتها مع نظرات الجيران والشعور الدائم بعدم الأمان والرقابة الذاتية المشددة. إن الكراء بالنسبة للعديد من الشابات يتجاوز فكرة الشقة، فهو شرط أساسي لإكمال الدراسة والتدريب في ولايات أخرى، وتزايد هذه العراقيل يُفضي مباشرة إلى استنزاف طاقاتهن الفكرية والفنية وهبوط مستوياتهن الأكاديمية، بل ويُجبر الكثيرات في النهاية على التخلي عن أحلامهن والاستسلام للعودة دون تحقيق أهدافهن”.
وتضع كساسي في نهاية حديثها إلينا بمقارنة بين الجنسين، بالتأكيد أن “هذه الأسئلة والعراقيل تُغيب تماماً عندما يتعلق الأمر بالذُكور؛ بل على العكس، يجد الرجل تسهيلات وتخفيضات في الإيجار تحت مبرر مجتمعي جاهز مفاده أنه ‘يبني حياته ويسعى لتأسيس مستقبله’، دون الاهتمام بقطاع عمله، ولا ملابسه، أو حرية دخوله وخروجه. هذا التباين الصارخ يؤكد أننا أمام تسلط مجتمعي يُعاقب النساء لمجرد جنسهن، ويحرمهن من أدنى حقوق الاستقرار”.
الضبط الاجتماعي للنساء في سوق الكراء
يُعرّف الضبط الاجتماعي إجرائياً بأنه: “مجموع القوى التي يمارسها المجتمع على أفراده والطرق والمعايير التي يفرضها، والإشراف على سلوكهم وأساليبهم في التفكير والعمل؛ لضمان سلامة البناء الاجتماعي والحرص على استقرار نظمه ومحاربة مظاهر الانحراف فيه”، هذا ما تشير إليه في دراسة أكاديمية بعنوان «النماذج النظرية المفسرة للضبط الاجتماعي»، للأستاذة مشري زبيدة (جامعة سكيكدة) والدكتور لياس شرفة (جامعة الطارف)، والمنشورة بمجلة آفاق للعلوم (جامعة الجلفة).
وتشرح الباحثة في علم الاجتماع العام، فاطمة بن سليمان، لـ “هنّ” خلفيات هذه الآلية، موضحةً أن النميمة والتضييق لا يهدفان فقط إلى إجبار المرأة على الامتثال، بل إلى إبقاء استقلالها مشروطاً دائماً بقبول الجماعة: “فالمرأة حين تستطيع السكن والحركة دون رقابة عائلية، تفصل نفسها جزئياً عن شبكة السيطرة التي تنظّم أين تكون، ومتى تعود، ومن تستقبل؛ ومن هنا يتحول الضبط الاجتماعي إلى وسيلة لإعادة إدخالها في هذه الشبكة دون الحاجة إلى حظرها رسمياً. ولهذا تحديداً تكون النميمة أداة فعّالة؛ فهي لا تعاقب الفعل ذاته فحسب، بل تجعل كلفة الحرية نفسها باهظة ومرتفعة”.
وامتداداً لهذا التحليل، ترى بن سليمان أن التناقض الحاصل بين تعامل السوق مع الرجل والعازبة يكشف عما هو أعمق من مجرد “ازدواجية في المعايير”، إذ يتعداه إلى اختلاف جذري في الوضع الاجتماعي المفترض لكل منهما؛ حيث “يُعامل الرجل باعتباره صاحب ذات مستقلة وحياته الخاصة ملك له، أما المرأة فاستقلالها يظل شرطياً ومرتبطاً بوجودها تحت سلطة رجل آخر تحت مسمى ‘الحماية’. وعندما تقرر السكن بمفردها، فهي لا تغيّر عنوان إقامتها فحسب، بل تكسر هذا الترتيب الرمزي بظهور امرأة تدير حياتها دون حاجة لوسيط ذكوري؛ وهو ما يثير القلق مجتمعياً، لأن الاستقلال ذاته يسحب من الآخرين ممارسة سلطة شرعها لهم المجتمع”.
وحول توظيف الخطاب الأخلاقي، تؤكد الباحثة أن مفاهيم مثل “الآداب العامة”، و”سمعة الحي”، تُستخدم كغطاء لتحويل السيطرة على النساء إلى ملكية جماعية: “ما تفعله المرأة بجسدها ووقتها ومسكنها يصبح فجأة شأناً عاماً يحق للحي محاكمته. وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المرأة لا تُضبط باسم الأخلاق فحسب، بل تُحمّل مسؤولية أخلاق الجماعة بأكملها؛ فلا يُقال إنها اختارت لنفسها نمط عيش معلن، بل يُروّج لأنها ‘أساءت للحي’، ليُنتزع منها حق تعريف حياتها الخاصة، ويُعاد تقديم هذا الانتزاع وتغليفه باعتباره حماية للمجتمع”.
تجمع كافّة المصادر التي استشارتها منصّة «هنَّ» على أنّ التضييق على النساء في سوق الكراء هو أداة ضبط اجتماعي وعنف رمزي يُمارَس لرهن استقلاليتهن بالوصاية المجتمعية.



















