“لستِ طريحة الفراش.. لست مريضة”: معاناة النساء مع التحيز الطبي

“كفي عن التّذمر”، “إنها تتدلّل فقط”، “هكذا هنّ النساء، يتدللن ليعرفن غلاوتهن”. هاته العبارات وأخرى هي التي سمعتها كنزة خلال رحلتها لاكتشاف سبب صداع رأسها الذي لازمها لفترة طويلة، ولم يجد الأطباء الذين ترددت عليهم له علاجًا سوى المهدئات والمسكنات التي لم تُنهِ معاناتها مع الألم الذي رافقها لمدة تزيد على خمس سنوات.

“أتألم دون أن يصدّقني أحد”

تقول كنزة (34 سنة) في حديثها لمنصة “هنّ” إنها أمضت خمس سنوات وهي تعاني من صداع غير محتمل في رأسها وعينيها؛ “لكن الأطباء كانوا يقولون لي إنه تعب ليس إلا، وينصحونني بالابتعاد عن الشاشات. لكنني كنت أعرف أنه ليس مجرد تعب، فالألم الرهيب الذي كنت أشعر به لم يكن يُشير إلى أنه مجرد تعب في عينَي فقط”.

تتابع كنزة شارحة: “زرت العديد من أطباء العيون الذين كانوا يكرّرون نفس الكلام ويقولون: “غير تتبوحيطي ما عندك والو”، لكنني كنت متأكدة مما أحس به، وحالتي التي تتفاقم كانت تؤكد ذلك، ذلك أنني لم أكن أبصر أحيانًا بضبابية، وكانت حدة بصري تتراجع عامًا تلو الآخر وكنت أضطر إلى تغيير نظاراتي الطبية في كل مرة. لأكتشف أخيرًا بعد تغيير الطبيب أكثر من خمس مرات، أن سبب الصداع الذي كنت أشعر به هو اعوجاج في القرنية.

وتضيف كنزة بابتسامة مستنكرة: “المضحك المبكي في القصة، أنني زرت أحد الأطباء وأخبرته أنني لا أبصر ليلًا ولا أقوى على القراءة أحيانًا، فوصف لي الطبيب قطرة عيون كانت تؤلمني عيناي كلما استعملتها. لأكتشف بعد ذلك أنها لعلاج الأمراض المنقولة جنسيًّا.

“تكذيب” الجميع للألم الذي كانت تحس به كنزة جعلها تشكك في ما إن كان الصداع الذي يلازمها مجرد وهم كما يقال لها؛ “بدأت أتساءل هل فعلًا أحس بصداع أم أنني أتوهم. فزرت طبيب أعصاب أخبرني هو الآخر أنني لا أعاني من أي شيء ووصف لي مضاد اكتئاب”.

تزيد كنزة قائلة: أنا لم أكن أعاني من الاكتئاب لكن إصرار الجميع على أنني أتوهم المرض وتكذيبهم لما كنت أحس به من ألم جعلني أحس فعلًا بأني أعاني من الاكتئاب. ولا أخفيك كم فرحت حين وصلت أخيرًا لتشخيص طبي لحالتي، وإن كان مرضي لا علاج له أصلًا لكن يكفي أنني قلت لهم: “شفتو.. كنت عارفة شي حاجة ماهياش ولكن حتى واحد فيكم ما تيقني”.

“كلي جيدًا ولا تتدللي”

“أن تكوني مريضة بالنسبة لهم هو أن تكوني طريحة الفراش ولا تقوين على الوقوف. ما عدا هذا، فأنت تتدللين فقط”؛ تقول سارة (17 سنة) باندفاع وهي تتحدث لنا عن رحلتها قبل تشخيصها باضطراب في الأكل وسوء في التغذية.

وتحكي اليافعة لـ”هنّ” تجربتها قائلة: “كنت وقتها في السنة الأخيرة في المرحلة الإعدادية. وخلال هذه الفترة، كنت أُصاب بدوار مستمر كنت أفقد بسببه توازني وأسقط، وكلما حاولت الأكل كنت أتقيأ بمجرد بلع هذا الطعام. ولم أكن أتمكَّن من الدراسة بسبب هذه الأعراض التي كانت تلازمني”.

تقول سارة مسترسلة: عائلتي لم تكن من النوع الذي يفكر في زيارة الطبيب حال شعوره بالألم، فما دام بإمكانك التحمل فلا داعي لزيارة هذا الطبيب أصلًا. لكنني ألححت عليهم لمدة خمس شهور أنني مريضة وأن ما أشعر به ليس مجرد توتر الامتحان الإشهادي فقط.

عندما ذهبت لمستوصف الحي رفقة أختي الكبرى، تتابع سارة، حاولت أن أشرح للطبيب ما كنت أشعر به، فابتسم في وجهي وقاس ضغطي وأخبر أختي أن الأمر نفسي فقط ووصف لي مكملًا غذائيًّا وقال لي: “كلي مزيان وباركة من التبوحيط”.

تزيد سارة شارحة: بعد فترة من ذلك، بدأ شعري بالتساقط وكنت تقريبًا على مقربة من أن أكون صلعاء تمامًا. كنت أحس بمشاعر لا يمكنني وصفها، فقد كنت أشعر إضافة لألمي الجسدي، بألم نفسي وإحساس بالذنب، وبدأت أصدق كلام عائلتي والطبيب أنني أتوهم المرض فقط ولست مريضة وأن ما أمر به أمر عادي بالنظر للفترة التي كنت أمر بها.

تقول الشابة: “كنت أعرف أن ما أمر به ليس عاديًّا، فهو بالنهاية جسمي أنا وأنا من أتحمل الألم الذي يصيبه، وهم لن يدركوا ذلك. فحتى خلال فترة الدورة الشهرية كنت أعاني من ألم غير محتمل كنت أحس معه أنني سأفقد وعيي، لكن الجميع كان يعتبر أنه ألم طبيعي وأن جميع النساء يتحملنه وأنني أبالغ لإثارة الانتباه.

وتختم سارة حديثها قائلة: “بعد أن زرت طبيبًا آخر وأجريت فحوصات طبيّة، تبين أنني أعاني من سوء تغذية حاد ونسبة الهيموغلوبين كانت منخفضة. وأنا اليوم لازلت مستمرة في العلاج وإن كان تأخري في التشخيص قد سبب لي العديد من الأعراض الأخرى التي لازالت ترافقني إلى اليوم.

تجربة كل من كنزة وسارة تتقاطع مع تجارب العديد من النساء اللواتي يشتكين من عدم تجاوب المحيط والعاملين في مجال الرعاية الصحية على وجه التحديد مع آلامهن. حيث إن العديد منهن يتلقين تشخيصًا خاطئًا أو يتم التعامل مع ألمهن على أنه مجرد “دلع” و”هرمونات” ويتم إهمالهن واتهامهن بالمبالغة.

“التحيز الطبي” شكل من أشكال التمييز ضد الجنسين

وتؤكد دراسات ومقالات علمية هذا “التحيز الطبي” والتراخي في التعامل مع ألم النساء. حيث تثبت أن الأطر الصحية لا زالت تنظر للمرأة على أنها كائن عاطفي تحكمه هرموناته. وهو ما يؤثر على تشخيصهن الذي يُصنف في كثير من الحالات ضمن الحالات النفسية الهستيرية وإن كان الأمر يتعلق بحالات ألم عضوي.

ففي تحليل أجرته مؤسسة “نوفو نورديسك” لمركز أبحاث البروتين في عام 2019، باستخدام بيانات من كامل سكان الدنمارك، وُجد أن النساء يتم تشخيصهن في وقت متأخر عن الرجال، حيث شمل التحليل 770 مرضًا بمتوسط تأخير قدره أربع سنوات.

وفي أستراليا، أظهرت أبحاث من جامعة سيدني في عام 2018 أن النساء اللواتي يدخلن المستشفى بسبب نوبة قلبية خطيرة يحصلن على نصف احتمال العلاج المناسب مقارنة بالرجال، ويفقدن حياتهن بمعدل مضاعف بعد ستة أشهر من الخروج من المستشفى.

وإلى جانب ذلك، فإن إقصاء النساء، مس كذلك إنتاج المعرفة الطبية والعلمية. ففي كتابها (Invisible Women) تتحدث الكاتبة والصحفية البريطانية كارولين كريادو بيريز عن تاريخ استبعاد النساء من التجارب السريرية الذي كان مرتبطًا في البداية بالخوف من تأثير الحمل والهرمونات على النتائج.

وتشير الكاتبة إلى تأثير هذا الإقصاء على التعامل مع الحالات المرضية للنساء، التي لا تطابق بالضرورة حالات الرجال. مستشهدة بأعراض النوبة القلبية التي تظهر بشكل مختلف عند النساء، وهو ما يؤدي لتشخيصات خاطئة وتأخر في العلاج قد يؤدي للوفاة.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • حوار| المدربة آمنتا جينغ: الجمال متنوع والصحة لا تُقاس بالوزن

    في مجتمع ما زال يقيس جمال المرأة بامتلاء جسدها ويحتفي بعادة “البلوح” كتقليد اجتماعي راسخ، اختارت آمنتا جينغ أن تسلك طريقًا مغايرًا، فأصبحت الشابة مدربة لياقة بدنية وخبيرة تغذية، واليوم تحاول أن تعيد تعريف معايير الجمال، بعيدًا عن الكيلوغرامات الزائدة والمقاييس التقليدية، لتؤكد أن الصحة والثقة بالنفس هما المعيار الحقيقي. ومن الملاعب إلى قاعات التدريب،…

    لالتي عبد الفتاح|

  • خارج الاعتراف.. الأمهات العازبات بين قسوة القانون ووحشية مجتمع محافظ

    في مجتمع محافظ تعد "الأم العازبة" وصما وعارا يلحق بالعائلة، ويضعها محط أنظار المجتمع بالتنقيص والازدراء، فتعيش منبوذة من طرف محيطها ومجتمعها، عوضا عن مصير طفلها الذي يجد نفسه بين ثنائيا الوصم والضياع والعزلة أو الشارع، وذلك بسبب إنجابه خارج إطار الزواج. وجعلت هذه الظروف الصعبة بعض الأمهات يلجأن إلى رمي رضعهنَّ، بل إن من…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • “سلميتنا قوبلت بالمنع”.. صرخة جيلٍ خرج مسالمًا فقوبل بـ”القمع والمقاربة الأمنية” 

    "نحن شابات وشباب في وقفة سلمية، لا نحمل الحجر، وزادنا أصواتنا وإرادتنا، خرجنا فقط للمطالبة بحقوقنا المشروعة في الصحة والتعليم والعيش الكريم"، تقول إحدى الشابات اللواتي خرجن للاحتجاج بالرباط لمنصة "هنَّ" معبرة عن وجع يعتصرها.  وبأمل مكسور زادت قائلة: "رغم سلميتنا، قوبلنا بالمنع بدل الحوار، نؤكد أننا لا نمثل أي تهديد، ومطلبنا الوحيد أن يُسمع…

    سناء كريم|

  • “تحت ضغط الرقابة”.. تآكل حرية العمل الصحفي في تونس

    أصدرت نقابة الصحفيين التونسيين تقريرها السنوي، الذي يمثل تشخيصًا وتوثيقًا للواقع الصحفي في البلاد خلال سنة  شهدت جملةً من الأحداث والتطورات السياسية والتشريعية والاجتماعية. فبينما يواصل المرسوم 54 "سيئ الذكر"، إحكام قبضته على حرية الصحافة، يواصل تأثيره السلبي بشكل مباشر على واقع حرية الصحافة وسلامة الصحفيين/ت في تونس وعلى حق المواطن  في النفاذ على المعلومة.…

    Hounna | هنّ|