منذ ما يقارب عامين، يعيش الصحافيون والصحافيات في غزة بين الموت والجوع والتهجير. لم يعد الاستهداف يطالهم بصفتهم المهنية فحسب، بل امتد ليشمل عائلاتهم وبيوتهم وحياتهم اليومية؛ وقد رأينا صحافيين يغطّون جنازات أطفالهم وزوجاتهم وآبائهم وأمهاتهم، بالكاميرا في يد ودموعٌ في العين.
كما رأينا آخرين كانوا ينقلون تفاصيل القصف، قبل أن يكتشفوا فجأة أن بين الضحايا جثةً لأحد أفراد عائلتهم. وهكذا تتحول الكاميرا من أداة لنقل دمار الحرب إلى مرآة تعكس مأساتهم الشخصية، في مشهد يلخّص قسوة الحرب على من يُفترض أن يكونوا شهودها.
لقد ودعنا وبكينا زملاء كنا نعتقد أننا سنراهم دائما بيننا، وأن أصواتهم ستبقى تصدح بالحقيقة من قلب غزة، ثابتين في مواقعهم مهما اشتد القصف. لكنهم رحلوا غدرًا، لأنهم تمسّكوا بمهنتهم، وصمدوا في وجه آلة التقتيل، وأصرّوا على أن يُخبروا العالم بما يرتكبه جيش الاحتلال من إبادة بحق شعبٍ أعزل.
منذ 7 أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 210 صحافي وصحافية في غزة، بينهم ما لا يقل عن 56 أثناء أداء مهامهم المهنية. لم تكن هذه الجرائم “أحداثاً جانبية” كما يحاول الاحتلال تصويرها، بل كانت سياسة ممنهجة ومقصودة، هدفها إخراس الحقيقة، وطمس كل صوت يوثّق مشاهد الإبادة. لأن الدور الذي لعبته الصحافة في كشف الجرائم المرتكبة وتحريك الرأي العام الدولي المتضامن مع غزة أخطر على آلة الاحتلال من أي رصاصة.
في ظل هذا الوضع، أُطلقت اليوم، 1 شتنبر 2025، حملة إعلامية عالمية غير مسبوقة، بمشاركة أزيد من 204 وسيلة إعلامية حول العالم. وقفت إلى جانبها منظمات دولية بارزة مثل “مراسلون بلا حدود”، “الاتحاد الدولي للصحافيين”، و”أفاز”، بهدف فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الصحافيين الفلسطينيين، وكسر الحصار الإعلامي المفروض على غزة.
في “هنّ” اخترنا الانضمام إلى هذه الحملة العالمية لأننا نؤمن أن كل خطوة، مهما بدت صغيرة، يمكن أن تترك أثراً في مواجهة آلة الإبادة وإسكات الحقيقة. لكننا في الوقت نفسه نرى أن الأمر لا يجب أن يتوقف عند حدود البيانات والتنديد. لقد دعونا سابقاً إلى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، واليوم نطالب أيضاً بمقاطعة صحافية ومهنية شاملة.
فبعد كل هذا التقتيل الممنهج للصحافيين، لم يعد مقبولاً أن تواصل بعض المنظمات الدولية التعامل مع إسرائيل كدولة تُصنَّف ضمن البلدان التي “تحترم حرية الصحافة”. على العكس، يجب أن تُوضع في ذيل التصنيفات، كدولة مسؤولة عن أكبر مجزرة في تاريخ الصحافة المعاصر. فلم يعرف العالم من قبل هذا الكم من الاغتيالات الموثقة بحق الصحافيين، بهذا الإصرار وهذا العنف، سوى في غزة.
من غير المقبول أن نجد في الموقع الرسمي لـ”مراسلون بلا حدود”، وفي التصنيف السنوي الخاص بحرية الصحافة، أن خانة “قتل الصحافيين” بالنسبة لإسرائيل تُسجَّل فيها الصفر. أي عبث هذا؟ كيف يمكن لمنظمة تُعنى بحماية الصحافيين أن تُغفل الحقيقة الموثقة بالدماء والصور والأرقام: أكثر من 210 صحافي وصحافية قُتلوا منذ 7 أكتوبر 2023؟ إن تسجيل “صفر” في خانة القتل لا يعني فقط إنكاراً للضحايا، بل هو تواطؤٌ ضمني لتبييض صورة المحتل.
رغم أن “مراسلون بلا حدود” تذكر في تقديمها لإسرائيل عدد القتلى من الصحافيين بشكل عرضي، إلا أن ذلك لا يغيّر من جوهر المشكلة، بحيث إنها ما زالت تُقيّم إسرائيل وكأنها بلد “عادي”، بينما هي في الحقيقة كيان استعماري يمارس منذ عقود جريمة إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني.
إن التعامل معها في التصنيفات السنوية الخاصة بحرية الصحافة كما لو كانت دولة “طبيعية”، هو تزوير للواقع وتبييض لصورة قاتل الصحافيين. فكيف يمكن أن تُصنّف إسرائيل في خانة الدول “الفاعلة” في الإعلام؟ وهي الدولة التي ارتكبت أكبر مجزرة موثقة ضد الصحافيين في تاريخ المهنة!
ما يجري اليوم يضع الصحافة العالمية أمام امتحان أخلاقي حقيقي. لم يعد مقبولاً أن يستمر التعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية في التقارير الدولية أو في التصنيفات السنوية لحرية الصحافة. هذه الازدواجية، التي تمنح المحتل غطاءً وهمياً، لا تُسهم سوى في مضاعفة الجريمة، لأنها تُحوّل القاتل إلى طرف “شرعي” في الحقل الإعلامي.
لذلك، فإن المقاطعة الصحافية والمهنية لإسرائيل لم تعد خياراً رمزياً، بل ضرورة مهنية وأخلاقية. فهي أضعف الإيمان في مواجهة سياسة ممنهجة لإخراس الحقيقة وإبادة الصحافة إلى جانب الشعب الفلسطيني. إن أي تعامل مهني أو إعلامي مع إسرائيل، في ظل ما ترتكبه من جرائم، هو مشاركة غير مباشرة في طمس الحقيقة، وتواطؤ مع رواية القاتل ضد ذاكرة الضحايا.














