“لا تعطوهم ماء ولا طعامًا”.. عنف عنصري يلاحق المهاجرين في سبتة 

يوم الإثنين، السابع من سبتمبر الجاري، أصيب طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات في رأسه، بعدما أطلق عدد من الملثمين النار عليه من بندقية محشوة بالرصاص المطاطي، بينما كان برفقة أسرته.

اسمه علي، وهو أحد الأطفال المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة يوم 30 يوليوز الماضي، عبر البحر سباحة من المغرب، برفقة والديه وشقيقه البالغ من العمر ثلاث سنوات.

كانت الأسرة في منطقة استقرار المهاجرين بحي الأمير (Príncipe) عندما وقع الاعتداء، وأوضحت أنها لم تبلغ عن الحادث، خوفًا من أن تؤدي الشكوى إلى فصل أطفالها عنها من طرف الخدمات الاجتماعية.

وتؤكد منظمة “سور أكوجي” غير الحكومية، التي تعمل في سبتة، أنها شاهدت ملثمين عدة مرات في المدينة، وكانوا يحملون أسلحة، رغم أنها لم تشهد اعتداءات بأعينها، موضحة أن “هذا لا يعني أن الاعتداءات لا تحدث”.

وقبل هذا الاعتداء بأيام قليلة، تم تقديم بلاغين بشأن وقائع مماثلة، ففي الأول من سبتمبر، أُطلقت النار على شخص مهاجر في منطقة قريبة من حي الأمير، وفي الثاني من سبتمبر، استُهدف شخص من سكان سبتة من أصل مغربي في منطقة “لوما كولمينار”.

وتأتي هذه الاعتداءات في سياق تحذر المنظمات الاجتماعية منذ فترة من أنه قد ينتهي إلى اندلاع أعمال عنف. ويقول ماوريثيو فالينتي، المدير العام للجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين (CEAR)، أنه “ما دامت حالة الطوارئ التي يعيشها المهاجرون وسكان عدد من الأحياء لم تُحل، فإن هذا الخطر سيظل قائمًا”.

هذا العنف كان يتشكل منذ أسابيع على شبكات التواصل الاجتماعي، ففي أول يومين فقط من أزمة سبتة، رصد المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب (OBERAXE) حوالي 9590 منشورًا يحض على الكراهية، أي ثلاثة أضعاف المعدل المعتاد. وكانت 40 بالمائة منها تتضمن، إضافة إلى ذلك، خطابات تنزع الصفة الإنسانية عن الأشخاص المستهدفين.

ولم يبق خطاب الكراهية حبيس شبكات التواصل، بل استخدمت هذه المنصات أيضًا في تعبئة مجموعات اليمين المتطرف؛ فهناك حسابات على إنستغرام وتيك توك تنشر ملصقات تحمل صور مهاجرين، وتصفهم بأنهم “غزاة” وأشخاص “خطرون”، بل وتعرض، في بعض الحالات، مكافأة مالية لمن يعثر عليهم. وتقول بعض المنشورات: “لا تعطوهم ماء ولا طعامًا”، و”إذا رأيتموهم فنظفوا الشوارع منهم”.

وفي المقابل، يجري عبر واتساب تنظيم دوريات من سكان الأحياء تقول، بحسب تعبيرها، إنها تسعى إلى “تنظيف سبتة من المهاجرين”، هذا ما تؤكده صحيفة “إِلْ باييس” التي اطلعت على هذه المحادثات، حيث تنسق مجموعات من السكان لملاحقة مهاجرين يختبئون في الجبال والمناطق الواقعة خارج النطاق الحضري، خوفًا من إعادتهم إلى المغرب.

وبحسب ما أوردته الصحيفة، كتب بعض أعضاء المجموعة: “حتى لو كنا سبعة فقط، لا يهمني. سنذهب وراء الجميع. هم يركضون لأنهم خائفون”، وكتب آخر: “لدي قناع يغطي الوجه، والسيارة كلها مليئة بالأغراض، تعالوا”، كما نشرت الصحيفة صورًا لاعتداءات قال مهاجر مغربي إنه تعرض لها على أيدي هذه المجموعات.

اعتداءات عنصرية على سكان سبتة

لا تطال الاعتداءات العنصرية الأشخاص المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة من المغرب مؤخرا فقط، بل أصبح سكان المدينة أنفسهم ضحايا لها. ومن بين الحالات طفلة تبلغ من العمر 13 عامًا، من مواليد سبتة، لأب باسكي وأم من سكان المدينة، جرى خلال مظاهرة الأحد الماضي “الخلط بينها” وبين مهاجرة بسبب ملامحها.

وروت القاصر لصحيفة “إِلْ باييس” أن امرأة، في الستين من عمرها، اقتربت منها وبدأت في توبيخها والصراخ في وجهها: “ماذا تفعلين هنا أيتها الغازية؟ اخرجي، أيتها الغازية” بحسب رواية الطفلة.

وظلت المرأة تلاحقها وتسألها من أين جاءت، وتقول الطفلة: “قلت لها إنني جئت من منزل أمي”، ووفق روايتها، توجهت المرأة أيضًا إلى بقية المتظاهرين، مشيرة إليها ومؤكدة أنها رأتها في المستشفى في اليوم السابق، وأنها مصابة بالسل، وأنها واحدة من الأشخاص الذين عبروا الحدود في يوليوز الماضي.

وقالت الشابة: “أخشى أن يتكرر تعرضي للإهانة أو الاعتداء”.

ويرى ماوريثيو فالينتي أن هذه الحالة “تعكس إلى أي حد ترسخت بعض الأحكام المسبقة بشأن سكان سبتة، مطالبًا السلطات بملاحقة هذه الوقائع والدعوات إلى العنف”.

ويضيف: “يتم اختزال سكان سبتة في صورة الشخص الكاثوليكي المنتمي إلى حي معين، بينما سكان سبتة مجتمع متنوع. هناك كثير من الإسبان المسلمين الذين يعانون هم أيضًا من هذا الوضع، وقد قدموا نموذجًا استثنائيًا للتضامن — إذ كانت الأحياء ذات الأغلبية المسلمة أول من بادر إلى تنظيم المساعدة للمهاجرين — وهم في كثير من الأحيان ضحايا لضغوط لا مبرر لها على الإطلاق”.

مسؤولية “فوكس” و”الحزب الشعبي” 

يشير المدير العام للجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين أيضًا إلى مسؤولية بعض القادة السياسيين الذين يرى أنهم غذّوا خطابات الكراهية، ويؤكد أن “موقف بعض المسؤولين السياسيين الذين انضموا إلى عمليات التشهير والاتهامات غير مسؤول إطلاقًا، وأعتقد أن هذا لن يفيد أحدًا في سبتة”.

وفي الواقع، دافع حزب “فوكس” عن حق سكان سبتة في استخدام العنف من أجل “الدفاع عن النفس”.

وقال صامويل فاثكيث، المتحدث باسم الحزب لشؤون الأمن والهجرة، وهو شرطي سابق في الشرطة الوطنية: “في سبتة عندما تشعر بأن ما هو لك، ومنطقة راحتك، وعائلتك، وأطفالك مهددون، فلديك كل الحق في العالم في الدفاع عن نفسك. وعلى كل شخص أن يدافع عن عائلته بكل ما في وسعه. بعصا أو بأي شيء آخر”.

أما “الحزب الشعبي” (PP)، فيركز هو الآخر في خطابه على تصوير المهاجرين باعتبارهم “غزاة” يشكلون تهديدًا للبلاد.

في المقابل، تقول منظمة “Border Resistance”: “لسنا أمام أزمة هجرة؛ فالأشخاص المهاجرون ليسوا الأزمة، بل الأزمة سياسية، وهي نابعة من نظام حدودي يحدد أي الأرواح تهم، ومن يمكنه التنقل بأمان، ومن عليه أن يخاطر بحياته للقيام بذلك”.

ونددت المنظمة “بكراهية الإسلام والعنصرية المعادية للسود اللتين تخترقان هذا النظام الحدودي”. فالبناء العرقي والاستعماري لصورة “المغربي/العربي المسلم” بوصفه تهديدًا، وتجريم الأشخاص السود الأفارقة، يغذيان خطابات “الغزو” و”الخطورة” التي تمهد الأرضية لانتهاك كل حق، وللاضطهاد والمراقبة”.

المنظمة، بناءً على “عشرات الشهادات” التي جمعتها، تؤكد أن “العنف الأشد يقع في ساعات الفجر (بين الثانية والرابعة والنصف صباحاً)، حين تُقتحم فجأة ودون سابق إنذار الأماكن التي ينام فيها الأشخاص. وفي الليل، عموماً، تصل دوريات بالسيارات وسط صراخ وشتائم متواصلة”.

وتطالب المنظمة بـ “فتح تحقيق دولي مستقل ونزيه في جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت بسبتة ومليلية من الجانبين الإسباني والمغربي، يشمل أخذ إفادات مباشرة من الضحايا وإجراء فحص طبي مستقل للمصابين”.

كما تطالب بـ”الوقف الفوري لجميع أشكال الضرب الممنهج، وإجبار الأشخاص على دخول البحر، ومصادرة الممتلكات الشخصية. التي تقوم بها السلطات العمومية بسبتة”.

ومن الملاحظ أن أزمة سبتة، بدأت تتسع فيها دائرة الخوف، إذ لم يعد خطاب الكراهية مجرد عبارات تتداولها شبكات التواصل، بل بدأ يجد طريقه إلى الشارع، حيث يتحول المهاجر إلى هدف للملاحقة والاعتداء، ويصبح حتى سكان المدينة أنفسهم عرضة للعنف لمجرد أن ملامحهم أو أصولهم ليست أوروبية.

وبينما تتصاعد الدعوات إلى “تنظيف” المدينة من المهاجرين، وتحضر لغة “الغزو” و”الخطر” في الخطاب السياسي، تحذر المنظمات الحقوقية من أن ترك هذه الخطابات دون مواجهة قد يدفع سبتة نحو مزيد من العنف. وفي مدينة تعيش أصلًا على خط حدودي شديد التوتر، يبدو أن الخطر لم يعد في الحدود وحدها، بل في الكراهية التي تتسرب من الشاشات إلى الشوارع.

عنف يشتد في ساعات الفجر 

يمتد العنف الذي يطال المهاجرين في سبتة إلى الأماكن التي يلجؤون إليها للنوم. عشرات الشهادات المباشرة، التي جُمعت ضمن بيان تنديدي بانتهاكات حقوق الإنسان ضد الأشخاص في وضعية تنقل، توثق اعتداءات جسدية ونفسية طالت مهاجرين وطالبي لجوء وقاصرين وأفرادًا من مجتمع الميم عين+. 

وتؤكد “بوردر ريسيتنس” أنه “خلال النهار يكون العنف أقل حدة نسبياً، لكنه لا يختفي (صراخ، شتائم، مطاردات)؛ ويُستأنف فوراً بمجرد ابتعاد الضحايا عن المتطوعين أو الصحافيين المرافقين لهم. ويُوقَظ النائمون بضربات مباشرة بالهراوة، أو أولاً بمصباح يدوي ثم بالهراوة؛ ويُركلون بأحذية قتالية ثقيلة؛ وتُطوَّق الأماكن التي ينامون فيها بعدد كبير من العناصر؛ ويُؤمر الضحايا بالنهوض والرحيل فوراً (“اخرجوا”)، مع ضرب من لا يمتثل؛ وتُدمَّر أو تُتلَف ممتلكاتهم (فرشات، كرتون، أمتعة)”.

وتصف شهادات أخرى ضربًا يتركز على الساقين بقوة أكبر من الرأس، إضافة إلى ضربات على المعدة والبطن والظهر، ولكمات وركلات على الوجه، وضرب متعمد في منطقة العانة والأعضاء التناسلية. وسُجلت أيضًا إصابات وكسور في اليدين والمعصمين وصلت في بعض الحالات إلى تعطيل حركتهما.

في حالات أخرى، أُجبر أشخاص لا يجيدون السباحة على دخول البحر تحت التهديد. ويصف أحد الشهود ملاحقة الدوريات لمن يحاولون الفرار سباحة ومحاولة إغراقهم، فيما يُترك بعض الأشخاص في الماء قبل إخراجهم واستئناف ضربهم وهم مبللون. كما تتحدث الشهادات عن إجبار مجموعات على دخول الماء ثم دهس أفراد منها وهم ممددون فيه.

ولا تقتصر الانتهاكات التي يسجلها البيان على ذلك، إذ تتحدث شهادات عن أشخاص من السكان المحليين يرشون الغاز المسيل للدموع مباشرة في أعين المهاجرين، أحيانًا بعد استدراج الضحية بذريعة تقديم المساعدة، ثم يفرون بعد ذلك. كما تتكرر روايات عن مصادرة الهواتف المحمولة وسماعات الأذن، وسرقة الأموال مباشرة من الجيوب تحت التهديد بالضرب.

أما عند طلب العلاج، فتصف بعض الشهادات تشخيص إصابات خطيرة باعتبارها “مجرد تشنج عضلي” من دون فحص حقيقي، إضافة إلى رفض عيادات ومستشفيات معالجة جروح متقيحة أو تقديم الرعاية في بعض الحالات دون مبرر طبي واضح.

عنف مضاعف يطال أفراد  مجتمع  الميم عين+

أفراد من مجتمع الميم عين+ كانوا، بدورهم، ضمن الأشخاص الذين جُمعت شهاداتهم، غير أن الاعتداءات التي يصفونها تأخذ بعدًا إضافيًا مرتبطًا، بحسب البيان، برفض هويتهم الجندرية. فقد تحدث عدد منهم عن لكمات وضربات بالهراوات على الوجه وصلت إلى حد تورم العين، تلتها ضربات بأدوات صلبة وركلات في الصدر، إضافة إلى ضربات على اليدين تركتهما مزرقّتين وملتهبتين.

ويقع عدد من هذه الاعتداءات بعد طردهم من مراكز الإيواء، ما يضطرهم إلى النوم في الشارع دون حماية. ويشير من جرت مقابلتهم إلى أن مجرد الظهور بمظهر يعبر عن هويتهم الجندرية  يجعلهم عرضة لعنف مضاعف في الفضاء العام، حيث لا يجرؤ أحد على التدخل في بعض الحالات. كما يجدون صعوبة في الاحتماء في مكان آخر دون أن يصبحوا مجددًا هدفًا للاعتداء.

ووقعت منظمات حقوقية وإنسانية على بيان مشترك يتناول الانتهاكات المرتبطة بسياسات الهجرة والحدود في سبتة ومليلية والمغرب، ويضع الأحداث في سياق العلاقة بين المغرب وإسبانيا وسياسات الاتحاد الأوروبي في ضبط حركة المهاجرين. كما يربط بين ما جرى وبين تصاعد الخطاب العنصري والملاحقات التي أعقبت أحداث 30 و31 يوليوز. 

ومن بين المنظمات الموقعة على البيان، “Border Resistance” و”No Name Kitchen” و”Migreurop” و”SOS Racismo Madrid”، إضافة إلى فروع من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

وطالب الموقعون على البيان بتوفير حماية خاصة وفورية لأفراد مجتمع الميم عين+ والقاصرين، تشمل تخصيص مراكز إيواء خاصة بهم، إلى جانب تسريع مسطرة طلب الحماية الدولية لطالبي اللجوء في سبتة ومليلية. كما طالبوا بفتح تحقيق دولي مستقل ونزيه في الانتهاكات من الجانبين الإسباني والمغربي، يشمل أخذ إفادات الضحايا مباشرة وإجراء فحوص طبية مستقلة للمصابين.

اقرأ أيضا

  • أوروبا تأكل بأفواه دولنا ثوم الهجرة! 

     كان من المفترض، بل من الضروري، أن تقوم الدنيا ولا تقعد في بلداننا المغاربية: موريتانيا، المغرب وتونس، وحتى في ليبيا الممزقة؛ بعد ما كشفه تحقيق مشترك بين ائتلاف "لايت هاوس ريبورت"، ووسائل إعلام دولية مختلفة، لكن صمت القبور طغى على كل صرخات المهاجرين والمهاجرات؛ ضحايا السياسات أوروبية، التي أصبحت تصدر لنا من تحت الطاولات، عبر…

    سعيد المرابط|

  • جحيم ليبيا.. طريق المهاجرات نحو أوروبا مفروش بالعنف والاغتصاب 

    بالنسبة لمريامة (اسم مستعار)، كانت العبودية الجنسية شيئًا يحدث فقط للأخريات، وتراه أو تسمع عنه من خلال التقارير التلفزيونية. ولكن عندما وجدت نفسها محبوسة في غرفة في ليبيا بعد الفرار من حياة صعبة في غينيا، أدركت أنها تركت "كابوسًا وسقطت في الجحيم". وبالنسبة للعديد من المهاجرين، أصبحت ليبيا، التي أصبحت مركزًا للهجرة إلى أوروبا منذ…

    ليلى محمد|

  • العبور إلى المجهول.. محنة المهاجرات في سبتة! 

    في سبتة، عشرات الشابات والقاصرات وجدن أنفسهن، بعد عبور الحدود في ظروف بالغة الهشاشة؛ هنا اضطرت مئات منهنَّ إلى النوم في الشوارع والغابات وملاعب الأحياء، في انتظار أن تتولى السلطات تحديد هوياتهنَّ، بينما تتزايد المخاطر التي تواجه النساء والفتيات، من الاعتداءات الجنسية والاستغلال إلى احتمال الوقوع في أيدي شبكات الاتجار بالبشر، فيما يتحدث عاملون وعاملات…

    سعيد المرابط|

  • “المهاجرات هنَّ الحلقة الأضعف”.. السلطات التونسية تفكك مخيما للمهاجرين غير النظاميين

    مواجهات بين قوات الشرطة التونسية، ومهاجرين غير نظاميين من دول جنوب الصحراء، يوم الثلاثاء، بمدينة العامرة التابعة لمحافظة صفاقس، إثر محاولة تحييد مخيماتهم وتفكيك أماكن تجمعاتهم. وحسب تقارير إعلامية تونسية، فإن قوات الأمن "أطلقت قنابل الغاز المسيلة للدموع لفض الاشتباكات، بعدما رفض المهاجرون والمهاجرات إزالة مخيماتهم". وتنتشر مخيمات المهاجرين في الحقول ومزارع الزيتون، على أمل…

    Hounna | هنّ|