في بلد لا تزال بعض العقول تحكمها صور نمطية عن المرأة، وتختزل الإعاقة في العجز، كانت فاطمة الجيد الشيخ استثناءً، لا لأنها فقط واجهت الإعاقة، بل لأنها واجهت مجتمعًا بكامله، وانتزعت منه حقّها في أن تكون امرأةً فاعلة، مؤثرة، ومؤمنة بأن العطاء لا يُقاس بالجسد، بل بالإرادة.
وُلدت فاطمة في سبعينات القرن الماضي، في ولاية تگانت الموريتانية، وترعرعت بين تگانت وآدرار، وسط أسرة ذات مكانة علمية واجتماعية رفيعة.
لم تكن الطفولة سهلة لفاطمة؛ فقد أصيبت بإعاقة جسدية وهي صغيرة، لكن البيئة المحيطة بها منحتها سندًا معنويًا جعلها ترى نفسها “مختلفة لا عاجزة”.
عن نفسها، تقول فاطمة بفخر لمنصة “هنَّ”: “تربّيت على أنني قادرة، لم أشعر يومًا أن إعاقتي تُنقص من قيمتي شيئًا”.
من ألم الفقد إلى مشروع حياة
في عام 2018، أنشأت فاطمة “رابطة أطفال متلازمة داون والإعاقة الذهنية والتوحد”، وهي مبادرة نابعة من تجربة شخصية قاسية، حين فقدت ابنها “الجيد”، الذي وُلد بمتلازمة داون وتوفاه الله بعد صراع مرير مع المرض.
“رافقتُه في رحلات علاجية إلى عدة دول… وحين اختار الله أن يستردّه، قررتُ ألا أنغلق في الحزن، بل أجعل من تجربتي شمعة تضيء درب الآخرين”، هكذا تلخّص فاطمة لـ“هنَّ” الدافع العميق وراء مشروعها.
بالنسبة لها، لم يكن “الجيد” مجرد ابن، بل أيقونة نضال، وقصة لم تكتمل إلا بتحوّل الألم إلى رسالة، تتجسد في كل طفل يعاني من الإعاقة الذهنية أو التوحد.
الواقع مازال قاسيًا!
رغم التحولات الإيجابية التي شهدتها البلاد – بحسب فاطمة – في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إلا أن “الطريق نحو تمكين ذوي الإعاقة مازال طويلاً”.
وهذا ما أكدته الحقوقية أنيسا دينبا با، التي قدّمت صورة شاملة عن التحديات التي تواجه هذه الفئة، والتي تُمثّل أكثر من 10 بالمائة من السكان.
وفي حديث لـ“هنَّ، تقول أنيسا: “نحن أمام فئة إذا لم يُستثمر فيها، فقد تتحول إلى عبء مجتمعي، لكن إذا حظيت بالدعم، يمكنها أن تكون عنصرًا إنتاجيًا وفاعلًا”.
وتشير الحقوقية أنيسا دينبا با إلى أن ذوي الاحتياجات الخاصة في موريتانيا يواجهون جملة من العراقيل المعقدة، أبرزها “ضعف تطبيق القوانين رغم مصادقة الدولة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوقهم، إلى جانب النقص الحاد في مجالات التعليم والتوظيف والتكوين المهني”.
كما تعاني هذه الفئة، حسب الحقوقية من “بنية تحتية غير مهيأة وغياب وسائل النقل الملائمة، فضلاً عن تحديات صحية كبيرة تتمثل في ضعف الخدمات المتخصصة. ولا يقل التهميش الاجتماعي والثقافي خطورة عن غيره، إذ يسهم في تعميق العزلة وتكريس الإقصاء بدل الاندماج”.
أمل يُزهر من الرماد
رغم كل هذه المعوقات، تبقى فاطمة مثالًا للأمل؛ فهي لا تطالب فقط بالحقوق، بل تصنع الفارق على الأرض. ومن خلال رابطتها، تعمل على رفع الوعي، ومناصرة الأسر، وتقديم الدعم المباشر لأطفال يعانون الإقصاء قبل المرض.
وفي نهاية حديثها، تختم فاطمة بكلمات تختزل التجربة: “كل طفل يعاني من إعاقة هو نسخة من ابني الجيد… وأنا أقاتل لأجله ولأجلهم جميعًا”.
أكثر من قضية شخصية
قصة فاطمة الجيد الشيخ ليست قصة شخصية فقط، بل صرخة مدوّية في وجه مجتمع يحتاج إلى مراجعة مفاهيمه، ودولة مطالبة بأن تترجم التزاماتها إلى واقع ملموس.
ففي زمن كثرت فيه الشعارات، تبقى أمثال فاطمة الأمل المتجسد، بأن المرأة قادرة، والمعاق ليس عاجزًا، وأن كل جرح يمكن أن يصبح رسالة؛ إذا وجدت من يحملها.















