لا أطلب سوى العدالة.. صرخة أم تُناشد رئيس الجمهورية من أجل كشف الحقيقة

“كُنت أشتري له السراويل القصيرة والقمصان وأجهّز له الأكل من أجل الزيارة القادمة.. وهو ميّتا! لم يعلموني بأنّه توفيّ في الساعة 10.45 صباحا بسبب فشل في عضلة القلب والكلى، وفي الليل طلبوا مني الحضور إلى المستشفى لأكتشف بالصدفة بأنّه توفيّ من أحد المرضى الذي كان معه بنفس الغرفة” بهذه الكلمات اختزلت السيّدة حياة الجبالي والدة السجين المتوفّي حازم عمارة الإهمال و”القتل المتعمّد” -على حد وصفها- في المؤسّسة السجنية بتونس.

كان حازم يبلغ من العمر 24 سنة عندما تشاجر مع أحد حرفاء المقهى الذي كان يعمل به كنادل، كان شجارا عاديّا من أجل “فنجان بنّ” أودى بحياة شابّ لم يدخل في عقده الثالث بعد.

هذا الحريف (الزبون)، والذي كان له نفوذ أمني -وفق قول والدة حازم- سرّع في سجنه بتهمة تبادل عنف، تهمة كلّفت النادل، حازم عمارة، عُمره كاملا في منظومة سجنيّة تقتات من سياسة الإفلات من العقاب.

بدأت القصّة عندما ذهب الحريف إلى مركز شرطة قرمبالية التابعة لولاية نابل، وقدّم شكاية بأنّه تعرّض للعنف من قبل حازم، ورغم أنّ حازم كان له ما يُثبت من أنّه هو نفسه تمّ الاعتداء عليه من قبل مجموعة أشخاص ضربوه رفقة الحريف المذكور. لكن سرعان ما اتّخذت القضية منحى جديّا وسريعا ليجد نفسه في السجن المدني ببلي بولاية نابل، وقد تمّ الحكم عليه بثلاثة أشهر.

لا أطلب سوى العدالة

في شهادتها، لا تتحدّث السيدة حياة الجبالي عن واقعة فردية بقدر ما تكشف عن نمط متكرّر في السجون التونسية؛ مريض حُرم من الدواء. ففلذة كبدها، الذي أُودع السجن على خلفية “عنف متبادل”، كان يعاني من أمراض مزمنة في القلب والسكري، وخضع لخمسة تدخّلات جراحية قلبية سابقة. ورغم ذلك، تقول والدته، إنّ “إدارة السجن امتنعت عن تمكينه من أدويته الحيوية بانتظام”، وأنّ حالته الصحية تدهورت بسرعة، إلى أن خرج من المستشفى في “صندوق”.

في شهادتها لمنصة “هنَّ”، تصف المتحدّثة المسار الذي اتّبعته العائلة لمحاولة فتح بحث تحقيق في الحادثة بأنّه كان “طريقًا مغلقًا”: شكايات توجّه إلى مراكز الأمن، إلى وزارة الداخلية، إلى وزارة العدل، ثم إلى المحكمة المختصّة. ملفات تُحوّل من إدارة إلى أخرى، تبريرات بضرورة “انتظار المراسلات”، تحقيقات لا تُفتح، وأجوبة لا تأتي. 

وتقول: “ثلاثة أشهر من المراسلات، ولا شيء. لا أحد نظر في شكايتي. لا أحد سأل لماذا لم يتلقّ دواءه”. بالنسبة لها، ما حدث ليس إهمالاً طبياً فحسب، بل “محاولة قتل” قائمة على التقصير المتعمّد في رعاية حياة إنسان تحت مسؤولية الدولة.

الشهادة في جوهرها، تتجاوز مأساة الابن إلى سؤال أخلاقي وسياسي أوسع: كيف يُمكن لمواطن تُسلب حريّته ظلما أن يُسلب معه حقّه في العلاج؟ وما الذي يعنيه الحديث عن “عدالة” حين يموت مريض تحت سلطة مؤسّسة يُفترض بها أن تحمي جسده وكرامته؟ الوالدة لا تطلب الانتقام، هي فقط تطلب فتح تحقيق، محاسبة من قَصَّر، وإعادة النظر في التعامل مع أصحاب الوضعيات الصحية داخل السجون، عبر تفعيل آليات العقوبات البديلة ومراقبة طبية حقيقية. تقول في النهاية: “ابني لم يكن ينتظر العدالة. كان ينتظر فقط دواءه. وهذا، في بلد يحترم الإنسان، لا يجب أن يكون امتيازاً”.

“قدّمتُ للمرشدة الملف الطبي، والذي يحمل بطاقة إعاقة، وكنت أناشدها من أجل أن تأخذ منّي دواءه، لكنّها كانت ترفض وتُحاول إقناعي بأنّ الدواء متوفّر عندهم.. أعود إلى ابني فيقول لي بأنّه أغمي عليه العديد من المرّات لكنّهم كانوا يوقضونه بالماء.. أعود إليها حاملة شهادات طبيّة تؤكّد الخطر الذي قد يلحق به عندما لا يتناول دواءه فلا تستمع إليّ، وهذا المنع كان قد تعرّض له في الإيقاف أيضا… لم يحتمل جسده وتوفيّ في غضون ثلاثة أسابيع و24 ساعة بين الإيقاف والسجن.” هكذا لخّصت السيّدة حياة المسار الذي مرّ به حازم أثناء الإيقاف وفي السجن.

وينصّ الفصل 38 من الدستور التونسي (2014 و2022) على أنّ: “الصحة حقّ لكل إنسان. تضمن الدولة الوقاية والعلاج والرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفّر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية.”

كما يقرّ العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادقت عليه تونس سنة 1969، في مادته 12، “الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة”. 

على الورق، يبدو النظام الصحي محميًا بسياج قانوني قوي، لكن وفي الواقع، تشير التقارير الميدانية إلى اتّساع الهوة بين التشريع والتطبيق في السجون التونسية أين تمّ تسجيل 24 حالة موثّقة من التعذيب وسوء المعاملة بين 2015 و2025، حسب تقرير أصدرته جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات يحمل عنوان “خلف الأسوار: تـقرير حـول التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي في قلب المنظومة السجنية التونسية”.

يُشير التقرير إلى أنّ الوفيات المشبوهة داخل السجون بين شهر جويلية 2025 وشهر أكتوبر 2025 (أي في غضون 4 أشهر) بلغت 6 حالات على الأقل، أي الحالات المُعلنة. أمّا عن أنماط الانتهاك عامّة فمن أصل 24 حالة تمّ استجوابهم، فقد بلغت نسبة التعذيب وسوء المعاملة الجسدية والنفسية 100 بالمائة من الحالات، و 80 بالمائة من السجناء متضرّرين من الحرمان من الرعاية الصحية. وحوالي 40 بالمائة من الحالات شهدوا العزل التأديبي غير المشروع. في حين أن  50 بالمائة من السجناء حرموا من الحق في الدفاع أو المحاكمة العادلة. وعن الجانب الصحّي والطبيّ فيُؤكّد التقرير عن غياب طبيب دائم أو رعاية طبية كافية في 70‑80 بالمائة من السجون، وتمّ توثيق 15 حالة محدّدة من حالات أمراض مزمنة دون متابعة.

ويُشكّل الموت المريب داخل السجون التونسية انعكاسًا خطيرًا لأزمة عميقة في منظومة العدالة والأمن في البلاد، حيث يتقاطع الانتهاك الفردي للحقوق الأساسية مع سياسات مؤسّساتية تتّسم بالتغوّل الأمني والإفلات من العقاب. فالاستمرار في تسجيل حالات وفاة مريبة يثير تساؤلات حول مدى احترام الدولة لالتزاماتها القانونية الوطنية والدولية، بما في ذلك الحقّ في الحياة والمحاكمة العادلة المنصوص عليهما في الدستور التونسي وفي المواثيق الدولية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. 

ومن منظور سياسي، يُمكن قراءة هذه الظاهرة على أنّها امتداد لسياسة أمنية تركّز على السيطرة والتضييق على الحريات أكثر من كونها حماية للمجتمع، حيث تتّخذ قوات الأمن صلاحيات واسعة دون مساءلة فعّالة، ممّا يفتح المجال لممارسات تعسّفية من قبيل التعذيب وسوء المعاملة. وتغدو هذه الممارسات أكثر خطورة عندما يقابلها إفلات شبه كامل من العقاب، إذ تتحوّل القوانين إلى أدوات رمزية لا تحدّ من التجاوزات، ويغدو الحق في العدالة ضحية للنزعة السلطوية التي تهيمن على أجهزة الأمن. 

وبهذا المعنى، فإنّ الموت داخل السجون ليس حادثة معزولة، بل مؤشّر على أزمة هيكلية تتعلّق بموازين القوى بين المواطن والدولة، وتطرح تحديًّا أخلاقيًا وسياسيًا يدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين الأمن والحقوق، وإلى تعزيز آليات المحاسبة والشفافية لضمان عدم تحوّل السجون إلى فضاء للإقصاء والعنف المنظّم.

النفوذ الأمني أو القتل بالوساطة

عندما نعود  إلى كواليس القصّة، نجد أنّ حازم عمارة قد سُجن “عبر الوساطة” وذلك لما أكّدته والدته التي أشارت إلى أنّ زوج أخت الحريف ظابط في مركز قرمبالية وأنّ قاضي التحقيق الذي أودع حازم السجن قريب أيضا من الحريف، وبالتالي تمّ سجن حازم نتيجة لقرابة بين الحريف والمسؤولين ممّا أثّر على الأدلّة وسير التحقيق.

قدّم الحريف صورة، أودعها في ملفّ الشكاية وقد التقطت في محلّ “مصوّر تقليدي” أين أضاف الحريف المذكور بعض الملصقات الطبية، دون إرفاقها بشهادة طبية تُثبت الاعتداء في الملف. تؤكّد الوالدة أنّ ابنها أيضا تمّ الاعتداء عليه لكّنه لم يُطلب منه تقديم أيّة أدلّة ولم يُستمع إليه.

“عندما وقف ابني أمام القاضي، لم يطلبوا منه شهادة طبية، ولم يتحقق أحد من شيء، ولم يثبتوا أنّ الشاب الآخر ليس على جسده سوى خدش بسيط.. ورغم أنّ الشخص الذي تشاجر معه أخذ منّي مقابلا بقيمة 800 دينارا تونسيا (ما يعادل حوالي  300 دولار) من أجل إسقاط القضيّة المرفوعة ضدّ ابني الاّ أنّ القاضي لم يقبل وثيقة الإسقاط، كأنّه لم يسمع شيئا بشأنها وواصل الحُكم على ابني. ثم قدّمت المحامية الملف الطبي الكامل والذي يحمل بطاقة إعاقة رسمية ولم يُفتح أيضا”، تروي الأم لهذه المنصة.

وفي نفس السياق يُشير المحامي سامي بن غازي إلى أنّ “القانون يُقرّ بمدأ حريّة الإثبات في المادة الجزائية، غير أنّ الادلّة المقدّمة يجب أن تكون من طبيعتها أن تُقنع وجدان القاضي بثبوت الإدانة. فإذا تسرّب الشكّ إلى وجدان القاضي، وجب أن يكون الشكّ في مصلحة المتّهم. صحيح أنّه يُمكن للمحكمة أن تأخذ به، غير أنّ الراجح أن تستبعده إذا لم يكُن مقرونا بأدلّة أو عناصر إثبات أخرى”. وفي هذه الحالة كان من المفروض أن يكون التحقيق مُحايدا ومُنصفا في علاقة بالأدلّة وأن لا تتّخذ الصورة كدليل قاطع للاتّهام.

تتساءل الأمّ بلوعة، “هل يُعقل أن يُسجن شخص دون شهادة طبية؟ هل يُسجن شخص بمجرد أنّ الشاكي لا يضع تقريرًا طبيًا، ويذهب إلى مصوّر عادي يلتقط له صورًا، ثم يقدّمها فيُسجن الشخص؟ يعني أي إنسان في الطريق يُمكنه أن يلتقط صورا مُفبركة، فيُسجن الشخص المظلوم بهذه الطريقة؟”

من دافع حقوقي وقضائي، ما ورد في قضية حازم عمارة يشكّل تجسيداً لمخاطر تسلّل النفوذ والعلاقات الشخصية إلى صلب منظومة العدالة، وهو أمر يتعارض مع المبادئ الثابتة في المواثيق الدولية ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، التي تضمن للمتّهم حقّ المحاكمة العادلة، وحقّه في أن يُستمع إليه، وأن تُعرض ضده أدلّة سليمة، وأن يتمتع بمحامٍ، وبحضور شاهد أوّلي مستقل. وعندما نجد أنّ سجن المتّهم حصل نتيجة “الوساطة” أو قربى بين الطرف الشاكي وبين الأجهزة القضائية أو الأمنية، فإنّ هذا ينطوي على خرق واضح لمبدأ المساواة أمام القانون وحياد القضاء.

من الناحية العدلية، يُلحظ أنّ الجهاز القضائي كان من المفترض أن يتحقّق من شهادة طبية، وهو إثبات أساسي في قضايا الاعتداء الجسدي، غير أنّ الأمر لم يحصل، أو أنّ تأخيره والافتقار إلى التحقّق الموضوعي من الأدلّة أعطيا “لامبالاة” بواجب الإثبات. كما أنّ إقدام الشاكي على إدراج صورة ملتقطة في محلّ تصوير تقليدي مع ملصقات طبية كدليل، من دون شهادة طبية منشورة أو تحقيق في مدى مطابقتها للواقع، يجعل الدليل من حيث الأصول ضعيفاً ويثير الشكّ في نزاهة إجراءات التحقيق.

وتُشير تقارير عدّة إلى أنّ تونس تشهد تراجعاً في استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. ففي تقرير عام 2024 لـمنظمّة العفو الدولية، ذُكر أنّ محاكمة “قضية التآمر 2” أفضت إلى إدانات جماعية طالت 21 شخصاً من أصل 24 متهّماً، وحُكم عليهم بسـنوات ما بين 12 و 35 سنة، وسط شبهاتٍ بأنّ الأدلة والحقائق التي استندت إليها كانت هزيلة أو سرّية، مما يشير إلى “أزمة حكم القانون” في البلاد، حسب التقرير نفسه. 

 ومن جهة استقلال الجهاز القضائي، وثّق تقرير أنّه خلال الفترة ما بين شهر أوت 2023 وشهر جوان 2024 “تمّ إصدار أوامر من وزارة العدل بتعيين أو نقل أو تعليق على الأقل 105 قاضٍ ووكيل نيابة بطريقة مخالفة للإجراءات” حسب جمعية القضاة التونسية. 

هذه الأرقام، وإن لم تُخصّ مباشرة قضية حازم عمارة تحديداً، إلاّ أنّها ترسم إطاراً عاماً يُفسّر فيه كيف يمكن لظاهرة النفوذ أو القربى أن تجد لها موطئاً ضمن منظومة قضائيّة ضعيفة المناعة ضدّ التدخّلات. وبناءً عليه، يُصبح الوضع الذي عاشه المتهم عرضةً لتداعياتٍ منهجية: أولاً، تآكل الثقة في العدالة، وثانياً، استمرار الإفلات من المساءلة، ثالثاً، تصاعد الانحياز في التوقيف والتحقيق والمحاكمة بناءً على اعتبارات شخصية لا قانونية.

في ضوء ذلك، يجب المطالبة بتطبيقات ملموسة: تعزيز شفافيّة التحقيقات القضائية، ضمان أن تكون كل شهادة طبية حقيقية وموثوقة، تأكيد صالح الدفاع من خلال الاستماع إلى المتّهم وشاهديه، واستقلال النيابة والقضاء فعلياً عن أي نفوذ أو علاقات شخصية. ومن دون تلك الإصلاحات، فإنّ العدالة تبدو “ظاهرةً شكليّة” لا أكثر، والمتّهم يبقى رهينةً لمنطق النفوذ لا لمنطق القانون.

وضعيّة السجناء: صورة لنظام جنائي هشّ

تشير بيانات رسمية ومنظمات حقوقية إلى أنّ الحالة العدلية الجنائيّة في تونس تواجه اختلالات ملموسة تُغذّي الانحرافات التي ظهرت في ملفّ حازم عمارة، فوفق قاعدة بيانات موجز السجون العالمي World Prison Brief الصادر عن المركز الدولي لدراسات السجون، يبلغ عدد السجناء والموقوفين في تونس نحو 33 000 شخص، بمعدّل 267 سجيناً لكل 100 000 نسمة. من بينهم حوالي 54.9 بالمائة هم موقوفون احتياطياً (أي تحت التوقيف قبل المحاكمة). 

ويؤكّد تقرير جسور العدالة الدولية International Bridges to Justice أنّ نسبة الموقوفين قبل المحاكمة تبلغ تقريباً 54.9 بالمائة من مجموع نزلاء السجون، وأنّ الاكتظاظ يصل إلى نسب مثل 180 بالمائة في بعض الحالات. 

ومن جهة أخرى، أوردت تقارير حقوقية، أنّ عدد السجناء ارتفع من نحو 21 000 سنة 2021 إلى نحو 31 000 خلال الفترة بين 2021‑2023، بزيادة تقارب 50 بالمائة خلال عامين، ما يعكس تفعيلاً أكبر للتوقيف الاحتياطي كأداة ضاغطة.

ما تعنيه هذه الأرقام، هو أنّ نسبة التزايد عن نصف المسجونين تحت التوقيف الابتدائي قبل المحاكمة تعكس أنّ الاحتجاز يحدث بشكل واسع قبل التثبّت من الاتّهام، ممّا يزيد من احتمال احتجاز أشخاص دون أدلة كافية -وهو ما يبدو أنّه حصل مع حازم عمارة-. إضافة إلى أنّ الارتفاع الحادّ في أعداد المسجونين واستمرار الاكتظاظ يُظهر أنّ المنظومة السجنية تعمل تحت ضغط وظروف تسمح بانحرافات أكثر، مثل تحيّز القرارات أو تأثير النفوذ. كما أنّ حجم عبء القضايا على القضاة يطرح تساؤلاً حول مدى فحص الأدلّة والتحقيق الفعلي، بما يفسّر كيف يُمكن أن تُقبل صورة أو ملف ضعيف كدليل أو يُهمل طلب شهادة طبية كما ورد في قصّة حازم عمارة.

على الصعيد السياسي، ما يُثير القلق في المشهد التونسي كما ما وثّقته منظمات حقوقية بأنّ الاحتجاز التعسفي أصبح أداة منهجية في سياقات سياسية. مثلاً، أوضحت Human Rights Watch أنّ السلطات التونسية استخدمت “الاعتقال التعسفي” لإسكات المعارضين منذ منتصف 2023، متّجهة إلى استهداف المحامين والنشطاء والصحافيين. وهذا الواقع يعكس انحرافاً ليس فقط في قضايا الموت المُستراب، وإنّما في بنية الدولة والمنظومة القضائية نفسها، حيث يُضعف استقلال القضاء ويُقوّي منطق العلاقة الشخصية والقرابة على منطق القانون.

ما حدث مع حازم عمارة يلخّص ثلاثة أبعاد مترابطة، أولاً، انتهاك حقوق المتهم في مواجهته بصورة مستقلة ومتكافئة أمام القضاء. ثانياً، تآكل الحدود بين الجهاز القضائي والدوائر التنفيذية أو الأمنية، ما يجعل “النفوذ” أو “الوساطة” عاملاً محفّزاً لتوقيف أو محاكمة بناءً على العلاقات. ثالثاً، خطر تحوّل الإفلات من العقاب (أو الإدانة بلا أُسس قانونية) إلى قاعدة، لدى من يملكون النفوذ، بينما يُحمّل “المهمّشون قضائيا” ثمن هذا الواقع.

في ضوء ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا الملف باعتباره قصّة فردية فقط، بل كمؤشّر على ضرورة إصلاحات هيكلية: استعادة استقلال القضاء، تفعيل سلطة مراقبة النيابة العامة، وضمان أن يكون التوقيف والمحاكمة مبنيين على دليل معترف به، لا على صلات أو تأثيرات أمنية. من دون هذا الإصلاح، سيبقى ما جرى لحازم عمارة “تطابقاً” لحالة أشمل، تُسمّى إفلاتاً مزمناً من العقاب.

في ختام حديثها تقول الأم الثكلى حياة الجبالي: “مات ابني، مات على السرير، مات وحيدًا، مات دون إسعاف، دون آلة أكسجين، ودون محلول طبي.. مات مكبّلًا، مات في غربة وقهر”، وهي تُناشد رئيس الجمهورية بفتح تحقيق حول حيثيات وفاة ابنها الذي لم يصل إلى عقده الثالث بعد وتؤكّد له أنّ هذه الحوادث والتي يوجد منها الكثير في السجون التونسية ليست أخبارا زائفة أو مضلّلة، فإن كان حقّا يؤمن باستقلالية القضاء فما عليه إلاّ أن “يستردّ لي حقّ ابني الذي لم تُفارق ابتسامته محيّاه حتّى عند الموت ظلما”.

اقرأ أيضا

  • لا حياد مع القاتل.. المقاطعة الصحافية لإسرائيل ضرورة

    منذ ما يقارب عامين، يعيش الصحافيون والصحافيات في غزة بين الموت والجوع والتهجير. لم يعد الاستهداف يطالهم بصفتهم المهنية فحسب، بل امتد ليشمل عائلاتهم وبيوتهم وحياتهم اليومية؛ وقد رأينا صحافيين يغطّون جنازات أطفالهم وزوجاتهم وآبائهم وأمهاتهم، بالكاميرا في يد ودموعٌ في العين.  كما رأينا آخرين كانوا ينقلون تفاصيل القصف، قبل أن يكتشفوا فجأة أن بين…

    هاجر الريسوني|

  •  “مواطنون من الدرجة الثانية”.. معاناة ذوات الإعاقة من الوصم والإقصاء في سوق العمل

    "عندما أرسل سيرتي الذاتية إلى الشركة، ينبهر المدير عند رؤيتها لأول وهلة، لكن ما إن يراني شخصيًا حتى يتغير كل شيء. يُطلق كلمات الإعجاب: 'برافو، سنتصل بك قريبًا'، لكن ذلك 'القريبًا' لا يأتي أبدًا، تاركًا خلفه شعورًا مريرًا بالرفض، خاصة عندما ترى علامات ذلك الرفض في نظرات المدير وهو يقلبني منذ دخولي المكتب، ينظر إلى…

    أميمة عدواني|

  • “اللغة تحرمنا من حقوقنا”.. الأمازيغيات ومعضلة التواصل في المؤسسات

    بعد ستة أشهر من الانتظار، يصل أخيراً موعد فحص رقية الطبي. غير أن هذا الفحص الروتيني استلزم من ابن رقية، كالعادة، التغيب عن عمله من أجل مرافقة والدته. ليس لدعمها فقط، ولكن أيضاً للعب دور المترجم بين الطبيب ووالدته التي لا تتحدث العربية، والتي تعول كلّياً على ابنها سعيد لفهم ما سيقال لها، أو للتعبير…

    هاجر اعزة|

  • شذى الحاج مبارك تدخل في إضراب مفتوح عن الطعام: “جسدي ينهار داخل الزنزانة”

    دخلت الصحفية التونسية شذى الحاج مبارك، المعتقلة في سجن “المسعدين” بسوسة، في إضراب مفتوح عن الطعام منذ يوم الأربعاء 14 ماي 2025، احتجاجًا على ما وصفته بـ”الإهمال الصحي المتعمد” الذي بات يُهدد حياتها داخل السجن، في ظل تدهور حالتها الصحية وغياب أي تجاوب فعلي مع طلباتها المتكررة لتلقي العلاج. وفي رسالة مؤثرة نقلتها شقيقتها توصلت…

    Hounna | هنّ|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.