في كل موسم دراسي وعند الامتحانات الاشهادية تحديدًا، تتكرر المشاهد نفسها أمام عدسات الكاميرات، تلاميذ وتلميذات يغادرون مراكز الامتحان، ويتحدثون بأريحية عن محاولاتهم للغش، وعن نجاحهم أو فشلهم في ذلك، بل يتحدث بعضهم عن فرحهم بتمكنهم من “الاستعانة” بوسائل مختلفة داخل قاعة الامتحان، أو يعبرون عن استيائهم من تشديد إجراءات المراقبة.
ويتزامن ذلك مع استمرار وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في تعزيز آليات رصد الغش، إذ أعلنت تسجيل 4929 حالة غش خلال الامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى باكالوريا برسم دورة 2026، و4126 حالة خلال امتحانات البكالوريا، وهي أرقام ربطتها الوزارة بتوسيع تعميم استعمال النظام الالكتروني التي اعتمدته هذه السنة للمساعدة على رصد حالات الغش، وتكثيف المراقبة.
غير أن استمرار هذه الظاهرة منذ سنوات، يدفعنا للتساؤل عن الطريقة التي انتقل بها الغش من ممارسة استثنائية ومرفوضة إلى سلوك يبدو عاديًا بالنسبة إلى جزء من التلاميذ؟
الامتحان بين الحفظ والغش
أمام أحد محلات طباعة الأوراق، تقف نهيلة، تلميذة بالسنة الثانية بكالوريا، إلى جانب عدد من التلاميذ الذين ينتظرون دورهم لاستخراج ما يُعرف بينهم بـ“التصغير”، وهو أوراق صغيرة تتضمن ملخصات للدروس، رؤوس أفكار، أجوبة ومنهجيات جاهزة لكل الأسئلة المحتملة؛ مكتوبة بخط صغير على أوراق مصغرة.
ولا تبدو نهيلة مترددة أو خائفة وهي تتحدث عن الأمر، بل تعتبره جزءاً من الاستعدادات التي تسبق الامتحانات الإشهادية، وتؤكد في حديثها لمنصة “هنّ”: “كولشي كينقل”، مشيرة إلى أن “الكل يحاول من أجل ضمان النجاح بكل الوسائل الممكنة”.
وتضيف نهيلة: “لم أحضر معي هاتف، ولم أستعن بأحد، هي فقط بعض الأوراق الصغيرة، تتضمن أفكارًا وقواعدًا، أخشى أن أنساها، هذه سنتي الأخيرة ولا أستطيع المجازفة بها”؛ فبالنسبة لها لا يرتبط الغش بالضرورة بعدم المراجعة أو الإهمال، بل بالخوف من أن يضيع مجهود سنة كاملة بسبب سؤال لم تتوقعه أو درس لم تتمكن من حفظه بالشكل الكافي.
“نراجع الدروس، لكن حجم المقررات كبير، وفي النهاية يتم الحكم علينا من خلال ساعات قليلة فقط. لذلك يبحث التلاميذ عن أي وسيلة تمنحهم نوعاً من الاطمئنان”، تقول الطالبة.
الغش كخيار احتياطي أمام الضغط
لا يقتصر الضغط المرتبط بالامتحانات على التلاميذ وحدهم، بل يمتد إلى الأسر أيضا، التي تكون في غالب الأحيان منشغلة بضمان نجاح أبنائها أكثر من انشغالها بطريقة تحقيق هذا النجاح.
تقول فاطمة، والدة تلميذ بالسنة الأولى بكالوريا، إنها منعت ابنها من حمل الهاتف المحمول إلى مركز الامتحان، التزامًا بقواعد الامتحانات وتفادياً لأي سلوك قد يُعرضه للعقوبات.
لكنها في المقابل تعترف بأنها لم تستطع التحكم في لجوئه إلى وسائل أخرى يعتبرها التلاميذ أكثر “تقليدية” وأقل عرضةً للكشف، مثل “التصغير”، الذي يعتمد على ملخصات وأجوبة مختصرة يتم إعدادها مسبقًا.
وتوضح أن هذا السلوك لم يكن، في نظرها، مرتبطاً بعدم الجدية أو البحث عن الغش بشكل مباشر، بقدر ما “كان نتيجة ضغط المواد العلمية وصعوبة الاستيعاب، خاصة وأن ابني يتابع مسلكًا علميًا في السنة الأولى بكالوريا، حيث يتزايد حجم الدروس وتعدد المواد”.
“هو ليس تلميذًا غير مجتهد، لكن هناك مواد يجد صعوبة كبيرة في التركيز عليها، خاصةً مع كثافة المقرر وضيق الوقت”، تضيف الأم، مشيرةً إلى أن النقاش داخل البيت كان يدور أكثر حول كيفية “تجاوز الضغط الدراسي وليس فقط حول فكرة الغش”.
من جهتها، تقول سلمى، تلميذة بالسنة الأولى بكالوريا، إن الغش بالنسبة لها لم يكن خياراً أساسياً بقدر ما كان “احتياطاً” خلال فترة الامتحان.
“حضّرت قصاصة صغيرة فيها أجوبة مختصرة، لكني لم أعتمد عليها بشكل كامل. كنت فقط أريد أن أكون مستعدة إذا احتجت إليها”، تقول سلمى.
وتضيف أن هذا السلوك لم يكن مرتبطاً بعدم الاستعداد للامتحان ، بل بشعور بالضغط من حجم الدروس، خاصة في مادة اللغة الفرنسية التي كانت تخشاها رغم المراجعة.
“راجعت جيدا، وكنت أقوم بدروس دعم إضافية بعد المدرسة في المواد الأدبية، لكن تراكم الدروس، خصوصا ثلاث روايات في مادة الفرنسية و دروس اللغة، جعلني أشعر أن استعاب كل هذا هو شيء مستحيل بالنسبة لي”.
غير أن تشديد إجراءات المراقبة، وتطوير آليات رصد الغش داخل مراكز الامتحان، لم يُنهِ هذه الممارسات بقدر ما أعاد تشكيلها في صور أخرى أكثر بساطة وانتشارًا؛ فبالنسبةِ لعدد من التلاميذ، لا يبدو الغش مرتبطًا فقط بفرصة للنجاح، بل أيضًا بطبيعة الامتحان نفسه، الذي ما يزال في نظرهم يقوم إلى حد كبير على استرجاع المعلومات وحفظها أكثر من قياس المهارات والكفاءات.
وفي هذا السياق، تصبح وسائل مثل “التصغير” أو الملخصات الورقية الجاهزة أكثر فعالية بالنسبة لهم، لأنها تقدم أجوبة مختصرة ومهيكلةً سلفًا، يمكن استدعاؤها بسرعة أثناء الامتحان، خصوصًا في المواد التي تعتمد على إعادة إنتاج الدروس بشكل متكرر من سنة إلى أخرى.
وهكذا، لا يُفهم استمرار هذه الوسائل فقط كتحايل على المراقبة، بل أيضًا كتعبير عن انسجامها مع تصور لدى بعض التلاميذ لطبيعة الامتحان، حيث تصبح النتيجة مرتبطة أكثر بقدرتهم على التذكر السريع أكثر من كونها قدرة على التحليل أو الفهم.
حين يتحول الغش إلى عنف داخل الامتحان
ترى سناء، أستاذة مادة الفلسفة بالسلك الثانوي، إن التعامل مع الغش داخل الامتحانات لم يعد يقتصر على كونه سلوكاً مخالفاً للقواعد، بل أصبح في بعض الحالات مصدراً للتوتر والصدام بين المراقبين والتلاميذ.
“أحياناً، منع الغش يُفهم من طرف بعض التلاميذ وكأنه منع لحقهم، وليس تطبيقاً للقانون. هذا يجعل العلاقة مع المراقبة مشحونة، وقد تتحول في بعض الحالات إلى توتر أو ردود فعل حادة”، توضح سناء.
وتروي الأستاذة حادثة وقعت لها خلال أحد الامتحانات، حين قامت بمنع تلميذ من الغش، قبل أن يتطور الموقف خارج مركز الامتحان: “عند انتهاء الامتحان، وبينما كنت أغادر، أوقفني التلميذ رفقة والدته. كانت هناك مواجهة كلامية حادة، وتهديدات لفظية بسبب منعه من الغش، ولم ينتهِ الموقف إلا بتدخل بعض الحاضرين”.
بالنسبة سناء فإن “ما يثير القلق، ليس فقط استمرار الغش داخل الامتحانات، بل امتداده أحيانًا إلى ممارسات يومية داخل القسم، حتى في أنشطة غير خاضعة للتنقيط”.
“حتى في أنشطة الدعم أو التقويم غير المنقط، نلاحظ أحياناً أن التلاميذ يلجؤون إلى الغش. رغم أننا نشرح لهم أن الهدف هو التعلم من الخطأ، إلا أن بعضهم أصبح يعتبر الغش سلوكاً تلقائياً حتى خارج الامتحان الرسمي”، توضح سناء.
ما تكشفه شهادة الأستاذة سناء لا يقتصر على صعوبة ضبط الغش داخل قاعة الامتحان، بل يمتد إلى تحوّل أعمق في علاقة بعض التلاميذ بالمراقبة نفسها، حيث لم يعد المنع يُفهم دائمًا كإجراء تربوي، بل كتصادمٍ مع ما يعتبرونه جزءاً من “حقهم” داخل الامتحان. وهو ما يجعل الغش، في بعض الحالات، يتجاوز حدود الامتحان نفسه ليصبح سلوكاً يتكرر حتى داخل أنشطة تقويمية لا تخضع للتنقيط.
وهذا الانتقال من الامتحان إلى الحياة اليومية داخل القسم، يعزز الصورة التي تتقاطع في مختلف الشهادات؛ الغش لم يعد مجرد خرق استثنائي للقواعد، بل ممارسة تتشكل داخل سياق تربوي واجتماعي أوسع، تتداخل فيه علاقة التلميذ بالمعرفة، وبالنجاح، وبمعنى التقييم نفسه.
في ضوء هذه الشهادات المتعددة، من التلاميذ إلى الأستاذة الحارسة، لا يظهر الغش كفعل منفصل عن سياقه، بل كظاهرة تتغذى من توترات متعددة داخل المنظومة التعليمية: ضغط الامتحان، مركزية النتيجة، وطبيعة التقييم الذي ما يزال في نظر البعض قائماً على الاسترجاع أكثر من الفهم.
فبين “احتياط” فردي، و“تطبيع” جماعي، و“مواجهة” داخل قاعة الامتحان، يتشكل الغش كجزء من واقع مدرسي متحول، لا يمكن اختزاله في المراقبة أو في سلوك التلميذ وحده.
لكن الإشكال الذي تطرحه هذه الشهادات؛ هو أن ظاهرة الغش لم تعد داخل الامتحانات فقط، بل أصبحت أعمق من ذلك، ونفذت إلى طريقة اشتغال المدرسة نفسها، وفي معنى التعلم داخلها، حيث أصبحت النتيجة أهم من المعرفة.
ظاهرة سوسيولوجية
يرى محمد زرنين، أستاذ التعليم العالي والمفتش التربوي السابق، أن “ظاهرة الغش في الامتحانات لا يمكن اختزالها في كونها سلوكًا فرديًا معزولًا أو مجرد انحراف أخلاقي صادر عن بعض التلاميذ، بل هي ظاهرة سوسيولوجية كلية تعكس تحولات أعمق في علاقة المتعلم بالمدرسة وبالمعرفة وبالنجاح المدرسي”.
ويؤكد على أن التعامل مع الغش باعتباره “حقاً” لدى بعض التلاميذ، أو باعتباره موضوعًا للاحتجاج والشعور بالظلم عند منعه بسبب تطبيق قواعد الامتحان، لا يمكن فهمه خارج سياق التحولات التي مست تمثلات الفاعلين داخل المنظومة التعليمية؛ فـ“الغش في هذا السياق هو بمثابة شاشة كبرى تكشف عن تحولات أعمق في تمثلات المجتمع للمدرسة والمعرفة والاستحقاق”.
ويشرح محمد زرنين، أن “التلميذ، حين يلجأ إلى الغش من دون الاعتراف بخطره، يكون في الغالب في موقف يدرك ويعرف فيه أن الغش ممنوع قانونيًا ومؤسساتيًا، لكنه رغم ذلك يمنحه في وعيه وإدراكه الاجتماعي نوعًا من المشروعية (légitimité) التي تتجاوز قانونية المنع”.
“هذه المشروعية لا تأتي من النص القانوني، بل من التبريرات الاجتماعية التي ينتجها المحيط المدرسي والأسري، حيث تصبح النتيجة (النقطة) والشهادة والنجاح أهم من تملك المعرفة ذاتها، بينما تتراجع قيمة المسار التعلمي نفسه”، يضيف زرنين.
وبهذا المعنى، حسب زرنين، يتحول السؤال من “هل الغش ممنوع؟” إلى “كيف أحقق النجاح؟”، وهو تحول يعكس تغيرًا في بنية التفكير لدى المتعلمين، إذ يتأكد المنطق الضمني بل الصريح الذي مؤداه: إذا كان المطلوب هو النقطة فقط، فمن حقي أن أبحث عن الطريقة التي تمكنني من الحصول عليها.
ويضيف زرنين أن “أحد أهم التحولات التي رافقت هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته التطبيع الاجتماعي طويل الأمد للغش، حيث يصبح هذا السلوك ممارسة جماعية متكررة ومقبولة ضمنيًا أو صريحًا، يتم تداولها بين التلاميذ، وأحياناً يتم التعامل معها كجزء من الواقع المدرسي وليس كخرق له”.
“ومع تكرار هذه الممارسة، تتحول تدريجياً إلى قاعدة سلوكية غير رسمية؛ تكتسب سلطة معيارية أقوى من معايير المؤسسة، بحيث لم يعد السؤال المطروح هو مدى شرعية الغش، بل لماذا يُمنع سلوك يمارسه عدد كبير من التلاميذ”. وفي هذا السياق، تصبح السلوكات الجماعية للتلاميذ مرجعية معيارية قد تفوق في تأثيرها القواعد الرسمية للمؤسسة التعليمية.
ويربط الباحث بين هذا التحول وهيمنة ثقافة النقطة والشهادة داخل المدرسة المعاصرة، التي تنتشر فيها ثقافة النتائج السريعة والنجاح الفوري في علاقة بإيديولوجية الأداء (La performance)، هذه الديانة الجديدة المنتسبة إلى النيوليبرالية القائمة على نفعية تعبد السرعة؛ فـ”المعيار الأساسي للنجاح أصبح هو المعدل العالي، وليس مدى التملك الحقيقي للمعرفة أو تطور الكفايات؛ وحين يقتنع التلاميذ بأن المجتمع والأسرة والمدرسة يقيسون القيمة أساساً بالنقط، يتراجع مفهوم الاستحقاق المبني على العمل والاجتهاد لصالح منطق النجاعة”.
ومع هذا التحول، يضيف المتحدث “يتراجع منطق التعلم لصالح منطق النتيجة، ويصبح النجاح هدفًا مطلقًا، بينما تتحول الوسائل إلى تفاصيل ثانوية يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها، أي النجاح بأي وسيلة كانت”.
كما يشير زرنين إلى أن “بعض التلاميذ يبررون اللجوء إلى الغش أيضًا من خلال الإحساس بعدم تكافؤ الفرص داخل المنظومة التعليمية، وضعف الثقة في عدالة المنافسة المدرسية. فالفوارق الاجتماعية، والتفاوتات المادية والتعليمية، واختلاف مستويات الدعم الأسري، والولوج غير المتكافئ إلى الدروس الخصوصية، كلها عناصر تجعل جزءًا من المتعلمين؛ خاصة من يعانون صعوبات اجتماعية أو تعليمية؛ إذ يشعرون بأنهم في وضعية منافسة غير عادلة، وأمام لا يقين الامتحانات والظلم الاجتماعي”.
وفي هذا السياق، يشدد على أنه “لا يُنظر إلى الغش باعتباره مجرد خرق للقانون، بل كآلية لتعويض عدم التكافؤ في الفرص، أو كنوع من استعادة العدالة في نظرهم، وضمانة مسبقة للنتيجة”.
ويؤكد الباحث على أن “استمرار الظاهرة، خاصة في الامتحانات الإشهادية حيث يرتفع الرهان نظرًا لكون الشهادة تعد بمثابة مفتاح للترقي، يكشف حدود المقاربة الزجرية والتقنية الحالية القائمة على تشديد المراقبة البشرية واستعمال الكاميرات وأجهزة التشويش والعقوبات التأديبية. فالمعالجةُ الأمنية أو التقنية تظل محدودة الفعالية وتعالج مظاهر الغش أكثر مما تعالج أسبابه العميقة؛ إذ تُظهر التجربة أن كل تطور في وسائل الرصد يقابله تطور موازٍ في أساليب الغش والتحايل للالتفاف على المراقبة (خاصة مع انتشار الهواتف الذكية والساعات الإلكترونية وتطبيقات التواصل الفوري)، مما يحول الامتحان إلى فضاء للشك والرقابة أكثر منه فضاء تربوي”.
ويشدد زرنين على “ضرورة عدم حصر التحليل في غش التلاميذ، بل النظر إلى الظاهرة في نسقها المجتمعي الشامل؛ إذ لا يجب أن ننسى ما يقع في مباريات توظيف الأساتذة، والامتحانات المهنية، وباقي المباريات في مؤسسات المجتمع، وقصص بيع وشراء النقط والمناصب، وما تتحدث عنه تقارير ترانسبارنسي والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعيات حماية المال العام، والغش في الصفقات العمومية”.
بناءً عليه، فإن “المقاربة التجزيئية ستبقى دائمًا محدودة ولن تخرج عن اقتراح حل تقني ضيق لظاهرة تتجذر في النسيج المجتمعي، بل أصبحت بالنسبة إلى البعض طريقًا سيارًا نحو الإثراء، تقودها شبكات ومجموعات منظمة تنسق لتسريب المواضيع بمجرد فتح الأظرفة لبيع الأجوبة مقابل مبالغ هامة، و بمساهمة بعض الآباء الذين يستثمرون في شراء وسائل تكنولوجية متطورة لأبنائهم”، يقول زرتين.
ومن جهة أخرى، يلفت زرنين إلى أن “طبيعة الامتحان التقليدي، من منظور بيداغوجي؛ حين تتركز أساسًا على الحفظ والاسترجاع؛ تساهم بدورها في تهيئة بيئة ملائمة لانتشار الغش. فحين يقيس الامتحان القدرة على استرجاع كم كبير من المعلومات في زمن محدود، فإن النجاح يصبح مرتبطاً بامتلاك الذاكرة أكثر من ارتباطه بالفهم والتحليل وحل المشكلات وبناء الكفايات. وفي هذه الحالة، يشعر التلاميذ بأن المطلوب منهم هو استظهار المعلومات لا امتلاكها؛ فيتحول الغش في نظرهم إلى تقنية بديلة للحفظ وليس خرقًا أخلاقياً فقط”.
هذا النموذج يخلق مفارقة تربوية حادة في عصر الثورة الرقمية حيث أصبحت المعرفة متاحة بنقرة زر عبر الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي ومحركات البحث؛ فإذا كان المطلوب مجرد استدعاء معلومة يمكن العثور عليها في ثوانٍ، فإن التلميذ لا يرى مشروعية كبيرة للتمييز بين التذكر الشخصي والاستعانة بمصدر خارجي، خصوصًا عندما لا يكون مقتنعاً بقيمة المهمة المطلوبة منه.
ويخلص الأستاذ زرنين إلى أن ظاهرة الغش تشبه “قطعة الجليد العائمة؛ حيث إن الجزء الظاهر فوق سطح الماء لا يمثل سوى جزء صغير من حقيقة أعمق وأعقد تخفي جزأها الغارق في اختلالات المنظومة. فهي تكشف عن هيمنة ثقافة النتيجة على ثقافة التعلم، وعن ضعف الثقة في عدالة المنافسة المدرسية، وتراجع قيمة الجهد والاستحقاق، وضعف اقتناع التلاميذ بشرعية القواعد المدرسية”.
لذلك، يقول المتحدث، فإن “مكافحة الغش لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو تشديد العقوبات، بل تقتضي بالضرورة معالجة تربوية نسقية وشاملة تعيد مراجعة أدوار المدرسة، وإعادة بناء معنَى العملية التعليمية التعلمية، وتوفير شروط تعزيز العدالة المدرسية وفق مقتضيات السياسة العمومية، وربط النجاح المدرسي بالاستحقاق الحقيقي القائم على تملك الكفايات والمشاريع والبحث الشخصي لا المعارف، وإقناع المتعلمين بأن الامتحان ليس اختباراً للذاكرة والآلية، بل فضاء حقيقي لإثبات ما تعلمه فعلاً”.
وإذا كانت الوزارة تراهن على تطوير وسائل الرصد والمراقبة، فإن سؤال الغش، كما يراه الباحث محمد زرنين، يتجاوز حدود القاعة والامتحان. إنه سؤال يتعلق بعلاقة التلميذ بالمعرفة، وبمكانة النقطة داخل المدرسة، وبقدرة المنظومة التعليمية على جعل التعلم قيمة في حد ذاته لا مجرد طريق نحو شهادة أو معدل. فكلما ظل النجاح يُقاس بالنتيجة وحدها، سيستمر التلاميذ في البحث عن أقصر الطرق للوصول إليها.



















