لم تكن صفية تتوقع أن ينتهي يوم عمل عادي داخل معمل النسيج إلى بداية رحلة بطالة قسرية؛ إحدى عشرة ساعةً من العمل اليومي بين ضجيج الآلات لم تكن كافية لحمايتها من قرار مفاجئ أغلق أبواب شركة “نماطيكس” بطنجة، وفتح أبواب الشارع أمام مئات العاملات والعمال.
وبين إشاعات لم تُؤخذ على محمل الجد، ووعود مؤقتة سرعان ما تبخرت، وجدت هؤلاء النساء أنفسهن في مواجهة واقع قاسٍ؛ سنوات من الكدح انتهت دون أجر، ودون تعويض، ودون ضمانات.
في الشارع دون أي تعويض
“كنا نشتغل كأي يوم عادي داخل المعمل، لكن فجأة بدأنا نسمع أن الشركة قد تغلق أبوابها وأننا سنجد أنفسنا في الشارع دون أي تعويض”، بهذه الكلمات تستعيد صفية، وهي عاملة سابقة في معمل “نماطيكس” للنسيج بمدينة طنجة، بداية المخطط الذي انتهى بتشريد مئات العاملات والعمال بعد سنوات طويلة من العمل.
في اليوم الأممي للمرأة العاملة، توجهت عاملات وعمال شركة “نماطيكس” رفقة عاملات من شركات أخرى بمدينة طنجة إلى مدينة مكناس، حيث التحقوا بمعتصم الكرامة لعاملات وعمال شركة “سيكوميك”، جمع بينهم المصير ذاته فوجدن أنفسهن مطرودات من المعمل بعد سنوات من الكدح والتعب.
“وجدنا أنفسنا جميعا في الشارع”
في مقابلتها مع منصة “هنَّ”، تحكي صفية وهي عاملة سابقة بشركة “نماطيكس” عن حيثيات ما جرى لهن مع صاحب المعمل: “في البداية راجت أقوال داخل المعمل مفادها أن الشركة قد تغلق أبوابها ولم يكن أحد يشرح لنا الأسباب، لذلك كنا نستمر في العمل كالمعتاد”.
“غير أن المؤشرات الأولى للعملية التسريح بدأت في شهر غشت، حين شرعت إدارة الشركة في تقليص بعض الامتيازات المالية التي كانت تمنح للعاملين على الآلات، وفي الوقت نفسه لم يكن العمال يعلمون أن صاحب الشركة لا يقوم بتأدية واجبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”، تضيف صفية.
وتسترسل “اكتشفنا الأمر بطريقة صادمة. عندما أنجبت إحدى العاملات مولودا جديدا، أخبروها في المستشفى أنها لن تستفيد من التعويض لأنها غير مسجلة في الضمان الاجتماعي”.
وبعد عطلة دامت خمسة عشر يوما في شهر غشت، عادت العاملات والعمال إلى العمل داخل المعمل و استأنفوا الإنتاج بشكل طبيعي، غير أن المفاجأة كانت مع نهاية شهر شتنبر، حين تبين أنهم اشتغلوا شهرا كاملا ولن يتوصلوا بأجورهم.
تقول صفية: “نحن في قطاع النسيج غالبيتنا يشتغل إحدى عشرة ساعة في اليوم داخل المعمل، وكنا حوالي 450 عاملة وعاملا. في النهاية وجدنا أنفسنا جميعا في الشارع”.
مساومة العمال وإغلاق المصنع
مع بداية الاحتجاجات، حاولت إدارة الشركة مساومة العمال، “أخبرتنا إدارة الشركة أنها ستغلق أبوابها، واقترحت على من يرغب الانتقال مؤقتا إلى شركة أخرى سيكون مقابل 5000 درهم. لكننا اكتشفنا أن الأمر لم يكن سوى خطة لتقسيمنا وتشتيتنا، إذ أغلقت الشركتان معاً في النهاية”، تروي صفية.
وفي 7 أكتوبر أغلقت الشركة أبوابها، و”أخبرونا أن التوقف سيكون مؤقتا لمدة أسبوع فقط، لكننا لم نتوصل بأجورنا. عندما فهمنا أن الأمر يتعلق بخطة لتسريحنا قررنا البقاء داخل الشركة”، تؤكد صفية.
وتضيف “اتخذنا قرار عدم إخلاء المعمل والحفاظ على وجودنا داخله بالتناوب حتى لا يتم إخراج الآلات، بعض العمال غادروا، لكن سلسلة الإنتاج التي أشتغل فيها قررنا البقاء داخل المعمل للحفاظ على وجودنا”.
ورغم ذلك تمكن صاحب الشركة من إخراج جزء من الآلات قبل أن يتمكن لاحقا من إغلاق المصنع بالكامل، ومنذ ذلك الحين، خاضت العاملات والعمال سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بحقوقهم.
وتردف صفية قائلة: “نظمنا وقفات احتجاجية أمام الولاية، وأمام الفيلا التي يقطن فيها صاحب الشركة، إننا عازمات على عدم التنازل عن حقوقنا، لقد اشتغلنا داخل هذا المعمل لمدة ثماني عشرة أو حتى عشرين سنة.
وتختم: “في البداية كنا نطالب فقط بأجرتنا الشهرية مقابل إحدى عشرة ساعة من العمل يوميا، لكن اليوم أصبح مطلبنا هو الحصول على جميع حقوقنا و مستحقاتنا المالية”.
“مدونة الشغل قوانين تحمي أرباب العمل”
إلى جانب معركة عاملات وعمال “نماطيكس” ومعامل أخرى، حضرت إطارات مناضلة لدعمهنّ، تقول نورة عبور، وهي مناضلة في جمعية “أطاك” مجموعة طنجة، “إن الجمعية لا تساند فقط العاملات والعمال في نضالاتهم، بل تشارك معهم في الاحتجاجات التي ينظمونها، ونعتبر أن معركتهم ليست منفصلة عن نضالاتنا”
وتشرح موقف الجمعية من قانون الشغل، قائلةً: “مدونة الشغل، بكل مقتضياتها القانونية، هي مجموعة من القوانين الطبقية التي تحمي أرباب العمل وتمكنهم من الاستغلال المكثف لعرق وتعب وكدح العاملات والعمال، على نحو يضعف موقع الطبقة العاملة ويسهل طردها وتشريدها بعد سنوات من الكدح والعمل. غير أن جشع أرباب العمل يدفعهم إلى السطو حتى على ذلك الفتات الذي تُرك للعاملات والعمال بموجب القانون”.
وتضيف: “وهذا هو حال عاملات وعمال شركة “نماطيكس”، الذين لم يتلقوا أجورهم منذ شهر شتنبر، ولم يتم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الأمر الذي حرمهم من الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل. كما أن ذمة الباطرون الإسباني مثقلة بمبالغ ضخمة لم يقم، إلى حدود الساعة، بأدائها للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي طيلة سنوات، ناهيك عن نهجه أساليب الاحتيال ونقل ملكية المعمل من شركة إلى أخرى تمهيدا لارتكاب الجريمة الكبرى، التي ارتكبها منذ السابع من أكتوبر الماضي”.
وبخصوص الفصل 19 من مدونة الشغل، تشرح نورة: “تعمل فصول مدونة الشغل على تكريس الاستغلال وضمان استمراريته، وتحصين مصالح أرباب العمل في مواجهة العاملات والعمال. ولا يشكل الفصل 19 استثناء من ذلك، فشكليا يُقدم على أنه لحماية العاملات والعمال في حالة انتقال ملكية الشركة من شخص إلى آخر عن طريق الإرث أو البيع أو التحويل، حيث تنتقل التزامات رب العمل الأول تجاه العاملات والعمال إلى رب العمل الجديد، مع الحفاظ على الأقدمية والامتيازات والتعويضات”.
وتؤكد: “غير أن المضمون، كما تثبته الممارسة العملية، يبين أن الفصل 19 يشكل أداة فعالة لتنصل أرباب العمل من كل الالتزامات القانونية تجاه العاملات والعمال. فهو قانون يمكن رب العمل بجرة قلم، من تفويت الشركة إلى شخص آخر، مما يفضي إلى طرد وتشريد العمال الذين قضوا سنوات من الكدح والعمل في المعمل، وغالبا لا يكون الهدف من تفويت الشركة سوى التنصل من أداء مستحقات العمال”.
“وفي حالة شركة ‘نماطيكس’، قام خوسي لويس، رب عمل الشركة، بتفويت ملكيتها إلى شخص كولومبي غير معروف، رغم استمراره هو وزوجته في التسيير الفعلي للشركة”، توضح.
وفيما يخص أشكال الدعم التي ينبغي تقديمها لهؤلاء العاملات والعمال، تعود نورة لتؤكد على “إننا في جمعية أطاك – مجموعة طنجة- لا يقتصر تضامننا على الزيارات أو إلقاء الكلمات، بل نعتبر أن معركتهم هي معركتنا نفسها”.
ومن هذا المنطلق توضح “نشارك إلى جانبهم في تنفيذ برنامجهم النضالي، مع الاستعداد التام لتحمل كامل المسؤولية وتقديم التضحيات إلى جانبهم جنبا إلى جنب، فضلا عن تقديم المشورة فيما يتعلق بالجوانب القانونية والعملية”.
وحول أشكال التضامن العمالي الوحدوي بين عاملات وعمال طنجة المطرودات والمطرودين وعاملات سيكوم\يك بمدينة مكناس، تقدم نورة وجهة نظرهن في الجمعية: “إن مبادرة الزيارة العمالية الوحدوية لعاملات وعمال طنجة إلى معتصم عاملات وعمال شركة سيكوم، التي بادر إليها رفاقنا في لجنة العمال داخل ‘أطاك طنجة’، والتي لقيت استجابة وترحيبا من قبل عمال شركة ‘نماطيكس” و’نيكا’ وغيرهم، لم تكن مجرد زيارة عابرة لتسجيل الموقف والحضور، بل شكلت محطة نضالية تعكس وحدة المسار والمصير لدى الطبقة العاملة، وضرورة تنسيق نضالاتها وتوحيدها بهدف خلخلة ميزان القوى الاجتماعي الحالي الذي في صالح البرجوازية”.
وتختم قائلة: “إنه لجدير بالذكر أن هذه المحطة هي محصلة لتراكم نضالي عمالي وحدوي سابق، تجسد في الوقفات الاحتجاجية الموحدة بين عاملات وعمال هذه الشركات التي نظمتها ‘أطاك طنجة’ بمدينة طنجة، وكذلك في الزيارة السابقة التي نظمناها لمعتصم عاملات وعمال ‘سيكوم’ بمدينة مكناس، إضافة إلى مشاركة وفد من عاملات ‘سيكوم’ مكناس خلال تخليد ذكرى 20 فبراير”.
النسيج: القطاع الأكثر تأنيثًا في المغرب
جدير بالذكر أن قطاع النسيج والألبسة في المغرب، يعد من الأعمدة الأساسية للصناعة التحويلية، ومن أكبر القطاعات المشغِّلة لليد العاملة.
وتشير المعطيات الحديثة إلى أنّه يوفّر ما بين 200 ألف و250 ألف منصب شغل مباشر في القطاع المهيكل، فيما قد يصل العدد إلى نحو 500 ألف أو 600 ألف عند احتساب الأنشطة غير المهيكلة وسلاسل التوريد المرتبطة به.
ووفق معطيات صادرة عن وزارة الصناعة والتجارة المغربية والجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة (AMITH) خلال الفترة ما بين 2023 و2024، فإن القطاع “يمثل نحو ربع التشغيل الصناعي في البلاد”، ما يعكس وزنه الاقتصادي والاجتماعي الكبير.
ويتميّز القطاع بكونه من أكثر المجالات “تأنيثًا” في سوق الشغل المغربي، حيث تتراوح نسبة النساء بين 60 و75 بالمائة، من مجموع العاملين.
وبحسب أرقام منظمة العمل الدولية لسنة 2022، إلى جانب تقديرات البنك الدولي، يُقدَّر عدد العاملات بما بين 120 ألف و180 ألف امرأة في الوظائف الرسمية، وقد يصل إلى ما بين 300 ألف و400 ألف عند احتساب العمل غير المهيكل. ويجعل هذا من قطاع النسيج أكبر مشغّل صناعي للنساء في المغرب، خصوصًا في المدن الصناعية الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء والقنيطرة.
ورغم هذا الدور الحيوي في تشغيل النساء، فإن القطاع يرتبط بظروف عمل صعبة نسبيًا، حيث تظل الأجور قريبة من الحد الأدنى الصناعي (SMIG)، الذي يدور حول 3000 درهم شهريًا.
ووفق تقارير منظمة العمل الدولية وتقارير نقابية مغربية صادرة بين 2021 و2023، فإن عددًا من العاملات، خاصة في الوحدات غير المهيكلة، يتقاضين أجورًا أقل من الحد الأدنى، مع تسجيل ساعات عمل طويلة وضغط إنتاجي مرتفع، خصوصًا في الشركات المرتبطة بسلاسل التصدير نحو أوروبا، إضافة إلى تفاوت في الاستفادة من الحماية الاجتماعية.
وتُفسَّر الهيمنة النسائية في هذا القطاع بعوامل بنيوية واقتصادية، من بينها اعتماد الصناعة على يد عاملة كثيفة منخفضة الكلفة، واعتبار بعض المهام مثل الخياطة والمراقبة الدقيقة “أعمالًا نسائية”، في التقسيم التقليدي للعمل.
ووفق دراسات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) خلال الفترة 2020–2023، فإن اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، خاصة المرتبطة بالسوق الأوروبية، يعزّز هذا النمط من التشغيل القائم على الكلفة التنافسية والمرونة.
بذلك، يجمع قطاع النسيج في المغرب بين كونه رافعة أساسية للتشغيل النسائي ومصدرًا مهمًا للعملة الصعبة، وبين كونه مجالًا تُطرح فيه تحديات متعلقة بالهشاشةِ الاجتماعية وظروف العمل، ما يجعله محورًا أساسيًا في النقاش حول العدالة الاجتماعية والعمل اللائق في الاقتصاد المغربي.
واليوم، وبعد أشهر من إغلاق المصنع، لم تعد معركة عاملات وعمال “نماطيكس” مجرد مطالبة بأجور متأخرة، بل تحولت إلى معركة من أجل الاعتراف والكرامة. في قطاع يُشغّل آلاف النساء ويقوم على سواعدهن، تكشف هذه القضية الوجه الهش لصناعة تُقدَّم كنجاح اقتصادي. فما بين نصوص قانونية تُفترض حمايتها لحقوق الشغل، وواقع يكرّس العكس، يظل مصير صفية وزميلاتها مفتوحًا على احتمالات التشرد وضياع الحقوق.



















