“كان فخا للموت”.. حقائق جديدة في مأساة مليلية

قبل أقل من أسبوع من الذكرى الثانية لمأساة مليلية، التي أسفرت عن “مقتل 23 شخصا”، حسب الرواية الرسمية للمغرب و”مقتل 27” وفق منظمات حقوقية؛ كانوا يحاولون القفز على السياج الحدودي، كشف تحقيق جديد عن المسؤولية المشتركة بين السلطات الإسبانية والمغربية عن الأحداث.

وفي ظل غياب تحقيق مستقل، قامت منظمات غير حكومية، وهي مركز الدفاع عن حقوق الإنسان “إيريديا”، و”الطب الشرعي على الحدود”، و”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، بإعادة بناء الأحداث التي وقعت يوم 24 يونيو 2022؛ من أجل الإجابة على سؤال، “من الذي حول المركز الحدودي بين الناظور ومليلية إلى فخ الموت؟”.

ويعتبر كُتاب هذا التحليل أن إعادة تركيب الأحداث أتاحت لهم تفنيد روايات المغرب وإسبانيا عما حدث، والتي جاءت لـ”تعفيهم في البداية من أي مسؤولية بهذا الخصوص”.

ويستند التحليل إلى التحقيقات التي أجرتها سابقًا مجموعة تحقيقات صحفية لوسائل إعلام دولية، وكذلك تقارير المنظمات الدولية والمحلية؛ بهدف توحيد كل ما حدث في ذلك اليوم بشكل منهجي ومقارنة الحقائق المتناقضة مع الروايات الرسمية المقدمة. 

“سياسة الجبناء” 

حول مذبحة مليلية، ترى لوثيلا رودريغيث، مديرة منظمة “بُورْكَاوْسَا” (porCausa)، المتخصصة في صحافة الهجرة، والتي قامت بتحقيقات عدة في المأساة، أن هناك جزأين للقضية، “أحدهما هو الحقائق التي لا تزال مغيبة منذ عامين، إذ لا يزال غير معروف حقاً عدد الأشخاص الذين ماتوا، نعلم فقط عدد الأشخاص الذين أعلنت عنهم الحكومة المغربية، ويمكن إضافة المفقودين إلى هؤلاء الأشخاص. ولكن من المؤكد أن هناك أشخاصاً مفقودين لم تُبلغ أسرهم عن اختفائهم”.

وتضيف رودريغيث، في تصريحها لمنصة “هنَّ”، “المدهش هو الطريقة التي تمت بها إدارة كل شيء، بحيث لا يمكن معرفة عدد الأشخاص الذين ماتوا”.

وتؤكد الصحفية المتخصصة في الهجرة واللجوء، على أنه من بين الأشياء الأخرى التي لم تعرف بعد، ولا تزال أجوبتها مغيبة، “في أي لحظة فقدت الحكومة المغربية السيطرة، وما هو الجزء الذي كان من مسؤولية الحكومة المغربية من كل ما حدث؟، لماذا أطلقوا الغازات المسيلة للدموع داخل السياج، الذي كان أحد الأسباب التي تسببت في وفاة المزيد من الأشخاص؟” وتضيف ” لا أعتقد أنهم فقدوا السيطرة، بل كان ذلك ممنهجًا”.

بعد تلك المأساة، وحسب رودريغيث، ” إسبانيا استثمرت المزيد من الأموال في المغرب، وابتزاز المغرب ظهر تأثيره بشكل فوري، حيث حصلت الحكومة المغربية على المال فورًا بعد وقوع المأساة”.

وتشير المتحدثة للمنصة إلى أنه  نتيجة لذلك “غيّرت اسبانيا سياستها لتجنب مشاكل في السياج الحدودي، والآن أصبح السياج خالٍ تمامًا، ولا يقترب منه أحد، ولا يوجد أحد في المناطق المحيطة به…” موضحة ” وفي الواقع، لم تعد القوارب تخرج من السواحل المغربية، فقد قام المغرب بنقل مناطق السيطرة على الهجرة إلى الصحراء، بعيدًا عن أعين الأوروبيين؛ وبالتالي، فإن نفس الأشياء التي كانت تحدث عند السياج تحدث الآن في الصحراء”.

وفي حديثها لـ”هنَّ”، تشدد الصحفية الإسبانية، على تورط الجميع، إسبانيا والمغرب، وإفلاتهما من العقاب، إن لم يتم  فتح تحقيق يكشف عن المسؤوليات، مما جعل المأساة تمر دون عقاب، وليبقى عدة مسؤولين عنها دون محاسبة”. 

وتعتبر رودريغيث، أن هذا “يؤدي إلى تطبيع وتعميم حدوث مثل هذه الحوادث دون عقاب، وهذا خطير للغاية؛ لأن وفاة الأشخاص يجب أن يحقق فيها وتأخذ بجدية بالغة، لا أن يتم اعتبارهم ليسوا بشرًا،  ناهيك عن المسؤولية الأوروبية وسياستها المرتبطة بالهجرة واللجوء، إذ تؤدي الى الإفلات من العقاب.

وتخلص رودريغث إلى أن “السياسات الأوروبية في قضايا الهجرة، هي سياسات مدفوعة من قبل قلة من الجبناء؛ الذين لا يملكون القدرة على فعل الصواب، وهي سياسات تولد الكثير من الفوضى وعدم التحكم، رغم أنهم يحاولون جعلنا نعتقد العكس.. وما يجب أن نطلبه كمواطنين ومواطنات، نحن الذين لا نؤمن بهذه السياسات، ونحن الأغلبية، هو إدارة أكثر ذكاءً، تضع الأمور في نصابها الصحيح؛ حيث يكون للناس إمكانية الوصول إلى بلادنا بوثائق وبطريقة نظامية وآمنة”.

“استراتيجية”

 يؤكد معدو الدراسة، أن محاولة القفز الجماعية التي وقعت عند المركز الحدودي “باريو تشينو”، (الحي الصيني)؛ كان نتيجة “لاستراتيجية السلطات المغربية”.

ووفقا لتحليلهم عبر الأقمار الصناعية، فإن  قوات الأمن المغربية انتشرت في المناطق التي يتجمع فيها المهاجرون عادة، وكذلك حول الحدود، “مما يعني أن الطريق الوحيد أمام مئات الأشخاص للخروج هو المسار الذي انتهى بهم محاصرين عند الحدود”.

“لقد سمحوا عمدا للمهاجرين بالاقتراب من الحدود، وبمجرد وصولهم، وجهوهم، من خلال التهديد بالقمع، إلى المركز الحدودي الحي الصيني”، نقرأ في هذه الدراسة.

ويؤكد المهاجرون أنهم تعرضوا لـ”قمع قوي” من قبل رجال الأمن مغاربة في الأيام التي سبقت الأحداث، مما دفعهم لمحاولة القفز في 24 يونيو 2022. 

وعلى وجه الخصوص، ذكروا غارة كبيرة نفذتها السلطات المغربية على جبل “غوروغو” في يوم الخميس 23 يونيو، وهو يوم قبل المأساة.

خلال تلك الأوقات، بالإضافة إلى الغارات التي أبلغ عنها المهاجرون السودانيون، يؤكد الباحثون أنه “كان هناك تعزيز كبير للوجود العسكري المغربي” على طول محيط الحدود.

وتشير الدراسة إلى أن “صور الأقمار الصناعية للأيام التي سبقت 24 يونيو تظهر زيادة في عدد القوات المنتشرة في عدة مناطق من الحدود، فضلا عن بناء خندق إضافي على الجانب المغربي من السياج”.

المخبر الذي خدع الجميع 

تتضمن هذه الدراسة عدة شهادات تشير إلى وجود مخبرين للسلطات المغربية “كانوا ضمن المهاجرين”، “وفقًا للروايات المختلفة التي جمعناها، شجع المخبرون في ذلك اليوم جميع المهاجرين على التوجه نحو السياج دون حمل خطافات معهم، ومحاولة العبور عبر نقطة حدودية، في حين تم استخدام هذه الأدوات في جميع المحاولات السابقة”.

“لم يكن لدينا خطافات، لذلك كان علينا الذهاب إلى نقطة الحراسة بالمركز الحدودي، فلو كانت لدينا خطافات، لما اضطررنا للذهاب إلى مركز الحراسة… لم يكن أمامنا خيار سوى محاولة الدخول من الباب. وعندما حاولنا الدخول من الباب، حاصرونا وضربونا. فكرة الدخول عبر نقطة الحراسة لم تخطر على بالنا من قبل. اعتدنا القفز فوق السياج، لكن هذه المرة غيرنا الخطة، كان جوَّاد هو الذي أثر على قرارنا، وبسببه كنا جميعاً “عراةً” بلا خطافات”، يقول مهاجر لمعدي الدراسة.

ويضيف أن مهاجرًا سودانيًا كان معهم، اشتغل مخبرًا للسلطات المغربية وهو من “اقترح علينا أن نذهب إلى نقطة التفتيش وأقنعنا بأن جميع السودانيين سيعبرون”.

“الفخ المميت” 

عندما وصول المهاجرون إلى المركز الحدودي، حاولوا عبور الحدود إلى مليلية، وفي ذلك الوقت، وفق الدراسة؛  قامت السلطات الإسبانية والمغربية باستخدام مواد مكافحة الشغب.

“تعرض المهاجرون في البداية للهجوم من جميع الجهات بمعدات مكافحة الشغب من قبل قوات الأمن المغربية والإسبانية”، تؤكد الدراسة.

وخلصت إلى أن “الاستخدام المكثف للغاز في مكان ضيق، وما نتج عنه من الذعر، أدى بلا شك إلى أولى الوفيات خلال المجزرة”.

“الرواية الرسمية تدعي أن الوفيات لها علاقة بأفعال المهاجرين أنفسهم؛ ويقولون أنهم ماتوا جراء الاختناق في الزحام، بينما تقول مايتي دانييلا لو كوكو، الباحثة في مركز إيريديا لحقوق الإنسان، أن تصرفات الشرطة اتسمت بإساءة استخدام مواد مكافحة الشغب ولم يتمكن المهاجرون من الفرار”، وفق ما جاء في الدراسة.

“تم إنشاء فخ لهم، وهذا لا يعني أنهم تعرضوا للسحق حتى الموت، ولكن الموت كان بسبب الفخ واستخدام مواد مكافحة الشغب”، تؤكد الدراسة.

كما أكد الحرس المدني الإسباني،  استخدم عناصره لـ”86 قنبلة مسيلة للدموع، و28 قنبلة غاز، و65 رصاصة مطاطية، و270 طلقة نارية، و41 قنبلة كبيرة مسيلة للدموع”، لردع محاولة القفز.

وأيضًا، استخدم رجال الأمن المغاربة “عنفًا شديدًا ضد المهاجرين، سواء أولئك الذين بقوا داخل المركز الحدودي أو أولئك الذين حاولوا مغادرته وتمت إعادتهم بعنف من قبل القوات الإسبانية والمغربية”، حسبما تشير الدراسة.

وفي ديسمبر 2022، قام مكتب المدعي العام في إسبانيا بحفظ تحقيقاته في وفاة المهاجرين في أحداث الجمعة الأسود على حدود مليلية، مما أدى إلى تبرئة الداخلية الإسبانية والحرس المدني ممن كانوا على الأرض في ذلك اليوم من أي مسؤولية. 

وجاء في قرار مكتب المدعي العام أن “الأحداث وقعت في الأراضي المغربية”، وأن “التزاحم وقع بين المنطقتين الحدوديتين”.

ويقول مكتب المدعي العام أن “تصرفات السلطات كانت متناسبة”، وهو ما يرفضه مؤلفو هذا التحقيق الجديد في استنتاجات دراستهم.

أما في المغرب، فقد خلص “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”؛ وهو الهيئة المغربية الرسمية التي قامت بإجراء تحقيق حول المأساة؛ إلى أن “المهاجرين ماتوا بسبب الاختناق التنفسي الميكانيكي”، لا سيما عندما “دخلوا المعبر الحدودي الضيق المعد لعبور شخص واحد في كل مرة”.

ألقى المجلس باللوم على السلطات الإسبانية، “لاحجامها عن تقديم المساعدة والإغاثة اللازمتين”، لضحايا سياج مليلية.

واعتبر “السلطات الإسبانية استخدمت العنف ولم تساعد الجرحى الذين سقطوا من السياج”.

ويطالب النشطاء والمنظمات الحقوقية، بإجراء تحقيق مستقل جديد في الأحداث، بهدف تعويض الناجين وعائلات المتوفين، الذين لم يتم التعرف بعد على جثثهم، باستثناء واحدة منهم.

ويقول المحققون في دراستهم أن “الحقائق التي قمنا بإعادة بنائها، تدين السلطات المغربية والإسبانية على حد سواء”.

“بعد فحص المعلومات والشهادات المتاحة، من الواضح أن الناجين وعائلات المتوفين يمكنهم اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسبانيا والمغرب، سواء فيما يتعلق بالعنف الذي شهدته العملية أو بأشكال الاحتجاز التي تمت أثناء العملية”.

اقرأ أيضا

  • “دفعت جسدي للوصول”.. تراجيديا المهاجرات في تونس 

    بحثا عن الأمن، السلام والعيش الكريم، في فضاء لا تتعرض داخله للتعنيف والاستغلال الجنسي، اختارت "قلامس" أن تسلك طريقا طويلة من بلدها الكاميرون باتجاه تونس. فبعد المحادثات المطولة التي جمعتها مع صديقتها التي تعيش هناك منذ ثلاث سنوات أصبح لديها يقين أنها الخطوة التي يجب اتخاذها حتى تتمكن من اللجوء إلى دولة يتم فيها احترام…

    ريم بلقاسم|

  • غالبيتهم نساء وأطفال.. 30 مهاجرًا يموتون يوميًا بين الشواطئ المغاربية وإسبانيا

    توفي ما مجموعه 10 آلاف و457 شخصًا في عام 2024 أثناء محاولتهم الوصول إلى السواحل الإسبانية، وهو ما يمثل حوالي 30 شخصًا يموتون يوميًا في طرق الهجرة غير النظامية عبر البحر. وشهدت هذه السنة 2024 زيادة بنسبة 58 بالمائة مقارنة بالعام السابق 2023، وفقًا للتقرير الذي نشرته، الخميس، منظمة “كاميناندو فرونتيراس”. هذا الرقم لم يتم…

    Hounna | هنّ|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • ماري وفاتي| أرواح السود ثمنُ “تصديرِ الحدود” الأوروبية إلى تونس وليبيا 

    مضى من الزمن حوالي سنة، لكن جمر الألم مازال متقدًا تحت رماد الذاكرة، ودم باتو لازال يغلي في كل مرة يتذكر فيها زوجته وابنته، فما حدث لهذا المهاجر الكاميروني ولعائلته بين تونس وليبيا؛ حلقة من مسلسل اعتقال وتهجير قسري، ورميٍّ في الصحراء؛ يمكن اعتبارها جريمة إنسانية، الضحايا فيها هم المهاجرون الأفارقة السود، الهدف من ذلك،…

    Hounna | هنّ|